تشظي

تشظى الرأس المطحون مثل بطيخة حقل طازجة عن خمس أفاع حاصرنني كجرذ في مصيدة، وبدأن ينهشن جلدي المقدد والمترهل أثر السنين.

  • تشظي
    تشظي

كنت قد التقيت بها - لسوء حظي - قبل عقود. في البدء سكنت داري. رحبت بها كثيراً. عاملتها مثل أبنائي. حاولت تدجينها. تظاهرت بالطاعة والرضا، وحين اطمأنت لرسوخ قدمها بدت تخرج رأسها. كلما أقدمت على عمل من أعمالي تحشر نفسها.

ارتقت إلى التأنيب ثم التدخل السافر وكنت أرفضه فقط بالقلب. ذلك مجاملة من جهة، ولأن لا حول لي من جهة أخرى. غير أنه تحول إلى نبش في قلبي وجرحاً لمشاعري استطعت أن أتحمله زمناً، ثم وقف رأس الافعى وبدأ اللدغ.

كان السمّ يتوغل في جوفي قليلاً قليلاً حتى أوشك أن يقضي عليّ. ذلك أني كنت أُسرع بجرح مكانه ومصّ السم ثم قذفه في مجرى الماء الثقيل.

نجوت. فقد كنت شابة وقوية ظلت تقف بلا صوت كلما راق لها ذلك، وتلدغني في أماكن مخبؤءة في الظل وفي الذاكرة.

حطمت شروطي وذبحت مقدساتي وغرزت في بعض مواد التخدير مع السم وبعض آيات نحسها. 

توسلت لنفسي أن تصبر واستطعت أخيراً أن أزيح جؤجؤها الثقيل عن هيكلي الصابر فمضت بعيداً، وواصلت طريقي بعد رحيلها عني قبل أن ارتكب معصية لا غفران لها.  

وبعد أن انهدت قدراتي وساورني الكبر وأخذ معه طاقتي وريعاني فإذا بها تنبعث مرة أُخرى في حنايا بيتي، ولضعفي هششتها مثل ذبابة. سخرت مني وانشبت مقلتيها الشريرتين في كبدي وبدأت تنهشني.

زرعت أنيابها في حنجرتي وبدأت تنفث قدراً لا محسوباً ولا موزوناً. جمعت كل ما بقي لي من طاقة وحشدت لها كل جيوب الخوف والتحفز لأقضي عليها قبل أن تتشبث بحنجرتي إلى الابد، وما كاد رأسها يبتعد لحظة عني حتى عاجلتها بمضربي الخشبي فانشق رأسها.

وقبل أن يرتد نفسي إليّ وتنشرح قسمات وجهي انبرت من الرأس المفلوع خمس أفاع أشد خبثاً وتلوناً.

تشظى الرأس المطحون مثل بطيخة حقل طازجة عن خمس أفاع حاصرنني كجرذ في مصيدة، وبدأن ينهشن جلدي المقدد والمترهل أثر السنين.

بدأن بلحم عيوني وقرضن ابتسامتي من طرفيها وعبثن بفتحتي أنفي دخولاً وخروجاً إلى النفس الأخير. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سمية العبيدي

كاتبة وشاعرة من العراق