عودة الفراشة

بعد فترة زرت المقهى. لكنني لم أجده. كان قد رحل.. إلى حيث لا تموت الفراشات.

  • عودة الفراشة

أجلس على كرسي عتيق. أميل قليلاُ وأسند رأسي على الحائط، ثم من دون أن أدرك متى، أجد نفسي غارقة في لحن عالق في رأسي. متى بدأت أدندن هذا اللحن؟ متى غرقت؟ تلامس خدي الأيسر برودة الحائط. ثم تسري رعشة خفيفة في جسدي،كأن كل الأماكن الباردة فيّ قد استيقظت للتو. أرفع رأسي. ملمس الحائط لا يزال مطبوعاً على خدي، مثل قبلة، أو ربما صفعة. في جواري، ساعة قديمة معطلة. لا زالت الحياة فيها عالقة عند السادسة صباحاً أو مساء. 

كان المقهى،كعادته، كساعته، مقفراً إلا من شخصين. وكان صاحبه يجلس في زاويته الخاصة. يمكنني من مكاني،قرب الحائط الخشبي،أن أرى تقوس ظهره. يمكنني أن أتخيل تسريحة تليق بشعره الأبيض الذي ما زال كثيفاً رغم كبر سنه.

طالما أحببت الجلوس في هذا المقهى،لأنه مثلي،يكاد يكون غير مرئي. أرتاح في زواياه. لا يلحظ وجودي أحد. أتنفس بعمق. أتلفت. أدندن… ثم أقرر أن أتمشى في باحته الواسعة. أقوم عن الكرسي. أسرح. أدور. ألمس أطراف العرائش، وأراقب الضوء يهطل فوق الأوراق الخضراء. ثم أدرك أن الحياة تتغلغل في أدق التفاصيل. أتوقف قليلًا. يضيق صدري، وأتذكر: لقد نسي قلبي، مثل هذاالمقهى. أضطرب. ثم أهدأ. أسحب نفساً عميقاً وأقول: النسيان لا يطمس الأشياء،بل يطمس من نسيها.

تحط فراشة بيضاء على زهرة في العريشة. ثانية. ثانيتان. تطير. أبتسم. ويعود اللحن. ينساب. يسيل في حنجرتي. أدندن. أحدق في الزهرة التي حطت عليها الفراشة. أبحث بعيني - أو ربما بلقبي - عن شيء ما تغير فيها. لا أجد، لكني أشعر أنها في جوفها قد تغيرت. ربما، سمعت صوت جناح الفراشة فحفظته وراحت تدندن لحنه. أو ربما كانت متلهفة إلى رؤية الفراشة، وحين رأتها،تلهفت أكثر. لا شك أنها تأثرت. ثم أدرك في قرارة نفسي،أنني أيضاً،حين رأيت فراشة حطت على زهرة في الجوار، تأثرت. وربما، ولو بمقدار ضئيل،لم أعد مثلما كنت.

فجأة،وفيما أنا غارقة في خيالاتي،أشعر بنظرة ترتطم بظهري. ألتفت. أراه. ينظر باهتمام. عيناه باسمتان. يمسد شعره الأبيض بأصابعه النحيلة. حتى أن تسريحته تغيرت، وصارت تشبه تلك التي رسمتها له في مخيلتي. لماذا مازلت أدندن؟ لماذا تذكرت أول كلمتين من أغنية ذلك اللحن؟ لماذا عادت الفراشة في تلك اللحظة؟

اقتربت وسألته: "ياعم، لماذا تبتسم؟" حرك نظره بين العريشة وبيني. هز رأسه وقال لي: "كنت أراقبك.. إنت وعم تتمشي. رأيتك توقفت فجأة. ثم لمحت فراشةً تطير فوق رأسك. تطير وتختفي في مكان في الجوار. سمعتك أيضاً تقولين شيئاً. تدورين. تبحثين عن الفراشة. تبتسمين. "ما بعرف يا بنتي.." لكن منذ 5 دقائق فقط، كنت أشعر بملل يشق صدري. ربما ضيق. وكنت مقتنعاً ألا شيء بعد هذا العمر يستحق الالتفات. لكنني حين رأيتك تتوقفين لتنظري إلى الفراشة، تحشرين رأسك في العريشة لتتبعي أثرها، شعرت بوجود آلاف الفراشات في الدنيا. للحظة، رقصت في صدري الحياة. ثم قررت أنني غداً سأصلح ساعة الحائط لأحفظ متى تزورني الفراشات.. لئلا أنسى يوماً أنني كنت مثلك، جسداً نحيلاً تملؤه الدهشة".

بعد فترة زرت المقهى. لكنني لم أجده. كان قد رحل.. إلى حيث لا تموت الفراشات. هذه المرة كان المقهى يعج بالورد.. بالحياة. وقفت في الباحة،حيث صادفته آخر مرة. كان العطر يشق خد الهواء، والدمع يشق خدي. رحت أنظر،أتلفت،أبحث عن فراشة، كنت أبحث هذه المرة بعينيه لا بعيني. بقلبه وليس بقلبي. ألمحها. لم أدندن هذه المرة. لكن تلك الأغنية. أغنية ذلك اللحن كانت تصدح من قلب المقهى. كانت الفراشة تقترب، وفيروز تقول:"وحدن بيبقوا..".

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]