حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

يوسف الوسلاتي - رئيس تحرير جريدة الشعب التونسية

 

المحور الأول

 

وفاء العم: الانقسامات السياسية والتباينات في المشهد التونسيّ أصبحت واقعاً يواجه التونسيين منذ نجاح ثورتهم. البارز في هذه المرحلة الانقسام داخل حركة نداء تونس، انقسامٌ أدّى إلى تأسيس حركة تحيا تونس بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ناهيك عن استمرار الصراعات داخل الحزب نفسه.

وفي الوقت نفسه، تتواصل الانقسامات في حزب المسار وحزب آفاق تونس، ما يطرح التساؤلات عن شكل العملية السياسية في المرحلة المقبلة، مرحلة تتشابك فيها التحديات السياسية والاقتصادية، يدخل على خطها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي قالها صراحةً أمس بمناسبة عيد العمّال، سندعم مَن يتبنّى برنامج الاتحاد.

فأيّ دورٍ سيكون للاتحاد في المرحلة المقبلة، والذي لعب دور ضابط الإيقاع في مراحل حسّاسةٍ ومفصليّةٍ سابقة؟ من جهةٍ أخرى، كيف ستواجه تونس التحديات الإقليمية، ولا سيما ما يحصل في ليبيا والخوف من حركة نزوحٍ تثقٍل كاهل التونسيين جرّاء تصاعد وتيرة الصراع الليبي؟

عن المشهد السياسيّ وكلّ ما يسبق الانتخابات، عن الأوضاع الاقتصادية، عن التأثيرات الإقليمية، سنفتح النقاش مع الأستاذ يوسف الوسلاتي رئيس تحرير جريدة الشعب التونسية. فأهلاً بكم في حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفاء العم: أرحّب مجدّداً بالأستاذ يوسف الوسلاتي. نبدأ من محاولة َفهْم المشهد بشكل عام في تونس.

كيف يمكن أن نفهم هذا المشهد المنقسم على مختلف الأحزاب السياسية، حزب نداء تونس، وأيضاً هناك أحزاب أخرى تعاني من انقسامات ربما وخلافات وتباينات في الداخل؟

 

يوسف الوسلاتي: نعم، سيّدتي، يبدو أنّ الانقسامات أصبحت ظاهرة شملت تقريباً مختلف الأحزاب السياسية في تونس، وأبرز هذه الانشقاقات وأبرز هذه الأزمات الداخلية التي عاشتها الأحزاب التونسية تمظهرت في ما حصل في نداء تونس، وخصوصاً في مؤتمره الأخير، والذي كان يقع ويعوَّل كثيراً على أن يرأب الصَدْع الذي ضرب صفوف هذا الحزب، وكذلك أعمدة هذا الحزب، وأدّى إلى حصول العديد من الانشقاقات منذ 2014 تقريباً بحصول تقريباً ثلاث مجموعات سياسية واضحة، أسّس بعضها أحزاباً، في حين بقي البعض الآخر كشخصيات أو رموز في المشهد السياسي.

كان يُعوَّل كثيراً على أن يكون مؤتمر الحمامات، مؤتمر المنستير، ربما نقطة انطلاق جديدة لتسوية الجانب التنظيمي، خصوصاً وأنّ الوحدة التنظيمية في الحزب كانت محلّ تساؤلاتٍ كثيرة، والإدارة، والقيادة، وإلى غيرها، وكان يقع التعويل على مؤتمر المنستير، ولكن ما حصل لاحقاً زاد المُشتّت تشتيتاً، وحصل بعد اجتماع اللجنة المركزية، المؤتمر لم ينهِ أشغاله وحصل انقسام في انعقاد مؤتمر آخر، أو استكمال أشغال المؤتمر في جهة الحمامات، وقيادة أخرى في جهة المنستير، وأفرز المؤتمر كما نعلم جميعاً قيادتين، وهما يتناحران إلى الآن، والنتيجة أنّ هناك طرداً وطرداً متبادلاً من الطرفين، وتجميداً للعضوية وتجميداً متبادلاً أيضاً من الجهتين، وهو ما جعل وضع هذا الحزب يكاد يكون صعباً جداً.

ربما ما سيقع في المدة القادمة هو أنّ الجناح الذي سينجح في ربما الالتحام ببعض الأطراف السياسية القريبة، وهي في الأساس تحيا تونس ربما، والمشروع هو الذي سيُكتَب له النجاة أكثر، خصوصاً وأنّ نداء تونس أصبح فارِغاً من مستواه.

 

وفاء العم: سأتوقّف عند حزب تحيا تونس، ولكن وصفت المشهد، قلت وكأنّها أصبحت ظاهرة في المشهد السياسي التونسي هذه الانقسامات والتباينات داخل الأحزاب.

هل من تفسير وأسباب، المفروض في العملية الديمقراطية تتكتّل أحزاب أكثر لتحصل على تمثيل ربما وثقل سياسي أكبر، ولكن ما يحصل في العملية السياسية في تونس بأنّ التشرذم السياسي يأخذ مساحة أكبر، هل من تفسير لهذه الظاهرة؟

 

يوسف الوسلاتي: سيّدتي، الأسباب مثلما ذكرنا في نداء تونس كانت ناتجة من الزعامات، ربما هي حرب الزعامات.

 

وفاء العم: ما ينطبق على نداء تونس ينطبق على بقية الأحزاب أيضاً؟

 

يوسف الوسلاتي: وهو كذلك، وهذا العنصر لا يشذّ عمّا حصل في الأحزاب الأخرى، حيث أنّ الزعامات في كثير من الأحيان هي التي تحرّك هذه السواكن، وتؤدّي إلى حصول بعض الانقسامات، مثلاً ما حصل في المدة الأخيرة، كذلك حتى في أكثر الأحزاب أو الجبهات تماسكاً، وهي الجبهة الشعبية، رأينا نوعاً من التصدّع بمحاولة تقديم البعض لأنفسهم كمرشّحين مُفترضين للانتخابات الرئاسية.

ولكن حتى وإن تمّ تطويق هذا الخلاف، فإنّه ظلّ موجوداً في بعض الأحزاب الأخرى، مثلاً لنأخذ بعض الأحزاب الديمقراطية، حزب المسار، مثلاً أمينه العام الذي هو وزير الفلاحة، في الحقيقة انشقّ عن الحزب ببقائه مع يوسف الشاهد، وانضمامه لاحقاً هو وبصحبة قيادات أخرى إلى مشروع تحيا تونس إلى جانب يوسف الشاهد، وبذلك أخذ المسار مُنعرجاً آخر، وفقدَ هذه القيادات.

أيضاً الناطق الرسمي باسم الحكومة السيّد أياد الدهماني الذي ينتمي أيضاً إلى حزب من الأحزاب الديمقراطية العريقة، هو كذلك انفصل وخيّر البقاء في الحكومة على العودة إلى حزبه. هذا ما حصل مع أعضاء وزراء، حزب آفاق كذلك، وحصول هذا الانشقاق الذي أصبح بيّناً بالتحاق تلك المجموعة بمجموعة يوسف الشاهد، والتخلّي عن الحزب.

ويبدو أنّ هذه الظاهرة العامة السبب الرئيس فيها هو صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من ناحية، وكذلك ظهور بعض النزعات الزعاماتية من ناحية ثانية، ثمّ أنّ، وهذا أيضاً مُعطى موضوعي، أنّ الحياة السياسية في تونس لم تستقرّ.

 

وفاء العم: هل هذا من شأنه أن ينهي ربما أو يضعف حزب نداء تونس أيضاً وحضوره في المشهد السياسي على اعتبار بأنّ هذه الانقسامات أصبحت كبيرة؟

 

يوسف الوسلاتي: لا، سيّدتي، يجب القول بصورة موضوعية، إنه الآن نداء تونس وضعه أسوأ، هو في أسوأ حالاته، خصوصاً بالنسبة إلى شق حافظ قائد السبسي، هو في أسوأ حالاته، أولاً من حيث التمثيلية داخل الندائيين، حيث أنّ مؤتمر المنستير، المؤتمر الأخير الذي عقده، شقّ نجل الرئيس لم يحظَ بالتأييد اللازم وفق ما قالته بعض التقارير الصحافية، ووفق حتى البيانات الصادرة عن هذا الحزب، بذكِر الأسماء، أسماء الأعضاء الذين حضروا، أعضاء اللجنة المركزية، وهي تبدو بأنّها مجموعة ربما أقلّية مُقارنة بالمجموعة الثانية.

نداء تونس، شقّ نجل الرئيس، يبدو أنّه في أسوأ حالاته. المجموعة الثانية، وهي التي ربما أصبح لديها نوع من المشروعية على اعتبار أنّ مَن يمثّلها هو رئيس الكتلة البرلمانية لنداء تونس، وبالتالي ليست هناك صعوبة قانونية في التعامل والتعاطي معه من قِبَل الأحزاب الأخرى، وهو ما أهّله لنَسْج ربما بعض التحالفات.

ما لدينا الآن من معطيات هو أنه يجري نقاش بين مجموعة سفيان طوبال وكذلك حزب تحيا تونس وكذلك المشروع وربما بعض الأحزاب الأخرى في اتجاه تكوين ائتلاف لتقديمه قائمة مشتركة في الانتخابات التشريعية، وربما النظر في مسألة الانتخابات الرئاسية أيضاً.

ربما يكون لهذا الشق نوع من المشروعية للعمل في المستقبل، وقد فتح أمامه كما قلنا بعض الطرق، وبعض الثنايا التي تؤهّله للتواجد في المشهد السياسي ربما بصورةٍ أفضل ممّا هو عليه وضع شقّ نجل الرئيس.

 

وفاء العم: هل يمكن أن يكون حزب تحيا تونس حزباً بديلاً لنداء تونس، على اعتبار نتحدث عن المبادئ الأساسية لهذا الحزب؟

 

يوسف الوسلاتي: نعم، سيّدتي، نحن وهذا قلته منذ مدّة، أنه أولاً لنفهم، تحيا تونس أو كذلك نداء تونس أو مختلف الشقوق الأخرى، هي تتنفّس من رئةٍ واحدة وهي ربما ما يمكن أن نسمّيه رئة الليبراليين الحداثيين، هو حزب يميني بتوجّهات ليبرالية، اقتصادية ليبرالية، ولكن بتوجّهات أيضاً حداثية. هذا التيّار في الحقيقة أصبح يمثله الآن ربما تحيا تونس ويوسف الشاهد أكثر ممّا يمثله أيّ طرف آخر.

زد على ذلك أنّ الخطوة التي اتخذها رئيس الحكومة بعدم انضمامه إلى تحيا تونس هي خطوة موفّقة، على اعتبار كأنه لم يتورّط ولم يضع نفسه في زاوية حزبية، حتى يتحوّل إلى قوّة جَذْب لمختلف الشقوق الأخرى، وبمقدوره ربما التعاطي مع الأطراف التي لم تنضمّ إلى مشروع تحيا تونس، ربما هذا سيعطيه هامشاً من المناورة، سيكون متوافراً له، أفضل ممّا لو كان انضمّ إلى تحيا تونس، أو أصبح أو أخذ مسؤولية حزبية في تحيا تونس.

تحيا تونس ومشروع يوسف الشاهد يبدو أنّه هو الذي يسير في طريق مفتوحة، ولديه ربما نقاط إيجابية يمكن له أن يسجّلها أكثر من غيره. هذا داخل هذه العائلة الندائية المُشتّتة والتي انفرط عقدها منذ مدّة. الآن، تحيا تونس ويوسف الشاهد هما المؤهّلان لحصاد هذا الخلاف، وكذلك ربما لتجميع هذا المختلف.

 

وفاء العم: ولكن أيضاً هناك معلومات صحافية تتحدّث عن تبايُنات في داخل تحيا تونس. هل هذه المعلومات صحيحة؟

 

يوسف الوسلاتي: نعم، هي معلومات صحيحة، على اعتبار أنه حصلت، وهذا ما طالعناه أولاً من خلال بعض المقالات الصحافية من ناحية، وكذلك حتى من تصريحات بعض النواب الذين كانوا طرفاً في هذا النزاع. الخلاف كان في الأساس حول وجود التجمعيين أو حجم تواجد التجمعيين داخل تحيا تونس، الذي يعتبره البعض ربما تواجداً مُكثّفاً قد يُسيء نوعاً ما إلى صورة الحزب، وبطبيعة الحال كان هؤلاء، النائب بن أحمد كان يرى أنّ هذا أزعج ربما هذا التوجّه الذي رأى فيه سياسة مُمنهجة لتشكيلة تحيا تونس لاحقاً، رأى فيه نوعاً من الانزعاج.

 

وفاء العم: ولكن لافت أيضاً أستاذ يوسف، أن يكون هذا الحزب الوليد أيضاً في بدايته، ولم تمرّ شهور منذ تأسيس هذا الحزب، وبدأت الانقسامات تظهر عليه. هذا ربما حتى يطرح التساؤل عن مستقبل حزب تحيا تونس.

ولكن إسمح لي، نعود إلى هذه النقطة تحديداً، ولكن نستعرض ما جاء في بوابة آخر خبر، "وجود صعوبات في التأسيس... تحيا تونس ستغيّر الخارطة السياسية"، نور الدريدي.

 

بوابة آخر خبر: وجد صعوبات في التّأسيس... تحيا تونس: سنغيّر الخارطة السياسية، نور الدريدي

لم تمض أربعة أشهر على الإعلان عن حزب "تحيا تونس" الذي يتزعّمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، حتى صعدت خلافاته إلى العلن بالرغم من حرص قياداته على إخفاء ذلك، خلافات يبدو أنّها تطوّرت مع رغبة التجمعيين والدستوريين في السيطرة على نصيب الأسد من غرفة القيادة، الأمر الذي تصدّى له الشقّ المناوئ برعاية القياديّ في حركة تحيا تونس المهدي بن غربية، والنائب عن كتلة الائتلاف الوطني مصطفى بن أحمد.

ورغم أنّ الحزب وجد صعوباتٍ في وضع حجر الأساس، لا يتردّد قادته في التلويح بتغيير الخارطة السياسية ونيل أكبر مقاعد في البرلمان، ما دفع المراقبين إلى التساؤل حول المدى الذي من الممكن أن يبلغه حزب فشل في عقد مؤتمره التأسيسي وأيّ مستقبل له في ظلّ التناحُر الداخلي الذي يمكن أن يفجّر الحزب إلى شقين وأكثر، تماماً، كما حدث مع نداء تونس.

ورغم نقاط التشابه التي تجمع بين النداء وتحيا تونس، يرى قادته أن التجربة مختلفة تماماً، إذ إنها انطلقت من الجهات والقواعد باتجاه القمّة التي يمثلها المؤتمر التأسيسي أو الانتخابي، وهذا لم يحصل في نداء تونس.

وفي وقتٍ سابق، أكّد الأمين العام سليم العزابي لتحيا تونس أنّ "عدد المنخرطين في الحزب الجديد بلغ 200 ألف، وأنه يطمح إلى الحصول على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات المقبلة بالفوز بـ 109 مقاعد"، إلا أنّ هذا الاكتساح البرلماني لن يكون سهلاً بحسب مراقبين، إذا واصل الحزب بالوتيرة نفسها التي رافقت مؤتمره التأسيسي والتي جعلت الرجل الثالث في الحزب وأبرز مؤسّسيه مصطفى بن أحمد يلوّح بمغادرة الحزب.

 

وفاء العم: أستاذ يوسف، أسمع منك تعليقاً على ما جاء في المقال، وهذا ألا يُنبئ ربما أو يؤشّر إلى أنّ تحيا تونس ربما يخوض نفس المسار ويُعيد نفس السيناريو، سيناريو حركة نداء تونس؟

 

يوسف الوسلاتي: أنظري سيّدتي، سأعلّق على نقطتين. النقطة الأولى هي من الزاوية النظرية العامة، أنّ القول بأنّ تحيا تونس تمّ تأسيسه انطلاقاً من القاعدة نحو القمّة، وهو يختلف بذلك عن نداء تونس، هذا قوله فيه نوع من عدم الدقّة الكثير، حيث أنّه في الحقيقة، الأحزاب السياسية لا تُبنى من القاعدة إلى القمّة، بالعكس، الاتجاه هو عكسي تماماً، حيث أنّ الأحزاب السياسية هي تكون لها قيادة وبرامج وتُبنى من فوق، ثمّ لاحقاً يُعرَض ذلك البرنامج على عموم الناس ويقع التأسيس قاعدياً وجهوياً وإلى آخره. هذه ليست ذريعة لنقول إنّ هذا الحزب سينجح، لأنّ تأسيس الأحزاب ينطلق من فوق، وعلى العكس من ذلك، النقابات هي التي تنطلق من تحت نحو القمّة، لتنتخب قياداتها. هذا ليس عاملاً من عوامل النجاح. هذا من ناحية.

من ناحية ثانية، تحيا تونس ربما يشترك هنا مع نداء تونس في أنّه ليس حزباً عقائدياً، ولم تجرِ عملية سابقة في مناقشة تصوّرات برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، وهو ليس حزباً عقائدياً. هذه أحزاب انتخابية، وقدّمت نفسها، وجاءت أيضاً بها سياقات سياسية معيّنة. العنوان الأبرز لهذه السياقات هو الفراغ السياسيّ، في 2014 كان مطلوباً أن يوجد حزب حداثي يستطيع أن يُحدِث التوازن السياسي في البلاد، في بلاد هيمنَ عليها الإسلام السياسي، وهيمنت عليها المجموعات السلفية الموغِلة في التطرّف، وأصبحت تهدّد النمط المجتمعي التونسي. كانت الحاجة إلى إيجاد هذا الحزب، تمّت ترجمتها بنشأة نداء تونس الذي لم يقع تدارس لا برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، كانت مبادرة من رئيس الجمهورية الحالي والمؤسّس لذلك الحزب وهو الباجي قائد السبسي.

الآن ما يحدث هو شيءٌ من هذا تقريباً شبيه إلى حد ما بهذا الأمر، حيث أنّ عقد نداء تونس انفرط بالشكل الذي نعلمه، هناك صعوبات كثيرة سياسية وكذلك تنظيمية وفكرية في حزب نداء تونس. الآن الحاجة إلى وجود هذا الحزب الجامِع، هذا الحزب الذي يستطيع أن يوحّد هذه العائلة التي يسمّونها وسطية، والحقيقة لا توجد كلمة وسطية، يجب أن نتحدّث من زاوية الاقتصاد لنقول إنّ المشهد السياسي بحاجة إلى حزبٍ يمينيّ بمرجعية حداثية، وهو ما يستجيب له حزب تحيا تونس، والذي ربما قد يلعب دوراً مهماً في المرحلة القادمة، كما قلنا استجابةً لضرورات المرحلة الحالية.

 

وفاء العم: أيضاً أستاذ يوسف، دعني أتوقّف عند علاقة السيّد يوسف الشاهد بالرئيس الباجي قائد السبسي، وأيضاً علاقته بحركة النهضة.

بعد تصريحات الشاهد الأخيرة بحق الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، وقد قال كلاماً طيّباً ربما بحقه، قال بأنني تشرّفت بأنني عملت معه، هل هذه التصريحات الأخيرة من شأنها أن تنهي الخلاف بين الطرفين؟ هذا أولاً.

ماذا في شأن علاقة الشاهد أيضاً بحركة النهضة التي مؤخّراً ربما حذّرت الشاهد من تكوين إدارة من دون الرجوع إليها؟ هذا أيضاً يُنبئ بتصدّع علاقته ربما أو تحالفه مع النهضة.

 

يوسف الوسلاتي: سيّدتي، ما طرحتِه يشير إلى نقطتين مهمتين. النقطة الأولى هي علاقة رئيس الحكومة برئيس الجمهورية، وهي علاقة وإن كانت متوتّرة في فترة من الفترات، ولكن إكراهات الأمر الواقع جعلت رئيس الجمهورية هو الذي يبادر بتقديم نوع من التنازلات لإعادة هذه العلاقة إلى مجراها الطبيعي، بحيث أنّه في خطاب 20 مارس دعا علناً إلى عودة يوسف الشاهد إلى صفوف النداء، وتحدّث عن شاهد العقل وهي عبارة لدى التونسيين، وكان يقصد يوسف الشاهد، تناولها بنوع من الطرافة، ولكن هو سوّد ذلك، وقد دعم هذا التوجّه بدعوته ناخبي ونواب مؤتمر نداء تونس إلى رفع تجميد عضوية الشاهد، يوسف الشاهد، في الحزب، وإعادته إلى صفوف الحزب، وقد تمّ التفاعُل معه جزئياً من خلال بعض المداخلات.

ولكن في نهاية الأمر، علاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة، إكراهات الواقع وإرهاصاته جعلت هذه العلاقة تعود إلى وضعٍ ظاهرياً هو طبيعي، والحقيقة أنّ رئيس الجمهورية فقد زِمام المبادرة في اتجاه فرض شروط هذه العلاقة، حيث أنه كان ولفترة طويلة يريد أن يكون رئيس الحكومة ومركز ثقل الحكم تابعاً لقرطاج وليس للقصبة، وأن يكون رئيس الحكومة مجرّد موظّف، مجرّد وزير أول، مثلما هو الأمر في الحكومات في الدول ذات النظام الرئاسيّ، ولكن هذا الأمر حصل فيه تمرّد، وحصلت فيه أقوال أخرى، ما جعل بعد هذا الاصطدام وبعد هروب يوسف الشاهد من جبّة رئيس الجمهورية، جعله يُعيد ترتيب الأوراق من جديد، ويُعيد يوسف الشاهد ولو حتى بالكلام، ولو حتى بالخطاب السياسي إلى جناحه، ويجري قنوات تواصل معه.

هذا من ناحية، ولكن في علاقة يوسف الشاهد رئيس الحكومة بحركة النهضة، هناك جانبان، جانب استراتيجي، وهو أنّ هناك اتفاقاً على أن يكون هناك ائتلاف حاكِم بعد الانتخابات التشريعية القادمة، وهذا الائتلاف دعمه طرفان رئيسيان هما رئيس الحكومة ومشروعه السياسي من ناحية، وحركة النهضة من ناحية ثانية، ليشكّلا مع بعض الأحزاب الأخرى إن وُجِدت، طبعاً ليشكّلا الائتلاف الحاكِم الجديد، وقد عبّرت بعض الأطراف داخل حركة النهضة وأفصحت عن هذا التكتيك وعن هذه الاستراتيجية القريبة المدى، وأصبحت هذه المسألة معلومة، والحديث من حين لآخر عن التوتّر بين الإسلام السياسي وكذلك دعوة بعض الأحزاب أو قول بعض الأحزاب وبعض الرموز من أنها لن تتحالف مع الإسلام السياسي، فيه نوع من الخدعة السياسية، لأنّها لم تحسم أمرها بصورة جيدة في هذا الأمر.

 

وفاء العم: وما هو واضح ربما أستاذ يوسف، بأنّ حركة النهضة هي الحزب المتماسك حالياً في المشهد السياسي، الذي لم يشهد انقسامات كما تشهدها الأحزاب التونسية الأخرى.

 

يوسف الوسلاتي: هذا نسبيّ، حتى أنا تحدّثت عن الأوضاع العامة التي تؤهّل، أو دفعت الكثير من الأحزاب إلى أن تعرف صعوبات داخلية. حركة النهضة ليست بمنأى عن هذه الظاهرة، هي أيضاً، نجد نوعاً من الصراع داخل شقوقها، وإن كان لا يزال خفياً إلى حدّ الآن، ولكن لم يعد في بعض الأحيان خفياً إلى الحدّ الذي كنّا نراه في السنوات الماضية، أو كنّا نراه حتى قبل الثورة، مثلاً خطاب السيّد لطفي زيتون في المدة الأخيرة كان خطاباً واضحاً، وهو يمثّل شقاً بأكمله داخل حركة النهضة، وهذا شقّ في الحقيقة لديه شعارات خاصة، لديه أجندته الخاصة، ولديه أيضاً تصوّره لهوية الحزب، حيث دعا إلى ضرورة الابتعاد عن احتكار الدين، ودعا كذلك إلى عدم التكلّم باسم الدين، وعدم تخويف التونسيين الذين صاروا منزعجين من الإسلام السياسي ومنزعجين أيضاً من العنف الذي تمارسه هذه المجموعات، تارةً باسم السلفيين وتارةً باسمها، وتارةً أيضاً باسم أجهزة الدولة حينما مسكت الترويكا الحُكم.

ولنقل بصورة عامة، كما قلنا إنّ هذه الخلافات لا تزال ظاهرة حاضرة بقوّة في المشهد السياسي في تونس، ولم تنجُ منها تقريباً كل الأحزاب، أيضاً حتى استمعنا في المدة الأخيرة إلى تصريحات لبعض القياديين في حركة النهضة، تستشفّ منها وكأنّ موقع راشد الغنوشي رئيس الحركة أيضاً هو صعب، ولن يكون وضعه بعد المؤتمر القادم للحركة هو ذات وضعه الآن، وهذه الحركة ذاتها مقبلة على تغييرات أو ربما حتى نوع من الانشقاقات إذا لم تستطع وتحكم إدارة خلافاتها الداخلية.

ولكن لو عدت إلى أصل سؤالك الذي طرحته حول الإسلام السياسي ودوره في الائتلاف الحاكِم القادم، سنقول إنّه سيكون طرفاً، وحزب يوسف الشاهد أيضاً لم ينفِ إمكانية تحالفه معه، وبطبيعة الحال، رغم هذا الفشل الكبير الذي رافق حُكم الائتلاف الحاكِم حالياً، وهذه الانتقادات الكبيرة الموجّهة إليهما في إدارة الملف السياسي والاجتماعي في البلاد.

 

وفاء العم: ما تقوله مهمّاً أستاذ يوسف، ولكن إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل سريع.

ربما بعد الفاصل، نتحدّث عن تأثير كل ذلك على المشهد الانتخابي القادم في تونس.

إذاً مشاهدينا فاصل سريع نعود بعده لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفاء العم: أهلاً بكم من جديد إلى هذه الحلقة من حوار الساعة.

ونبدأ الجزء الثاني من الحلقة ممّا ذكرته صحيفة الشروق التونسية تحت عنوان "المواطن لا يعرف لمَن سيصوِّت في الانتخابات المقبلة".

 

الشروق التونسية: المواطن لا يعرف لمَن سيصوِّت في الانتخابات المقبلة!

مشهدٌ سياسيٌ غامِض وتقلّباتٌ داخل الأحزاب وتحرّكاتٌ ومناوراتٌ هنا وهناك، وسياحةٌ حزبيّة وبرلمانية. مظاهر عديدة أدخلت الضبابية على ذِهن المواطن حول الشأن السياسي وتحديداً خياراته في الانتخابات المقبلة.

اليوم، قبل بضعة أشهر من انتخابات 2019، هناك مشهدٌ حزبي متعدّد (218 حزباً) يسوده الغموض والضبابية، وأحزابٌ تشقّها مشاكل داخلية مختلفة وصراعات غامضة في ما بينها، فضلاً عن الظاهرة الأبرز وهي عدم ثبات بعض المكوّنات البارزة لتلك الأحزاب في مكان واحد وعلى موقف واحد بفعل انتشار ظاهرة "السياحة الحزبية والبرلمانية".

كلّ ذلك تسبّب في عزوف عدد من التونسيين عن الاهتمام بالشأن السياسي، فتراجع الانخراط في الأحزاب، وتقلّص الحضور في الاجتماعات الشعبية التي تعقدها بعض الشخصيات الحزبية، وتراجعت نِسَب مشاهدة ومتابعة البرامج والأخبار السياسية في وسائل الإعلام.

غير أنّ الخطر الأبرز أصبح يُهدّد الانتخابات المقبلة، وذلك من حيث نسبة الإقبال المُنتظرة يوم التصويت، وهو مقياس أساسي لإنجاح أية انتخابات.

من أبرز مظاهر الفوضى على الساحة السياسية: السياحة الحزبية والبرلمانية، انحدار مستوى الخطاب السياسي، الصراعات والشقوق داخل الأحزاب، عدم تحقيق الوعود السابقة بالنسبة لمَن بلغوا السلطة، التوافقات والتحالفات الهشّة والمشبوهة القائمة على مصالح حزبية وسياسية ضيّقة، عدم وجود برامج حزبية وأفكار قادرة على استقطاب الناس.

وتؤدّي هذه الفوضى إلى مخاطر عديدة أبرزها: عزوف المواطن عن المشاركة في الحياة السياسية وعن الانخراط في الأحزاب، العزوف عن المشاركة في الانتخابات ما يهدّد التجربة الديمقراطية. هذا العزوف قد يسمح بانفراد بعض الأطراف السياسيين بالشأن العام وبعودة نظام الحزب الواحد والحُكم الواحد.

 

وفاء العم: أستاذ يوسف، إلى أيّ مدى ما يحصل على مستوى الأحزاب السياسية في تونس من شأنه أن يُلقي بتأثيره على خيارات المواطن التونسي في الانتخابات المقبلة؟ وأيضاً كيف نتوقّع أن يكون ربما شكل الانتخابات المقبلة؟

 

يوسف الوسلاتي: طبعاً لا يمكن لما يحدث في الحياة السياسية من تجاذبات ومن كذلك صراعات فوقية لا تمتّ لمصالح التونسيين بصلة ولا تخدم لا الملف الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا كذلك حتى البيئي، ما يحدث هو صراعات فوقية وقد تمّ التنديد بهذا في العديد والعديد من المرات، حتى أنّ المجتمع المدني ذاته عبّر عن هذا الامتعاض من الصراعات السياسية الفوقية ومن هذه الصراعات الهامشية.

لنقل إنّ العنوان الأبرز للمرحلة المُنقضية والذي على أساسه يتمّ التقييم هو هذا التحالف، التحالف الذي وقع بين حزبي نداء تونس وكذلك حركة النهضة لإدارة الشأن العام. ما هي النتائج بصورة ملموسة لهذا التحالف؟ هذا التحالف، لنقل منذ البداية، وهذا أشرنا إليه، كان تحالفاً فوقياً ولم يكن على أساس برامج اقتصادية واجتماعية، لم يكن على قاعدة طرح بدائل وتصوّرات في مجال مثلاً التنمية، لخلق منوال تنموي جديد، لم يكن على قاعدة برامج لإيجاد حلول للإشكاليات المطروحة في المجال الاجتماعي.

كان تحالفاً فوقياً هدفه تحقيق مكاسب سياسية لإضعاف المعارضة، والقيام بعملية حشد في الائتلاف الحاكِم على أوسع نطاق، وإضعاف المعارضة أيضاً قَدْر المستطاع، وربما من أجل أن يحكموا تلك الفترة بين 2014 و2019 بكثير من الأريحيّة، وهذا تقريباً ما حصل، ولكن نتائجه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي كانت كارثية، بحيث أنّ انهيار الدينار نعرف نتائجه، والتضخّم، كذلك زيادة في سعر الفائدة المديرية، أيضاً الزيادات المتفاوتة والمتتالية، سواء كان في أسعار المحروقات، وما يعقبها عادة من زيادات في أسعار المواد الأساسية الأخرى.

الوضع الاجتماعي سيّىء على جميع المستويات، لأنّ العنوان الأبرز لإدارة الشأن العام في تونس هو كان هذا التوافق، التوافق السياسي الذي كان فوقياً، وكان هدفه الأساس كما قلنا هو تحصيل مكاسب سياسية، وكذلك خدمة الأحزاب أكثر من خدمة البلاد.

الآن بطبيعة الحال، وكأننا إزاء نظام يحاول إعادة إنتاج نفسه، لأنّ التلويح بهذه التوافقات، كنت سيّدتي منذ قليل أتحدّث عمّا صرّح به بعض القادة السياسيين عن إمكانية خلق ائتلاف سياسي جديد، وهو ما يعني أنّ هذا النظام بصَدَد إنتاج نفس المنظومة القديمة، هذه المنظومة القديمة التي وصفها، سواء كان الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، وكذلك رئيس هيئة مكافحة الفساد، منظومة كادت الدولة تتحوّل فيها إلى آلة فساد كبيرة، وإلى دولة مافيوزية.

 

وفاء العم: ولكن أستاذ يوسف، هذا الشكل من العملية السياسية والمعادلة السياسية الموجودة في تونس، هي جاءت بالتصويت، الشعب التونسي هو مَن اختار مَن يصل ربما لإدارة عمليته السياسية ومصالحه.

وبالتالي، الآن بعد هذه التجربة بالنسبة إلى تونس، بعد ثورتها، هل نتوقّع أن يتغيّر شكل المعادلة السياسية، أم لن يكون هناك تغيير كبير وفق المعطيات؟ أيضاً كانت هناك تركة، إذا كنّا نريد أن نحمّل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة المسؤولية، كانت هناك أيضاً ربما تركة ثقيلة تركها الحُكم السابق على التونسيين.

 

يوسف الوسلاتي: طبعاً مختلف هذه المعطيات التي ذكرتها صحيحة، ولكن لنقُل إنّ من النتائج المباشرة لسوء إدارة الشأن العام هو هذا العزوف الذي تحدّثتم عنه في التقرير، عزوف التونسيين الذين لا يعرفون إلى حدّ الآن لفائدة مَن سيصوِّتون. البدائل ربما، ثمّة أكثر من ثلاثة ملايين تونسي لم يسجّلوا في الانتخابات المقبلة إلى حدّ الآن، سجّل منهم في المدة الأخيرة ربما حوالى 400 ألف، ولكن هناك قاعدة انتخابية مهمة لا تزال تمارس عملية العزوف عن الانتخاب، وهي ردّة فعل طبيعية على فشل الفاعلين السياسيين في إيجاد حلول.

ربما هنا تسألينني، هل أنّ هذا الوضع سيتغيّر؟ أنا أقول إنّ هذا الوضع ليس قضاءً وقدراً، ويكفي أن يتفطّن بعض السياسيين، والمجتمع المدني. ما نلاحظه هو التالي، على الأقل هناك العلامات التالية، هناك من جهة مبادرات مواطنية لخلق قوائم انتخابية، أو لبعث قائمات انتخابية بمبادرات مواطنية، قد لا تشكّل الحل، على اعتبار أنّ التونسيين لم يتعوّدوا على مثل هذه المبادرات، التونسيون تعوّدوا بعقلية الحزب الواحد طيلة حقب طويلة، أكثر من نصف قرن، وهم يعيشون في ظل الحزب الواحد، لم يتعودوا بهذه التجربة الديمقراطية.

هذه المبادرات قد لا تنجح كثيراً، ولكنها لبنة لربما لتأكيد أنّ المواطن يمكن أن يأخذ الأمور بيده إذا ما فشلت الطبقة السياسية الحاكمة. هناك أيضاً الاتحاد العام التونسي للشغل.

 

وفاء العم: سبقتني، نعم.

 

يوسف الوسلاتي: وكما قلنا، هذا في جانب مثلاً بعض الشخصيات الوطنية، والوجوه من المجتمع المدني التي شكّلت هذه الأحزاب، ولكن أيضاً هناك الأطراف الاجتماعية، قد يكون لها أيضاً رأي، وقد تكون لها مبادرات. ما استمعنا إليه في خطاب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بالأمس حول ربما نوع من التصوّرات الجديدة لكيفية مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل، أو تأثيره على هذه الانتخابات.

كلها ناتجة، أو لنقُل إنّها كلّها ردّة فعل على فشل الطبقة السياسية الحاكمة التي لم تقدّم هذه البدائل المطلوبة التي ينتظرها التونسيون، والتي أدّت إلى العزوف عن الانتخابات، أو عن نوايا التصويت والانتخاب، وقد تضعف العملية الديمقراطية إذا ما تواصل الأمر على هذا النحو. ولكن لنقُل إنّ كلّ مجتمع يحاول في كلّ مرّة أن يوجِد الآليات التي ينعش بها الانتقال الديمقراطي، ولنقُل إنّ تونس حيّة في هذا الجانب، أنا شخصياً حينما أتابع هذا الأمر أرى مجتمعاً حياً يتحرّك، يحاول إيجاد حلولٍ للإشكاليات المستعصية، والحل حينما لا يأتي من الطبقة السياسية، يأتي من طبقة المجتمع المدني.

 

وفاء العم: إسمح لنا أن نستعرض ما جاء أيضاً في صحيفة الصحافة اليوم التونسية، "حرب مُعلنة مع وقف التنفيذ"، لطيفة بن عمارة.

 

الصحافة اليوم التونسية: حرب معلنة.. مع وقف التنفيذ! لطيفة بن عمارة

يرى جلّ المتابعين للوضع العام في تونس أن الحرب الحقيقية على الفساد لم تُترجَم بعد على أرض الواقع بسبب غياب إرادةٍ سياسيّةٍ فعليّةٍ للسلطات، والدليل أن هيئة مكافحة الفساد أحالت المئات من قضايا الفساد المرفوعة ضد مسؤولين بالدولة وغيرهم منذ سنوات، لكنّ غياب المساءلة والمحاسبة الإدارية والقضائية للمسؤولين المتورّطين في الفساد جعل البعض يظنّ أنّ الحرب على الفساد مجرّد شعاراتٍ وهمية.

لا يزال إلى حد هذه اللحظة التعتيم الكبير يلف تفاصيل ما اصطلح عليه باسم "الحرب" على الفساد والتي يقودها الشاهد والتي سيطر عليها الغموض والالتباسات في قضية حسّاسة، شدّت اهتمام الرأي العام من دون أن نعثر على قرار حول حقيقتها وتطوّراتها وأبعادها وخلفياتها العميقة.

اليوم تتعمّق الشكوك حول مدى الالتزام بالقانون في الشكل، وحول جدوى وفعالية الحملة أو الحرب وتحقيقها الأهداف المعلنة أو الضمنية، وكيفية اندراجها، هل تندرج في إطار التغطية على إخفاقات الحكومة أو اتهامها بـ "التصفية" بل وحتى "الانقلاب" داخل الحزب الحاكم.

لا يمكن لأحد اليوم أن يقتنع بان تونس لا تحوي سوى ثمانية أو عشرة أو حتى عشرات رجال أعمال فاسدين فقط. الفساد في تونس اليوم هو عبارة عن مجموعة تشريعاتٍ ومؤسّساتٍ ومنظومة حكم لا يمكن اختزاله في إسقاط بعض الرؤوس أو بحرب انتقائيّة على الفساد.

 

وفاء العم: أستاذ يوسف، عندما نتحدّث عن معضلة الفساد في تونس، هذا أيضاً ما سلّط عليه الضوء أيضاً الاتحاد العام التونسي للشغل يوم أمس لمناسبة عيد العمّال.

أيّ دور يمكن أن يلعبه الاتحاد في المرحلة المقبلة؟ قال صراحةً بأنّه سيدعم مَن سيتبنّى برنامجه الانتخابيّ، لن يدخل هو في الانتخابات مباشرةً، ولكن مَن سيتبنّى برنامجه الانتخابيّ سيكون محطّ دعم.

 

يوسف الوسلاتي: نعم، الاتحاد ربما سيتخذ مجموعة من الخطوات، أولها هو صوغ عناوين كبرى لبرنامج اقتصادي واجتماعي، وهذا يمكن أن يذكّرنا بما فعله الاتحاد العام التونسي للشغل في السنوات الأولى للاستقلال، حيث قام بصوغ هذا البرنامج، وهذا البرنامج تبنّته الحكومة لحقبة تاريخية كاملة، ولم يصبح في الحقيقة لحكومة الاستقلال الثانية على ما أعتقد، لم يصبح لها برنامج إلا في نهاية الستينات، وكلّ البرامج التي طُبّقت في المجال الاجتماعي في الفترة الأولى كانت من صوغ الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي حتى غذّى الحكومة وقتها ببعض الأسماء وبعض الوزراء.

الآن الاتحاد يعوّل خصوصاً أمام هذا الفراغ الذي نجده الآن، أمام طفرة الوعود، أمام غياب البرامج الجدية التي تستهدف منوال تنمية جديد، والحقيقة أنّ البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي يطرحه الاتحاد العام التونسي للشغل هدفه هو بالأساس صوغ منوال تنمية جديد يضمن من ناحية التنمية في الجهات، ويضمن كذلك التشغيل للفئات الهشّة والفئات الفقيرة الموجودة في الأحياء الشعبية، الموجودة في المدن الداخلية، وكذلك حتى في علاقة بالحادثة التي وقعت هذه الأيام، يضمن حقوق المرأة الفلاحية التي أهدِرت والتي نراها تموت على الطرقات نتيجة ظروف النقل غير اللائقة.

أيضاً ملفات الفساد، تحدّث الاتحاد العام التونسي للشغل، الأمين العام تحدّث عن الفساد الذي استشرى كثيراً، وكذلك الذي أدّى إلى وفاة الرضّع، الفساد الذي ينخر العديد من المؤسّسات، وحتى بالعودة إلى ما قلته منذ قليل، وما أشار إليه التقرير من الفساد، أو الحقيقة المقال الذي صدر في جريدة الصحافة حول الحرب على الفساد، هي حربٌ معلنة، نعم، هو أعلن عنها ولكن مصيرها كان كالدراجة إذا ما توقفت سقطت، ولا يمكن الحديث صراحةً، إذا كنّا نريد أن نتحدّث بجدية في المجال السياسي، وبواقعية أيضاً ومن دون مغالطة، لا يمكن الحديث عن حرب فساد، هذه كلمة أعلنها السيّد يوسف الشاهد في الأيام الأولى كان من نتائجها بصورة مباشرة القبض على شفيق جراية، وستة أو سبعة أشخاص آخرين، وُضعوا تحت الإقامة الجبرية لفترة معيّنة، أطلق سراح بعضهم باتفاقاتٍ مع الديوانة وتمّت معاملتهم كمهرّبين وإلى آخرهم، وبقي في السجن شفيق جراية، وهو الآن في الحقيقة مودَع السجن ليس بسبب محاكمته في قضايا فساد، ولكن بسبب تورّطه في قضية ثقيلة وهي قضية التآمر على أمن الدولة.

لا توجد حربٌ على الفساد، لأنه لا توجد إرادة سياسية، وأنا سأقول كلمة وأظنّ أنني محقٌ في ذلك، وكأنّ رئيس الحكومة تورّط في هذه الحرب، قال هذه الكلمة ثمّ وجد حالة جذبٍ قوية، وحالة مقاومة عامة، وخصوصاً أنّ الفساد استشرى، والآن أصبح جزءاً من الحكم، وأصبحت هذه التشكيلات السياسية تحتمي بالفاسدين وتطمع وتغازل هؤلاء طمعاً في الظّفر بأموالهم الانتخابيّة.

 

وفاء العم: إذاً معضلات عدّة موجودة في الواقع التونسي وتفرض نفسها على التونسيين، سواء في ما يتعلق بالعملية السياسية التي دائماً ما تواجه معوقات، الواحدة تلو الأخرى، التشرذُم الحاصل على مستوى الأحزاب السياسية، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أيضاً المتراجعة، نتحدّث عن استشراء الفساد أيضاً.

هل يمكن أن نقدّم قراءة لمستقبل ومآلات ما يجري على الصعيد السياسي وتأثيره على المستوى الاقتصادي في المستقبل؟

 

يوسف الوسلاتي: سيّدتي، إن فهمتُ من سؤالك، ما هو المطروح، لا أدري إذا ما كنت تريدين القول ما هو المطروح.

 

وفاء العم: ما هي مآلات الوضع في تونس؟ إلى أين تسير الأوضاع في تونس في ظل كل هذه التحديات؟

 

يوسف الوسلاتي: نعم، طبعاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إذا ما تواصل الأمر على هذا النحو، وإذا ما أعاد، وهذا منتظر كما قلت منذ قليل، في ظلّ إعادة إنتاج النظام لنفسه، هذا النظام بمختلف عناصره الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ الوضع مرشّح إلى مزيد ربما من الاحتقان الاجتماعي. هنا يجب ربما بالعودة إلى بعض الأرقام، وبالعودة كذلك إلى ما تنشره الصحف بصورةٍ يوميّة عن الاحتجاجات المشروعة، وحتى لنقل إن ذلك كان في المدن الداخلية نتيجة الزيادة في المحروقات، ولكن لم يقتصر الأمر على هذا النحو، حيث أنّ هناك احتجاجات تقريباً في كل مكان، والآن حتى وإن كانت بعض الأطراف هي التي أفسدت تحرّكات هذه الفئات الاجتماعية في شهر كانون الثاني (يناير)، كانت هناك نوايا لربما توسيع رقعة الاحتجاجات، ولكن بعض الفئات من العصابات الإجرامية دخلت على الخط من خلال محاولة القيام بعملية، التظاهر ليلاً والقيام بعملية سلب ونهب، ممّا جعلها تخرّب التحرّكات الاحتجاجية المشروعة لهذه الفئات وجعلها تتراجع أمام كما قلنا هجمة هذه المجموعات الهامشية، كما قلنا، والمتورّطة في قضايا الحق العام، والتي لا تستهدف حقيقة تغيير الوضع الاجتماعي.

 

وفاء العم: أستاذ يوسف أيضاً، أريد أن أستغلّ الوقت المتبقّي، لدينا دقيقة ونصف الدقيقة، في سؤال أخير ربما أيضاً يطرح تحدياً آخر بالنسبة إلى تونس، وهو ما يحصل في ليبيا، والتصعيد الأخير الحاصل على المستوى العسكري والأمني في ليبيا.

إلى أي مدى تخشى تونس من تداعياته عليها؟ وإلى أي مدى هذا يشكّل أيضاً تحدياً كبيراً بالنسبة إلى التونسيين؟

 

يوسف الوسلاتي: طبعاً، بالنسبة إلى الوضع في ليبيا، هو وضع صعب، وكل المؤشّرات تدلّ على أنّ حال الاحتدام هذه تزداد يوماً بعد يوم، والخشية هي من أن يتحوّل الوضع إلى حربٍ داخلية شرسة، تكون فيها هناك من ناحية حركة نزوح كاملة، وتونس ستتحمّل عبء ذلك، ولا أظنّ أنّها ستغلق حدودها، ستظلّ حدودها مفتوحة، وما يمثله هذا الأمر من عناء جديد، خصوصاً وأنّ تونس لم يسبق لها أن أغلقت حدودها في الثورة الليبية، وتحمّلت سواء كانت العمالة الأفريقية ومن جنسيات كثيرة، ودخلت إلى تونس سواء كان من خلال المخيمات، أو كذلك من خلال استقبال التونسيين لليبيين في النُزل وكذلك حتى في منازلهم.

ولكن لنقل إنّ هذا الوضع، الخشية هي أنّه لو تحوّلت ليبيا بمختلف عناصر التوتر الموجودة حالياً، والمرشّحة إلى مزيد من التأجّج، لو تحوّلت ليبيا إلى أفغانستان، ستتحوّل تونس إلى باكستان، هذه خشية، هذه خشية تونس، خشية الجزائر أيضاً، وستكون هناك انعكاسات باستمرار سيّئة على الوضع في تونس.

 

وفاء العم: كلّ الشكر لك أستاذ يوسف الوسلاتي رئيس تحرير جريدة الشعب التونسية على كل هذه المعلومات وعلى كل هذه الإحاطة وهذه التحليلات المفيدة خلال هذه الحلقة.

الشكر لكم موصول مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.