رجلُ الواحدة صباحاً

غداً أرسمك على الطاولة، رجلاً شاهقاً، بظلّ طويل. 

  • رجلُ الواحدة صباحاً (René Magritte)
    رجلُ الواحدة صباحاً (René Magritte)

أنا أيضاً رحلت

حزمت أمتعتي من غرف المعيشة 

لوّنت آخر عصفور على النّافذة 

كي يموت بغير ظلّ 

فتحت باباً في جدار أمّي

كي أتلصص عليها من سماعة الهاتف 

لأني مثل كل الأطفال في سني 

ما زلت أحلم بإنقاذ العالم 

****

اقتلني الآن 

أنا الذي لم أحببك يوماً 

إلا لأنّك تشبه الرجال الذين أشتهيهم في السينما 

وأبصق عليهم خارج الشاشات 

أنا الذي يعجبك أن أرتدي ساعة جدتي فوق اليد 

وفولاراً لنزهة في الصيف  

وأقطع الشارعَ بغنج كأن العالم يقيم في التفاتة خصري 

وطرطقة الحذاء الذي أحبّ 

***

من أنا لتحبني 

رجل لم تمنحه الطبيعة أكثر من قدمين اثنتين 

ليجتاز البركة كل يوم

وسطح مكشوف على أبنية الجيران 

كي لا ينسى من يتأهل الشرفة 

المجاورة 

أن رجلًا لئيماً يقيم قرب البحر 

وينتظره كي يظهرَ نفسه  

***

من أنا لتحبني

لي أب بعيد أخشى عليه من الموت 

مع أني شيدت منازلي وحيداً على الرمل 

كي لا تتنزّه الشمس فوق شواطئي 

كي لا يزورني الأقارب في الآحاد 

****

أنا في بيتك 

أجلس على الكرسي الذي يتبدّى الأن أمامي 

وألبس ساعة يدك الحمراء 

كي أقبض على أوقات ليست لنا معاً 

أحمل دفتر مذكراتك في يدي 

أقرأ أوجاعك بصوت منخفض كي لا أجرحَ نومك 

أبكي على الفرشة التي تنصبها لي في وسط الغرفة بعيدًا من بابك 

كي لا أتلصص على جسدك المغامر في عزلته 

أعصر وردتك الذابلة في فمي 

كي تقطع الحدائق آخر أشواطها بيننا 

***
من أنا 

لتنتبه إليّ في زحمة الأشياء المنهمكة في أشكالها 

لا وجه لي ولا يدين 

لأعلقهما على جدار مرسمك 

ولا براويز تكفي هذا الطفل الغافي في مهده قرب أسرّة الغرباء 

***

المسني طويلاً 

مثلما تودع السمكة آخر حراشفها 

مثلما يقتل المرء آخر أصحابه

غداً تنتصب الشمس بيننا 

***
ويعود الرجال إلى أوطانهم 

وتحّني النساء أياديهن احتفالاً بالعيد  

غداً أرسمك على الطاولة

رجلاً شاهقاً 

بظلّ طويل 

وأترك جسدي الذي لما تلمسه بعد  

رماداً أسفل المنفضة

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
محمد رضا

شاعر ومترجم من لبنان