حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

محمد الأسباط - صحافي وعضو في تجمّع المهنيين السودانيين

 

المحور الأول:

رانا أبي جمعة: بخطى ثابتة لا تقبل المساومات، يسير الحراك السوداني نحو التغيير بحسب ما هو ظاهر حتى الساعة.

إعلان تشكيل مجلس سيادي مدني أرجئ، لكن المفاوضات حول المجلس العسكري علّقت .

فهل هو إصرار ثوري مقابل تعنّت عسكري؟ سنسأل

لسان حال الجميع في السودان ينادي بالانتقال السلس للسلطة.

لسان حال الواقع بأن البلد حُكِمَ عسكرياً لأكثر من أربعين عاماً منذ الاستقلال، فهل سيقف العسكر مكتوف اليدين؟

للجغرافيا أيضاً كلمتها، بين مصر والسودان علاقات تعود إلى القرن التاسع عشر، البعض يعتبر الخرطوم جزءاً من أمن القاهرة القومي.

لذلك نقول ليس مفاجئاً الدخول المصري السريع على خط المستجدات، ولا عجب من خوف تكرار السيناريو المصري لناحية الثورات المضادة.

وعند الحديث عن مصر، نتحدّث عن محور ليشمل الإمارات والسعودية، مقابل محور يضمّ قطر وتركيا.

فأين السودان ما بعد البشير من المحاور والتحالفات والحرب النازفة في اليمن؟

تطوّرات السودان محور حلقة اليوم من حوار الساعة مع الصحافي والعضو في تجمّع المهنيين السودانيين محمّد الأسباط.

أهلاً بكم.

 

فاصل

 

رانا أبي جمعة: أهلاً بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة من حوار الساعة، وأهلاً بك سيّد محمّد تنضم إلينا من العاصمة الفرنسية باريس.

محمّد الأسباط: مرحباً، أهلاً بك، وأهلاً بالمشاهدين.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد، قبل أن أبدأ في تفاصيل المستجدات الأخيرة في السودان، إسمح لي أن أسأل عن تجمّع المهنيين السودانيين، أريد المزيد من المعلومات. كانت هناك محاولات عديدة في السودان لإنشاء جسم نقابي موازٍ للأجسام النقابية الموجودة في الخرطوم والتي تعتبر في إطار الشرعية.

اليوم، ما سرّ تماسك تجمّع المهنيين السودانيين؟ ولماذا لديه الصوت الأعلى على الساحة السودانية خلال هذه الاحتجاجات؟

محمّد الأسباط: لعدة أسباب، لأن تجمّع المهنيين السودانيين بقيادته وعضويته موجود في الميادين والساحات منذ تفجّر ثورة ديسمبر- أبريل 2018 – 2019. السبب الثاني، أنه يعمل ضمن ترتيبات بمنتهى الدقّة أكسبته قدراً عالياً من المصداقية، وحقّقت التفافاً حوله، لم يتحقّق طوال تاريخ السودان في العصر الحديث منذ مؤتمر الخرّيجين في القرن الماضي. ولهذا السبب كان تأثير تجمّع المهنيين على جماهير الشعب السوداني تأثيراً قوياً، سار مع حلفائه في ثورة الحرية والتغيير حتى اقتربت على بُعد خطوة من الحقيقة.

رانا أبي جمعة:لا أدري إن كان الصوت يصل بشكل جيد، ولكن ربما السؤال الذي يُطرَح، هل توافقون بأن لديكم الصوت الأعلى على الساحة السودانية. عندما نتحدّث عن قوى الحرية والتغيير، نتحدّث في الواقع عن أطراف سياسية عديدة لها ثقلها على الساحة السودانية، نتحدّث عن تحالف قوى الإجماع الوطني، نتحدّث عن تجمّع السودان، نتحدّث أيضاً عن التجمّع الاتحادي المعارض.

أنتم الصوت الأعلى في السودان اليوم؟ هل تقولون ذلك؟

محمّد الأسباط: نحن لسنا الصوت الأعلى في السودان، نحن موجودون مع حلفائنا. لأسباب عديدة جداً تتعلّق بتعقيدات المشهد السياسي في السودان، اكتسب تجمّع المهنيين السودانيين ثقة السودانيين، وأصبح رمزاً لإحداث الاختراق الحقيقي في حكومة الديكتاتورية التي امتدت ثلاثين عاماً في بلادنا.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد سوف نتابع هذا الحوار، لكن إسمح لنا أن نذهب إلى هذا المقال في صحيفة أخبار اليوم السودانية: : قوى التغيير والمهنيين سباق السلطة والتحوّل الديمقراطي، نتابع.

 

أخبار اليوم السودانية: "قوى التغيير والمهنيين سباق السلطة والتحوّل الديمقراطي/ الهضيبي ياسين

 

على نحو مفاجئ ومن دون سابق إنذار، أعلن تجمّع المهنيين السودانيين إلغاء مؤتمره الصحافي أمس، بغرض الإفصاح عن أبرز الأسماء التي سوف تتولّى الحقائب الوزارية خلال الفترة الانتقالية. الخطوة التي لم تكن متوقّعة وأشارت إلى دخول تجمّع المهنيين في خلافات مع بعض الأحزاب والقوى السياسية، كتحالف الحرية والتغيير الذي يضمّ أحزاب المؤتمر السوداني – البعث العربي – الشيوعي –الاتحادي الموحّد وعدداً من التيارات والفصائل الدارفورية الأخرى. يتفق كل من تحالف قوى الحرية والتغيير – وتجمّع المهنيين السودانيين على نقطة جعل الحكومة الانتقالية للفترة المقبلة في السودان مدنية بحتة، بعيداً عن أية شراكة عسكرية مع الاحتفاظ ببعض المناصب ذات الطابع العسكري فقط، كوزارة الدفاع والداخلية وتشكيل حكومة مدنية تتّسم بمعايير الكفاءات المستقلة والخبرات السودانية كل في مجاله. وإذا أقدم تجمّع المهنيين السودانيين على إعلان حكومة من طرف واحد فإن ذلك ما هو إلا محاولة للجوء إلى سياسة فرض الأمر الواقع وفق مقتضيات الأرض وقيادة الشارع، من دون مراعاة وضعية باقي الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، ما قد يؤثّر مستقبلاً في إحداث شرخ سياسي جديد، وتكريس الانقسامات التي تولّد الخلافات مجدّداً. بالمقابل لا يزال المجلس العسكري الانتقالي يتمسّك بموقفه القائل "إنه على استعداد للاستماع إلى رؤية ومقترحات القوى السياسية، كتحالف قوى الحرية والتغيير، وتجمّع المهنيين بخصوص الحكومة المدنية، لكن هذا لا يعني فرض تلك الرؤية على سيادة السلطة الانتقالية في البلاد".

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد محمّد، يعني في الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع إعلان تشكيلة مجلس سيادي مدني، أعلن عن تعليق التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي. هل لنا أن نعرف ما هي الأسباب؟

محمّد الأسباط: أولاً، السبب الأساسي يتعلّق بترتيبات إعلان المجلس السيادي، عندما كان الحلفاء يتفاوضون على تشكيل المجلس الانتقالي، كان هناك حوار مع المجلس العسكري الانتقالي، وبدا واضحاً من حديثه أن العسكريين يريدون الالتفاف على الديمقراطية، وسرقة الثورة الشعبية، وبالتالي قرّر المجلس السياسي لتحالف قوى الحرية والتغيير إرجاء إعلان المجلس السيادي لإعلانه ضمن مجلس الوزراء والمجلس التشريعي.

رانا أبي جمعة: لكن هذا الأمر كان مخطّطاً له مُسبقاً، يعني كان هناك بيان لتجمّع المهنيين يقول أنه سوف يتم الإعلان عن مجلس سيادي مدني، ومجلس وزراء انتقالي، ومجلس تشريعي. وكان هذا مقرّراً يوم أمس الساعة السابعة، ما الذي استجد؟ وهذا يعني أن هناك تطوّرات أو أمر حصل خلال المفاوضات بين التجمّع أو بين قوى التغيير والحرية وبين المجلس العسكري، لا يمكن أن يكون الإرجاء فقط لمزيد من التشاور، هناك أمر حدث، أليس كذلك؟

محمّد الأسباط: نعم كما ذكرت لك، أن هناك ترتيبات يجب أن تتم، والتي من خلالها سيعلن عن المجلس السيادي الانتقالي، لكن قبل الإعلان، وقبل المؤتمر الصحفي في أقل من ساعة أو بساعة ونصف الساعة، كان هنالك حوار تلفزيوني تم بثّه على مختلف الأقنية السودانية والعربية، ووضح جلياً من خلال كلام رئيس المجلس العسكري الانتقالي إن المجلس يريد أن يلتف على الثورة السودانية، وبالتالي قرّر المجلس السياسي لقوى الحرية والتغيير إرجاء إعلان المجلس السيادي ليتم إعلان ذلك في ما بعد مع مجلس الوزراء بحزمة واحدة.

رانا أبي جمعة: إذا كانت المفاوضات علّقت حتى الساعة، ما الذي تنتظرونه كقوى تجمّع المهنيين السودانيين؟ هل تنتظرون أن يتمّ الإعلان بشكل مباشر وعلني من قِبَل المجلس العسكري على أنه سوف يسلّم السلطة إلى حكومة انتقالية؟ أما ماذا؟ والمفاوضات علّقت

محمّد الأسباط: كان الوضع كما قلت في البداية، أنه كان من المفترض أن يتم اجتماع بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير لإعلان هياكل السلطة، والمجلس الانتقالي الذي يتكوّن من مدنيين، وممثلين عسكريين، ومجلس الوزراء الذي يتكوّن من قوى مدنية، وكفاءات وطنية، والمجلس التشريعي الانتقالي بإدارة البلاد لأربع سنوات. لكن رئيس المجلس الانتقالي عاد وتراجع عن هذا الاتفاق، وقال في مؤتمره الصحفي أمس مساءً إن المجلس العسكري الانتقالي تلقّى مئة تصوّراً لإدارة البلاد. والأحزاب التي التقاها هي أحزاب كانت مع الرئيس المخلوع حتى قبل إسقاطه بأقل من أسبوع بما فيهم المؤتمر الوطني الذي حكم السودان ثلاثين عاماً. وهذه حركة التفافية تستهدف سرقة الثورة السودانية.

كيف يمكن لمَن حكم ثلاثين عاماً أن يأتي ويشارك في حكم ثورة قامت عليه، هذا غير مقبول من الشعب السوداني ولكل قواه الحيّة، وسنقاومه بكل السُبل والوسائل.

العسكريون يريدون إقامة نظام بشير 2، وهذا ما لا يقبله الشعب السوداني.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد، من خلال مشاورتكم ومفاوضتكم مع المجلس العسكري الانتقالي، هل هناك من تمايز بين أعضاء هذا المجلس بحسب معلوماتك؟ أو بحسب هذه المفاوضات. أم إنهم جميعاً على رأي واحد؟

محمد الأسباط: الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات أصلاً، هم معرفون للشعب السوداني. الفريق عمر زين العابدين هو عتاة الإسلاميين، ومن المقرّبين للرئيس المخلوع عمر البشير، عيّنه المجلس العسكري. وجلال الشيخ مدير جهاز الأمن والمخابرات، وهو متورّط في جرائم وأصدر الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين ما أدى إلى مقتل بعضهم، كان نائباً لمدير جهاز الأمن عندما تم اغتيال الأستاذ أحمد خضير تحت التعذيب.

رانا أبي جمعة: تتحدّث عن مَن؟ لو سمحت أن تعيد إسم الشخص، تتحدّث عن مَن بالتحديد؟

محمّد الأسباط: جلال الشيخ الذي كان نائباً لمدير الأمن السابق، وهناك النائب العام الجديد الذي كان الوكيل العام للنيابة العامة للجرائم الموجّهة ضد الدولة، وهو الذي وفّر الغطاء القانوني لجهاز الأمن لممارسة الأعمال البشعة ضد المتظاهرين وضد المواطنين طوال ثلاثين عاماً.

هذا المجلس يضمّ عدداً ممَن كانوا جزءاً من النظام السابق من الإسلاميين المؤيّدين للرئيس المخلوع عمر البشير. وبالتالي كان واضحاً أنّ المجلس العسكري يريد الالتفاف على ثورتنا وسرقة ثورة شعبنا، وهذا ما قاله، ولن تقبل به الملايين الذين كانوا في الشوارع طوال الأيام الماضية. 

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد أرجئ الإعلان عن المجلس السيادي المدني، وعلّقت المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي، ولكن الاعتصامات والتظاهرات لا تزال متواصلة، وأنتم  أصرّيتم على القول أنه يجب المشاركة بشكل كثيف أكثر في هذه الاعتصامات والتظاهرات.

اليوم هناك اعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني، وجرت محاولة فضّ هذا الاعتصام مرتين، هل تتوقّعون أن تتمّ محاولة أخرى لفضّ هذا الاعتصام؟

محمّد الأسباط: طبعاً، سيحاول المجلس العسكري فضّ هذا الاعتصام لأنه يشكّل له إحراجاً، ويكشف ضعفه ومحاولته البائسة للالتفاف على ثورة الشعب السوداني، ولكن الثوار صامدون ولديهم آلياتهم وتكتيكاتهم لمواجهة هذه المحاولات البائسة. 

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد

محمّد الأسباط: نعم

رانا أبي جمعة: طيب، برأيك هل هناك من أفق لديكم في المدى المنظور للوصول ربما إلى حل ما؟

محمّد الأسباط: نحن نخاطب الجيش السوداني وكل قياداته، والعقلاء في الجيش السوداني أن يلتفتوا إلى المصلحة الوطنية العليا، ويتذكّروا أن هنالك شهداء فقدهم الوطن، ويتذكّروا أن شعبنا ثار على نظام جثم على صدره ثلاثين عاماً، ويقوموا بدورهم الوطني، الدور التاريخي والدستوري للجيش، وأن يواكبوا خطوات الشعب، وألا يحكموا الشعب.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد تحدّثت أنه ربما تكون هناك محاولة أخرى لفضّ الاعتصام أمام مقر القيادة العسكرية، ألا تتخوّفون من ذهاب الحراك بمنحى غير سلمي، ربما مزيد من العنف. لقد مورِسَ شكل من أشكال العنف خلال هذه التظاهرات، هل تتخوّفون من هذا السيناريو؟

محمّد الأسباط: بالعكس نحن لا نتخوّف، نحن نستخدم السلم المدني سبيلاً لتحقيق غاياتنا. نحن حركة نتوسّل اللاعنف، ولن نلجأ إلى العنف، وواحدة من أقوى أسلحتنا في وجه هذا النظام هي السلمية والتي أفضت إلى هذا الانتصار العظيم الذي حقّقه شعبنا، والذي ننتظر أن نستكمله إن لم نقل خلال ساعات، فخلال أيام.

رانا أبي جمعة: سوف نتابع هذا الحوار، لكن إسمح لنا سيّد محمّد أن نذهب إلى هذا المقال الثاني في السودان تريبيون حول جدل المجلس العسكري: كتابة للحق والوطن والتاريخ.

نتابع.

 

سودان تريبيون حول جدل المجلس العسكري: كتابة للحق والوطن والتاريخ/ أمجد فريد الطيب

ماذا فعل المجلس العسكري منذ اعتصام 6 من أبريل، أمام مباني القيادة العامة. هل انحاز لمطالب الجماهير؟ نعم، انحاز لمطالب الجماهير، وانقلب مرتين تحت ضغط الشعب الثائر على البشير وعلى نائبه إبن عوف الذي حاول تدارك الموقف، بتغييرات شكلية تبقي على السلطة السياسية في يد النظام. ولكن.. نقض المجلس العسكري غزل نسيجه بيده عدما كلّف لجنة سياسية مكوّنة من رموز النظام السابق داخل الجيش، التفاوض مع القوى السياسية لتسليم السلطة للمدنيين. هذه اللجنة يرأسها الفريق عمر زين العابدين، وهو الرجل الأول في تنظيم المؤتمر الوطني البائد داخل الجيش.. وتضمّ في عضويتها آخرين من الاتجاه نفسه. بالمنطق، لا يمكن أن نتفاوض مع الإنقاذ على تفكيك الإنقاذ الذي ثار شعبنا بالملايين ضده. حاولت هذه اللجنة  ونجحت في خلق حال استقطاب حادة بين المجلس العسكري، وبين قوى الحرية والتغيير بألاعيبها السياسية التي تحاول إعادة الشرعية إلى معسكر بقايا النظام القديم. أزعم أن هناك عقلاء في المجلس العسكري والجيش، يعلمون تماماً ضرورة انتقال السلطة السيادية إلى المدنيين، وأنه لا ضير في التمثيل العسكري في مجالس هذه السلطة، ويعلمون تماماً أن وظيفة الجيش ليست الحكم، إنما هي حماية الشعب وتراب البلاد، والدفاع عنها وهو واجب جليل وعظيم.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد محمّد، هل تسمعني؟

محمّد الأسباط: نعم أسمعك.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد تحدّثت عن أن هذا الحراك هو سلمي مئة بالمئة، وفي الواقع معطيات الأمور على أرض الواقع تشي بذلك، لكن أيضاً قوى التغيّر والحرية فيها جماعات عسكرية ومسلحة تنضوي تحت لواء هذه القوى. ألا تتخوّفون ربما من خروج هذه القوى عن المسار السلمي الذي تنادون به؟

محمّد الأسباط: أبداً لا نتخوّف من ذلك، لسبب بسيط جداً بأن كل القوى السياسية والعسكرية والمدنية متوافقة على العمل المدني السلمي الذي يتوسّل اللاعنف كوسائل لإسقاط النظام.

نحن السودانيون لدينا تجارب تاريخية في مقارعة الأنظمة الدكتاتورية كما حدث في أكتوبر عام 1964، وكما حدث في أبريل 1985، نحن نستمد من هذه التجارب هذا التراث الغني، ونشتغل عليه ونطوّره، ونطوّر أدواتنا ومعطياتنا على الأرض وفقاً لمعطيات العصر ومتطلبات واستحقاقات كل مرحلة وكل زمان ومكان.

وبالتالي لا نعتقد أن هناك أيّ خوف على المسار المدني السلمي، لكل مرحلة تكتيكاتها وخطواتها وآلياتها. نحن واثقون من شعبنا، ومصمّمون على المضيّ قدماً حتى تحقيق غاياتنا.

رانا أبي جمعة: طيب، اليوم ما هو موقفكم كتجمّع من نقل الرئيس المعزول عمر حسن البشير إلى سجن كوبر، وهذه الاعتقالات التي نراها في الآونة الأخيرة؟ في أيّ إطار تضعونها؟ البعض يضعها في إطار تصفية الحسابات، البعض يضعها في إطار المحاسبة وأيضاً محاربة الفساد. في أي إطار تضعونها؟ وهل أنتم راضون عن هذا المسار؟

محمّد الأسباط: لم أسمع السؤال جيداً.

رانا أبي جمعة: في ما خصّ البشير، سيّد محمّد، هل تسمعني الآن؟

محمّد الأسباط: نعم أسمعك جيداً

رانا أبي جمعة: ما هو تعليقكم على نقل البشير إلى سجن كوبر؟ وأيضاً على الاعتقالات التي جرت في الآونة الأخيرة؟ في أيّ إطار تضعونها؟ في إطار المحاسبة؟ في إطار تصفية الحسابات؟ في إطار محاربة الفساد؟ في أيّ إطار تضعونها؟

محمّد الأسباط: حتى الآن هي بالنسبة لنا مجرّد تمثيلية سيّئة الإعداد والإخراج والأداء، وحتى الآن لم نرَ صورة للبشير وهو مقيّد، أو في المعتقل، أو منذ أن تمّت الإطاحة به، حتى الآن لم تظهر له أية صورة، لا صورة فوتوغرافية، أو فيديو، ولا مَن هم معه من الفاسدين والقتلة الذين أذاقوا السودانيين أسوء أنواع العذاب والفساد والقتل لمدة ثلاثين عاماً. لماذا يتلاعب المجلس العسكري بالشعب السوداني؟ هو يحاول أن يتذاكى على الشعب السوداني، هؤلاء العسكريون يريدون مواصلة سنوات الكذب والتضليل والخداع، وهذا الأمر لن ينطلي علينا، شعبنا شعب واع ويعرف هذه الألاعيب وهذه الأساليب.

لن نعتبر أن الرئيس البشير قيد الاعتقال ما لم نره مقيداً بالأغلال ونرى صوره وهو في السجن.

رانا أبي جمعة: لكن الموضوع لا يقتصر فقط على البشير، يُحكى أن الاعتقالات طالت أكثر من مئة شخصية، أليس لديكم معلومات تؤكّد صحّة الأخبار المتداولة؟ ألم تتمّ كل هذه الاعتقالات؟ بعيداً عن البشير

محمّد الأسباط: هناك اعتقالات بحسب مصادرنا في سجن كوبر، هناك بعض القادة المعتقلين. لكن هذه معلومات محدودة، ولم نستطع التأكّد. وعند الشعب السوداني ليس هناك أية دلائل موثقة تثبت له أنه تم اعتقاله، على سبيل المثال أنا كصحافي لديّ معلومات، أن البشير وأحمد هارون وأشقاء البشير الإثنين في سجن كوبر، هذه المعلومة التي يجب أن تنشر في التلفزيون، وتكشفها وكالة الأنباء الرسمية.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد تقطّع الصوت لو كان بالإمكان أن تعيد هذه المعلومة، معلوماتك أن البشير وأشقاء البشير، أين هم؟

محمّد الأسباط: إنهم في سجن كوبر، لكن هذه معلومات شخصية بحُكم مهنتي الصحفية، ومن حق الشعب السوداني أن يرى في تلفزيونه القومي ووكالة أنبائه الرسمية صوَراً لهؤلاء المجرمين وهم في السجون.

رانا أبي جمعة: إذا ما تم نشر هذه الصوَر للرئيس المعزول وأشقائه والشخصيات في الحزب الحاكم سابقاً، هل تريدون محاكمة البشير في فترة الحكم العسكري؟ أم تريدون تأجيل هذا المسار لتسوّى الأمور في السودان؟

محمّد الأسباط: أولاً، لن يكون هناك حكم عسكري في السودان، فالشعب ثار ضد الحكم العسكري، وبالتالي لن يقبل أن يحكم عسكرياً مرة أخرى.

ثانياً، البشير لا بد من أن يُقدَّم إلى المحاكمة، هذا الأمر يقرّره الشعب السوداني من خلال مكوّناته السياسية، فإذا أراد أن يُقدّم إلى محاكمة وطنية فهذا خير، وإذا أراد أن يُسلّم إلى محكمة الجنايات الدولية لأنه متّهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد سنتابع هذا النقاش، لكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير.

إذاً، مشاهدينا فاصل ثم نعود لمتابعة حلقة حوار الساعة.

إبقوا معنا.

 

المحور الثاني:

رانا أبي جمعة: أجدّد الترحيب بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة من حوار الساعة، وأيضاً أجدّد الترحيب بضيفنا من العاصمة الفرنسية السيّد محمّد الأسباط الصحافي والعضو في تجمّع المهنيين السودانيين، وأيضاً أرحّب بضيفنا الذي انضمّ إلينا الآن حمور زيادة، الكاتب والروائي السوداني من العاصمة المصرية القاهرة.

أهلاً بك سيّد حمور، هل تسمعنا بدايةً؟

حمور زيادة: نعم أسمعك جيداً سيّدتي.

رانا أبي جمعة: نعم سيّد حمور، إذا ما أردنا تقييم مجريات الأمور حتى الساعة في السودان تحديداً بعد أن وصلت آخر المستجدات إلى تعليق المفاوضات بين قوى التغيير والحرية والمجلس العسكري الانتقالي، ماذا يمكن أن تقول؟

حمور زيادة: أعتقد أن الثورة السودانية الآن في محكها الرئيسي الأقوى، المجالس العسكرية عموماً لا تتحلى حتى بلباقة المدنيين المستبدين في محاولة إخراج سطوتها بشكل مقبول لبعض الأشخاص، فالجيوش بطبيعة تركيبتها هي سلطة أبوية فوقية ترى نفسها محتكرة للحق دائماً، ولا تتفّهم تباين الآراء. فنضال الشعب السوداني لثلاثين عاماً كان ضد نظام مختلط من الجيش ومن الجماعات الإسلامية السياسية.

الآن أصبحت المواجهة بتقديري  مباشرة مع مجلس عسكري تسيطر على أغلبه ميول إسلامية. الآن لم يعد هناك مجال للأسف لحلول وسط، السياسة دائماً هي الرضوخ للحلول الوسط ما بين طرفين، لكن المجلس العسكري الحاكم كشف بشكل واضح أنه لا يريد الانحياز إلى الثورة، بل هو يريد تمييعها.

رئيس المجلس العسكري الفريق البرهان أمس في حديثه الذي أراد به أن يصل إلى قلوب الجماهير وقلوب الشعب، أعتقد أنه كان واضحاً في كشف ما تريد هذه اللجنة العسكرية المسيطرة، وما تريد أن تصل إليه عندما اعتبر أن قوى الحرية والتغيير هي قوى الثورة والتي حر  كت الشارع لمدة أربعة أشهر حشدت ملايين الناس أمام الرصاص وتحت الغازات المسيّلة للدموع والتعرّض للاعتقال والتعرّض للتعذيب، والفصل من وظائفهم لخروجهم إلى التظاهرات والاعتصام والإضراب عن العمل. هذه الحشود التي خاضت كل هذه المعارك المخيفة خلال الأربعة أشهر، وحشدتها إجماعاً قوى الحرية والتغيير وعلى رأسها تجمّع المهنيين السودانيين، يريد اليوم المجلس العسكري أن يقول لهم إن مقترحاتكم لحكم الفترة الانتقالية يجب أن تقدّم إليه مساواة مع الأحزاب والقوى التي دعمت نظام البشير حتى آخر لحظة، يريد المجلس العسكري الآن أن يأتي بالذين أكلوا على موائد البشير حتى صباح يوم 11 أبريل ليشاركوا في تكوين الفترة الانتقالية.

أنا أعتقد حتى بالنسبة لي كشخص ليبرالي لا يؤمن بالإقصاء، ولا يؤمن إلا بعمليات التسوية والسلام. لكن أنا أعتقد لو في المرحلة الانتقالية من غير اللائق، ومن الخيانة لدماء الشهداء، ومن الخيانة للثورة، ومن الانتكاسة للسودان أن تأتي بالأحزاب التي كانت تعمل مع النظام الساقط إلى آخر لحظة لتأتي بها لتقرّر المرحلة الانتقالية. كيف علينا أن نعدّ للانتقال الديمقراطي؟

رانا أبي جمعة: سيّد حمور، هل تعتقد بأن محدّدات ما يجري اليوم في السودان مقتصرة فقط على مستجدات الساحة السودانية؟ أم أن هناك أيضا تدخّلات خارجية؟ في الأيام الماضية رأينا وفوداً تذهب إلى الخرطوم، وفد مصري أيضاً، ربما اتصالات مصرية سودانية، وأيضاً وفد سعودي إماراتي. هل المحدّدات مقتصرة فقط على ما يجري في الشارع السوداني؟

حمور زيادة: بالتأكيد ليست مقتصرة على الشارع السوداني، لكن أعتقد أن الشارع السوداني هو الأهم في المعادلة، ظهر ذلك في الدعم الإماراتي السعودي، هذا الدعم المالي الذي قدّم، هذا الدعم لم يكن كبيراً، ما أعلن عنه حوالى ثلاثة مليارات دينار سوداني، وما سيودع في بنك السودان هو حوالى 500 مليون دولار، هذا ليس مبلغاً كبيراً.

مما يبدو الآن أنه يمكن جمع هذا المبلغ من مداهمة ثلاثة أو أربعة بيوت من بيوت القيادات السابقة للنظام، وجد في بيت الرئيس البشير مبلغ يعتبر مصاريف البيت حوالى ستة مليون يورو غير بضع مئات آلاف من الدولارات وجد في بيت وزير الدفاع الأسبق، ووالي الخرطوم السابق عبد الرحيم محمّد حسين، وحوالى 120 مليون دولار ومبلغ ال500 مليون دولار، واضح أن هذه الدول لا تلقي بثقلها حتى الآن خلف المجلس العسكري.

من ناحية أخرى، الدول الخارجية ليست هي فقط دول الإقليم، هناك دول الاتحاد الأوروبي التي لها نفوذ واسع، سواء في داخل السودان، أو في مجلس الأمن. والأمم المتحدة التي كانت واضحة جدا أنها تريد نقل السلطة إلى قوى مدنية، وعبّرت عنها بأنها قوى فاعلة في الشارع، فلا يمكن بأية حال من الأحوال القبول بحكومة يأتي بها المجلس العسكري من بقايا نظام حكم البشير.

رنا أبي جمعة: وسوف أسأل ربما سيّد حمور عن الدول الغربية التي لها مصلحة، أو ربما التي تتدخل في ما يجري في السودان في الآونة الأخيرة بعيداً عن دول الإقليم، ولكن إسمح لي أن أسأل عن دول الإقليم السيّد محمّد.

سيّد محمّد كما قلت بأن هناك أكثر من دولة دخلت على خط الأزمة في السودان، لعل أبرز هذه الدول مصر والسعودية والإمارات.

هل تتخوّفون من سرقة منجزات هذه الثورة بحسب توصيفكم لها؟

محمّد الأسباط: أولاً، أحيّي الصديق الكاتب حمور زيادة.

لا نتخوّف من أية دولة، ولا نتخوّف من أية مشاركة، ولا نتخوّف من أي شيء. هذه الثورة ثورة سودانية تخصّ الشعب السوداني، وتعني الشعب السوداني، ولكنها أيضاً ثورة سيكتبها التاريخ وسيسجلها كواحدة من إنجازات البشرية العظيمة، وللدول الأخرى مصالحها ولشعبنا مصالحه.

 نحن نرحّب بأية مساعدات تأتينا من أية دولة، ونرحّب بأيّ موقف مبدئي كما حدث في الاتحاد الإفريقي الذي أعلن عدم اعترافه بالحكم العسكري، وأمهل المجلس العسكري أسبوعين لنقل السلطة إلى المدنيين، وإلا سيضطر إلى تعليق عضوية السودان بالاتحاد الإفريقي. وهنالك موقف قوي وواضح من الاتحاد الأوروبي بضرورة نقل السلطة إلى قوى مدنية. وهنالك موقف واضح من الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي الموقف الخارجي هو داعم للثورة السودانية وليس داعماً للحكم العسكري.

صحيح هنالك بعض الدول وبخفّة سياسية وبلادة سياسية تحاول أن تجيّر مسار المجلس العسكري لصالحها، ولكن هذه الخفّة لن تنجح، لأن الثوار وعلى أرض الميدان، وعلى أرض الشارع لديهم إرادتهم السياسية ويقرأون المشهد جيداً، ويعرفون كيف يتعاملون معه.

رانا أبي جمعة: سيّد محمّد تتحدّث عن أن بعض الدول تتصرّف ببلادة سياسية ربما، وتقول إنما تريد تسيير الأمور وفق مصالحها، ولكن حتى الساعة يبدو بأن الأمور بمنظارها تسير كما تشتهي. ما الذي يجعلكم ربما لديكم هذا اليقين بأن الثورة سوف تتواصل وسوف تصلون إلى حكم مدني؟

محمّد الأسباط: لأسباب عديدة أولاً، كما ذكرت لك تاريخياً للسودانيين تراث ضخم في إدارة الصراع بين الحكم العسكري والثورة الشعبية، وكانت كلها تجارب ناجحة، وأيضاً تصميم وإرادة الثوار على الأرض، وأيضاً كما ذكرت لك الموقف الإقليمي والدولي يقف في صالح التحوّل إلى حكم مدني.

رانا أبي جمعة: عندما تتحدّث عن التاريخ في الواقع سيّد محمّد، التاريخ يقول بأن السودان كان تحت الحكم العسكري أكثر مما كان تحت الحكم المدني، إذا ما أردنا التحدّث عن التاريخ، ولكن ربما أريد أجوبة أكثر وضوحاً.

تحدثّت عن مصر والسعودية والإمارات، ربما أريد موقفاً واضحاً من قِبَل تجمذع المهنيين السودانيين، كيف تنظرون إلى مسألة ترحيب المجلس العسكري الانتقالي لمواصلة المشاركة في الحرب على اليمن.

كيف تنظرون إلى هذه المشاركة السودانية في هذه الحرب؟

محمّد الأسباط: قوى الحرية والتغيير كما هو معلوم لديها موقف واضح جداً من المشاركة في الحروب، والمشاركة والتدخّل في شؤون الدول الأخرى، وهذا الموقف مُعلَن عبر وثائقها، وعبر بياناتها. وأنا لست مخوّلاً الحديث باسم تجمّع المهنيين أو قوى الحرية والتغيير.

رانا أبي جمعة: لذلك سألتك عن تجمّع المهنيين، بما أنك عضو في تجمّع المهنيين، ولم أتحدّث عن قوى التغيير والحرية.

محمّد الأسباط: لا أنا أتحدّث عن أن هذا الموقف معني به قوى الحرية والتغيير، والحرية والتغيير لديها موقف واضح من عدم المشاركة بالشؤون الداخلية لأية دولة، وهذا مُعلن وموّثق في وثائقها وبياناتها.

رانا أبي جمعة: سيّد حمور من القاهرة، هناك قمّة إفريقية ستُعقد في مصر غداً لبحث الوضع في السودان، قبل ذلك هناك زيارة لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي للخرطوم، وقبلها أيضاً كان هناك تحذير بضرورة تسليم السلطة إلى حكومة مدنية ضمن مهلة محدّدة تحت طائلة شطب السودان من الاتحاد الإفريقي.

موقف الاتحاد حتى الآن، كيف ترونه؟

حمور زيادة: أنا أريد فقط أن أعلّق على مسألة اليمن تحديداً، أنا أعتقد أنه من المجحف مطالبة قوى ليست في السلطة بأن تحدّد موقفها تجاه قضية معينة وحسّاسة مثل حرب اليمن قبل وصولها إلى السلطة.

القرار في هذه المسألة، أي شخص يستطيع من بعيد قبل أن يدخل إلى القصر الجمهوري، وقبل أن يجلس مع سفراء الدول، وقبل أن يفاضل في موازين القوى التي تعتمد عليها السياسة يستطيع أن يقول أي شيء، لكن من يريد موقفاً حقيقياً، وموقف يمكن أن يسير إلى الأمام، عليه أن ينتظر وصول قوى المعارضة إلى سدّة السلطة التي ستستجيب في تلك اللحظة إلى صوت الشارع.

أنا أعتقد أن تجمّع المهنيين، وأن قوى إعلان الحرية والتغيير قامت بعمل جيّد عندما أعلنت في 8 أبريل الماضي رؤيتها الخارجية بشكل عام، أنها ستعمل مع كل دول الإقليم من أجل إحلال السلام ، ومن أجل رفاهية الشعوب، وعدم التدخّل في شؤون البلاد الأخرى.

أنا أعتقد أن هذا إعلان كاف ويشير إلى أن هذه القوى لا تريد على الأقل في المرحلة الانتقالية الوقوع في استقطابات، والدخول في مشاكل ما بين الدول. نحن في مرحلة نريد فيها أن نبني السودان، هذه مرحلة بالنسبة لنا هي الأهم، وأعتقد أنها ستكون الأهم حتى للحلفاء المستقبليين. أنت تريد حليفا قوياً، وليس تابعاً ذليلاً.

فأعتقد أن هناك من الحكمة الكافية، أو أفترض وأتمنى أن يكون هناك من الحكمة الكافية لدى كل من أطمعهم النظام السابق في أنه يمكن شراء مواقف القوى السياسية في السودان ببعض الدعوات لزوجة الرئيس الأسبق عمر البشير، أو بعض الملايين تدفع إليه أو بعض منح تأتي للسودان من كل المحاور، نظام البشير تنقّل ما بين كل المحاور، ووقف مع كل المحاور.

رانا أبي جمعة: صحيح.

حمور زيادة: أنا أتمنّى أن ينتبهوا أن الأمر الآن فيه شيء من الاختلاف، عليهم أن يكسبوا الشارع قبل أن يكسبوا السياسيين، عليهم أن يضمنوا أن الشارع يمكن أن يؤيّدهم أو يؤيّد الدخول في محاورهم، بعد ذلك في فترة الديمقراطية قبل أن يهتموا بشراء ولاء السياسيين أو مواقفهم يمكن لأيّ سياسي في هذه اللحظة أن يدعم الحرب في اليمن.

رانا أبي جمعة: سيّد حمور وبالنسبة للاتحاد الإفريقي؟

حمور زيادة: بالنسبة للاتحاد الإفريقي، أنا أعتقد أن آلياته وقراراته واضحة جداً لا تؤثر فيها، الدول المسيطرة على الاتحاد أو الجالسة على قمّة الاتحاد. أنا أفهم من سؤالك سيّدتي طبعاً أنك تسألين تحديداً عن موقف مصر ورئاستها للاتحاد الإفريقي، لكن أنا بمعرفتي بآليات الاتحاد الإفريقي وكيفية اتخاذ القرار فيه، فإن الدولة التي تجلس على كرسي رئاسة الاتحاد الإفريقي، ليس لديها تلك السلطة المطلقة لتحدّد سياسات الاتحاد الإفريقي، هناك قواعد معينة.

الاتحاد الإفريقي رفض منذ سنوات الاعتراف بأية حكومة عسكرية في إفريقيا ورهن الأمر بمشاركة القوى  المدنية، والآن العقدة وقفت في المنشار، في رأيي عندما حاول المجلس العسكري في زيارة رئيس الاتحاد الإفريقي أن يلتقي به ببقية أحزاب الحوار الوطني التي كانت متضامنة مع حكومة البشير، حاول أن يلتقي بهم باعتبارهم أن هؤلاء هم ممثلو القوى المدنية. لكن استطاعت قوى إعلان الحرية والتغيير ان تنتزع عنوة لقاءات مع رئيس الاتحاد الإفريقي وجلسوا معه وشرحوا له رؤيتهم الواضحة.

أنا لست متخوّفاً من انعقاد هذه الجلسة خاصةً أن الاتحاد الأوروبي الذي كان له موقف واضح في هذه المسألة يتابع ويشارك في جلسات الاتحاد الإفريقي، يمكن أن تقولي أني متفائل أن هذه الجلسة لن يخرج منها إلا مزيد من الدعم لحراك الشعب السوداني.

رانا أبي جمعة: سيّد حمور، وأيضاً سيّد محمّد سوف نتابع هذا النقاش. لكن إسمحا لنا أن ننتقل إلى المقال الأخير تحت عنوان الجيش تحرّك في الجزائر والسودان، لكن ماذا غاب عن الجنرالات نتابع؟

 

سودان فويس: الجيش تحرّك في الجزائر والسودان لكن ماذا غاب عن الجنرالات، حمد أبودوح

أثبت القرن الحادي والعشرون أن المؤسّسة العسكرية في الدول العربية لم تعد الفصيل الوحيد المتعلّم والمنظّم والمنضبط في المجتمع.

تولّي منصب قائد للجيش كان دائماً اختصاراً وتمهيداً للوصول إلى سدّة الحكم في الشرق الأوسط، وانتفاضة السودان أحدث الأمثلة على هذه العقيدة.

منذ الانقلاب العسكري العربي الأول الذي تم بقيادة حسني الزعيم في سوريا عام 1949 أصبحت المؤسسة السياسية في الشرق الأوسط تشبه معسكراً عسكرياً حيث سيطر الجنرالات على الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحكموا البلاد باسم الجيش وليس الشعب.

الآن تغيّر الوضع في المنطقة، حيث يتعيّن على المؤسّسات العسكرية في الشرق الأوسط العمل بجدية أكبر لأنها أصبحت تواجه معضلة تتمثل في وعي الشباب لدور الجيش الحقيقي من خلال مراقبة الثورات في بلدان أخرى ونتائجها على المنطقة وكيفية تعامل الجيش معها.

في السودان مثلاً اختار المجلس العسكري الانتقالي أن يتبع الدستور، متقدّماً على المجلس العسكري المصري بعد ثورة ميدان التحرير عام 2011.

حيث إن الجنرال عبد الفتاح برهان الذي تم تعيينه في مطلع الأسبوع رئيساً للمجلس الانتقالي سيصبح رئيسا للسودان حتى نهاية الفترة الانتقالية التي تبلغ عامين، تماماً كما حدث مع طنطاوي في مصر.

ولّت الأيام التي كان فيها المواطنون يرحبّون بالانقلابات العسكرية في العالم العربي، ولكن يبدو أن الجنرالات هم آخر مَن يعلمون.

 

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد محمّد، سيّد محمّد في مقابلة تلفزيونية مضت قلت بأنكم كتجمّع مهنيين سودانيين لم تلتقوا، ولن تلتقوا بالأميركيين. هل هذا هو الواقع حتى الساعة؟

 

محمّد الأسباط: هذا الحديث كان بسياق محدّد ومرتبط بوضع محدّد وبوقت محدّد، في ذلك الوقت كان تجمّع المهنيين السودانيين ليس لديه أي تشكيل للتواصل الخارجي ولكن الآن تجمّع المهنيين شكل لجنة للعلاقات الخارجية، وهي منوط بها مخاطبة العالم الخارجي والحديث معه.

رانا أبي جمعة: تتواصلون اليوم مع مَن مِن الدول بشكل خاص؟

محمّد الأسباط: لم نتواصل مع أية دولة حتى الآن، هنالك تواصل مع الاتحاد الأوروبي، وهنالك تواصل مع المنظمات الدولية، وهنالك تواصل مع النقابات على سبيل المثال الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعض المنظمات النقابية التي تدعم المهنيين وموقفهم.

رانا أبي جمعة: إسمح لي أن أذهب بفحوى هذا السؤال إلى السيّد حمور في القاهرة، سيّد حمور تحدّثت عن أن تقريباً كل الدول الغربية رحّبت بما يجري في السودان، وأيضاً تريد الانتقال إلى حكومة مدنية.

لكن إذا ما توقّفنا عند الحكومة المدنية أو ما ينادي به إعلان الحرية والتغيير الذي يقول بأنه لا يريد الحروب، هو ربما يقول بعلاقات أفضل مع جنوب السودان، ولا يرحّب بالسياسات السابقة للبشير والتي أدّت إلى انفصال الجنوب عن الشمال.

هل هذه النداءات تصبّ في مصلحة الدول الغربية التي زكّت هذه الخلافات، ربما منذ أيام الاستعمار البريطاني حتى الساعة.

هل من مصلحتها إعادة هذه اللحمة بين شرائح المجتمع السوداني؟

حمور زيادة: أنا أعتقد إن الاتحاد الأوروبي يرى أن من مصلحته وجود استقرار في السودان، لذلك إلى فترة قريبة كان الاتحاد الأوروبي يسمع لنظام البشير تحت الإدعاء أنه قادر على السيطرة، وأنه قادر على فرض حال السلام، والحد من الهجرة غير القانونية، ومنع انهيار الدولة السودانية. لكن وضح للاتحاد الأوروبي أن كل هذه الإدعاءات إنما هي أوهام وأن الشارع السوداني، وأن المعارضة السودانية قادرة على التحرّك لتغيير الأوضاع.

لذلك انحاز الاتحاد الأوروبي، حتى بياناته قبل يومين إلى الثورة السودانية، وإلى نقل السلطة مدنياً للسودانيين، لأنهم يعتقدون أن بقاء الجيش في السلطة هو عامل توتّر كبير جداً في الساحة السودانية، ويمكن أن يؤدّي إلى انفلات الأمور وهو أمر لا يحبّذونه.

قوّة المعارضة السودانية الآن هي قوّة الشارع هي قوّة الثلاث ملايين سوداني الذين اجتمعوا أمس في ساحة الاعتصام للاستماع إلى بيان الحرية والتغيير، هي ملايين السودانيين في أنحاء العالم، في سنغافورا، وأنا في القاهرة، والأستاذ الأسباط في فرنسا. السودانيون في الخارج كلهم يؤيّدون مجموعة الحرية والتغيير ويرون أنها هي الممثل الوحيد للثورة.

أعتقد أن الاتحاد الأوروبي والدول الغربية كلها واعية لهذه المسألة وعرفت إلى أين تصبّ اتجاه القوّة، وأن هذه القوّة هي قوّة ديمقراطية، وأنها هي القادرة على أن تحتوي كل التوتّرات، وتحل السلام في السودان

رانا أبي جمعة: سيّد حمور ربما سؤال أخير، وفي دقيقة فقط. غالباً ما كان يحكم السودان ثنائية الأنصار والختمية، وأيضاً غالباً ما كانت تحكم السودان الأحزاب التقليدية السياسية.

اليوم هل نحن أمام واقع سياسي جديد؟ برأيكم هل هذه بداية جديدة للسياسة السودانية؟

حمور زيادة: أحزاب الأمّة والاتحاد لا زالت أحزاباً كبيرة، ولا زال لها أتباع. لكن بالتأكيد أنه بعد الثورة تحدث تغييرات جذرية داخل الأحزاب نفسها، أنا أعتقد أن كل الأمور مرشّحة للتغيير داخل الأحزاب، وظهور أحزاب جديدة، وبروز أحزاب كانت تبدو ضعيفة في الفترة السابقة. نحن فقط نحتاج لهذه المرحلة الانتقالية، الأربع سنوات التي تستطيع فيها الأحزاب بناء نفسها. ونستطيع بعد نهاية هذه المرحلة القيام بانتخابات ديمقراطية لا يسيطر عليها حزب واحد، ولا تسيطر عليها قوانين تحدّ من الحريات، ونستطيع أن نرى أيّ الأحزاب سيكّشل المرحلة الجديدة، ونعرف ما إذا كانت الأحزاب التاريخية لديها مكانتها أو لا.

لكن هذه المسألة لا تشغل الآن الأحزاب، الأحزاب بتجرّد تام قابلة تماماً بما سيحدث لها بعد أربع سنوات، إنما همّها بناء مستقبل السودان خلال الأربع سنوات الانتقالية بعيداً عن حكم العسكر وحكم الجماعات الدينية.

رانا أبي جمعة: شكراً جزيلاً لك سيّد حمور زيادة، الكاتب والروائي السوداني كنت معنا من القاهرة، أيضاً الشكر موصول للسيّد محمّد الأسباط الصحافي، والعضو في تجمع المهنيين السودانيين، كان معنا من العاصمة الفرنسية باريس.

شكراً لكما.

إذاً، مشاهدينا إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة من حوار الساعة، الموعد يتجدّد في صباح الغد. إلى اللقاء.