أيّة حياة أيّ موت؟

سقطت ضفائر شعرها الطويل من وراء الحِجاب واختلطت بمياه الخراطيم، كأنها في وحلٍ أسود.

  • أيّة حياة أيّ موت؟
    أيّة حياة أيّ موت؟

"حبيّتك بالصيف"، بصوتٍ خافت لا يزعج الآخرين في البيت خصوصاً منى، كانت تُغنّي لها بعد ولادتها في جناح المستشفى قبل 23 عاماً، ترنّم لها الألحان، وتضعها في سريرٍ صغير ملفوفة مثل قِطَع الحلوى مع قلاَّدة ذهبية على شكل قلب، تحرّك أطراف أصابعها على خدّها المُتورِّد.

كانت تبيع أشياء كثيرة من أجل إبنتها في أيام الحصار، ثوب العرس، سترة فرنسية طويلة رائعة، صحون مُزَخْرفة، علب للماكياج، بعض السجّاد. اشترت لها فستاناً أحمر من الدانتيل وهي في الثالثة، لبسته مرات قليلة، ربما في عيد ميلادها أو عندما أخذها أخوها إلى حفلة في الجامعة، هناك كانت مُدلَّلة بين أيدي الطالبات، ثم فجأة كبرت من دون أن تشعر بالسنوات، علَّمتها اللطف وكانت العلاقة المُميَّزة بينهما قد نشأت في المطبخ.

كانت تستحضر الكثير من الذكريات، تتنفّس بصعوبةٍ على جهاز الأوكسجين، مع كل نفس تشعر بأنها تغرق، فترى صورة صغيرتها ترتدي القميص الأبيض ذا الأكمام المُمزّقة وهي عائدة من المدرسة، تذهب إلى النوم قليلاً، الكثير من الأحيان كانت منى تذهب لمساعدتها في التنظيف بعد يومٍ عاصفٍ بالأتربة. القميص الأبيض صار رداء بجيبين كبيرين، وسمّاعة طبية مُعلّقة.

كانت الذكريات تمتزج مع الدخان الأسود في المكان وبدأت الحرارة تتصاعد وبدأت تضرب السرير ثم تضغط بقوَّة، الأوعية كانت تنتفخ، أكلت الصراخ في رأسها، وحتى الخارج اللامُتناهي، أكلت قلبها الصاخب، لقد أكلت الوحدة التي ليس من المفترض أن تلاحظها مع شيبٍ رمادي وجسد مُلتوٍ.

كانت منى تنظر برعبٍ إلى مشهد النيران واللهب في المدخل وخارج الشبابيك، تضع يدها على شفتيها، تنتظر .. تنتظر .. تحوم حول المكان وهو يحترق، مراراً وتكرارا ً.. كانت تريد أن تتقدّم ولا تستطيع، أحد ما كان يسحبها إلى الخلف، لم تكن تشعر بما يُقال لها.

بدأ كل شيء يتراكم تحت ضلوعها، أدركت أن الثلج غمر جسدها الواهِن، ويكسو كل طبقة من جلدها، ترتجف، تنزلق، تُثني ركبتيها على الأرض، كانت تؤشّر بأصبعها، تريد أن تمرّره باتجاه ذلك الممر المؤدّي إلى ردهة المُصابين بكورونا، وسقطت ضفائر شعرها الطويل من وراء الحِجاب واختلطت بمياه الخراطيم، كأنها في وحلٍ أسود.

بدأ عدد كبير من الشبّان يخرجون وهم يحملون جثثاً مُغطاة بـالبطانيّات، وسط ذهول وخوف وترقّب، لقد انكسر شيء في قلبها، كانت تسأل: "هناك .. هناك ما شفتوها؟" لم يستجب أحد. بدأت تضرب رأسها بيديها وتصرخ: "يمة وينج؟"

وفجأة سقطت مغمية بعد أن رأت قلاَّدة ذهبية على شكل قلب مُتدلية من يدٍ مُتفحّمة.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
أمين سعدي

كاتب وشاعر من العراق