قراءات شافية

من المؤكد أن الكتب لن تمنحنا عظام موتاها لنتدفأ عليها، ولكنها على الأرجح ستعيرنا بعض الأجنحة لنصفق بها عالياً.

  • قراءات شافية
    قراءات شافية

"لست أدري بالضبط سبب إيماني بأن الكتب تجلب لنا السعادة، لكنني ممتن حقاً لتلك المعجزة المتواضعة"، بورخيس.

.. ولكن هل من قراءات قادرة على التخفيف من الضغوطات التي نعاني منها؟ ربما ليست كل خططنا على هذه الأرض عظيمة، ولكن حتماً سنجد في القراءة  ما يمكّننا من توجيه النظر إلى النور المنتشر هنا وهناك؛ حتى الأماكن غير المرئية بالنسبة لنا.

البعض يقرأ ليُطلقَ ذعره الحبيس، ويزن حقيقة وجوده على هذه الأرض بعد أن يخفّف من اضطراب جهات وعيه وقلقه. في القراءة تغدو كل الأشباح أليفة، وعلى حَلبةٍ لا حدود لها، نستدرج التاريخ لنقرأ في كفّه ما ينتظر البشرية.

المهتمّون بالصحة النفسية يسعون لاكتشاف المزيد من العلاجات النفسية والوجدانية عن طريق القراءات المتنوعة الكفيلة بمنحنا ذلك.

يؤكّد أساتذة علم الاتصال في جامعة "أوهايو" الأميركية أن أهمية القراءة تكمن في أنها تطور قدرات الدماغ الدفاعية ضد الأمراض وتمنع التدهور المعرفي وأمراض مثل الزهايمر، بالإضافة إلى ما تحقّقه من اندماج إلى حدّ التماهي والضياع في النص المقروء. 

إذ حينما تذوب في شخصيات مُتخيّلة، فأنت تتخلّى لا إراديّاً عن بعض أفكارك وعاداتك، ويراودك ذلك الإحساس اللذيذ بالتخلّص من أناك ومساوئك فتغدو أكثر خفّة ونقاء بشخصك الجديد وأنت تراوح ما بين الواقعي والخيالي.

لا شكّ أننا في غنى عن القراءات التي تتطلّب بذل المزيد من الجهد العقلي، وعن كل ما هو مُحبِط وسوداوي. هنا ربما تكون الروايات التاريخية هي الأقدر على تزويدنا بحالات الراحة المنشودة فيما نتنقّل بين جنباتها عبر أزمنة  نختبر فيها ما يكاد يشبه الولادات الجديدة في أراضٍ نجهلها وتجهلنا.

ولذلك قد تكون القصة القصيرة غير قادرة على منحنا الحالة المرجوّة من الاسترخاء بسبب أحداثها المُبتَسَرة وشخصياتها المحدودة. أيضاً، لابأس من قراءة المقالات المعرفية كوجبة فكرية أو ترفيهية تحترم عقولنا وتُغني إنسانيتنا المتعَبة.

كما أن حاجتنا لرؤى وخبرات جديدة تقلّص من حالات توترنا وتغدو كدليل نسترشد به لنتعرّف على ذواتنا المتشظية وبلسمتها لاحقاً لشحذ غرائزنا ومقدّراتنا، بعد اكتسابنا مهارة السير على الحبال الممتدة بين ما نحسبه قمماً مرئية أو حتى غير مرئية بالنسبة لنا.

يؤكّد أرسطو أن إنارة ما هو مظلم وسيء فينا كفيل بتنمية شخصيتنا المثالية، وتلك الإنارة غالباً ما تتحقّق لنا بالقراءة.
ولكن ماذا نقرأ؟

الوجوديون من أمثال جان بول سارتر والبير كامو وميلان كونديرا أكّدوا على تفاهة هذا الوجود وعبثية تبرير أهميته، وعدم جدوى منحه القيم الفضفاضة والمُربكة، ورغم ذلك تراهم في جلّ أعمالهم يثيرون القضايا التي تحمل في طيّاتها آراء متباينة في الترغيب بالاستمرار والسعي لإيجاد معانٍ أكثر جدّية تستحق المجازفة وتقبّل فكرة البقاء، ولو على مضض. قراءة أعمال هكذا كُتّاب تمنحنا مهارة فكّ الترميز، وسوق الحجج، وإثارة الأسئلة العصيّة على الإجابة. 

 ولكن من يصنفون بالأعراق الهجينة تشدّهم لا إراديّاً الكتب التي تمكّنهم من اكتشاف هوياتهم المفقودة، وإيجاد الأرضية الآمنة للوقوف بثبات فوقها والاحتماء بها خلال مسيرتهم المُضنية، وخرقهم للحجب والطبقات التي تعيقهم من أجل راحة ذواتهم القلقة، كما في قول توني موريسون: "أنت لست أنت تحديداً، بل أنت مزيج من هويات اختلطَت حتى صرت أنت".  

أمّا بالنسبة للقرّاء الذين يبحثون عن الكتب التي ستخلّصهم من مآسٍ ألمّت بهم  يوماً، وتركت خدوشاً لم تبرأ بعد.. يا ترى! ماذا لو اقترحنا عليهم كتب الخيال العلمي الكفيلة بمنحهم ذلك الإحساس بأنهم ليسوا ضحايا؟ وأن ثمة الكثير ينتظرهم في وجود موازٍ يمجّد الأقوياء ولا يعترف بالضعفاء، لذا ليس أمامهم سوى أن يكفّوا عن تقريع أنفسهم، وأن يحموا توقهم الأثير لتحقيق ما هو مثالي وخارق. 

وفي حال كان هدف القارئ تخفيض مستويات التوتر لديه، بما أن لكلّ منّا معاركه الصغيرة والكبيرة القاسية على الأغلب مهما بدت للآخرين عادية وغير مثيرة للقلق.

هنا قد يجد ضالّته في الأعمال التي تأخذه في نزهات تخيلية أو واقعية، على سبيل المثال أدب الرحلات والأسفار، حيث كل خطوة وكل فكرة تغدو اكتشافاً باهراً لحيوات يتوق لتخيّلها وإعادة اختبار كل ما هو متوقّع أو غير متوقّع فيها، وليس ثمة مبالغة في اعتبار أن هذا الأدب يضاهي الواقع بعبقرية لافتة. 

في المقابل يصحّ أن يكون أدب السيرة الذاتية بديلاً عن أدب الرحلات كونه يروي حياة أو تجارب أدباء ارتأوا أن يُطلعونا عليها.

أمّا القارئ الذي يعاني من الاكتئاب وفرط القلق، فقد تساعده الكتب الزاخرة بالحكمة، أو تلك التي تتناول الواقع من وجهة نظر فلسفية كأرسطو وشوبنهاور؛ التي تجعله أكثر قدرة على تقبّل آلامه وإخفاقاته، والتمسّك بكل ما هو إيجابي، وكيف أن الحياة جديرة بالاهتمام وتستحق أن تُعاش، حسب رأي شوبنهاور: "نحن لم نتلق الحياة من كائن عصيناه، بل حصلنا عليها من الجوهر الإيجابي لإرادة الحياة".

إلا أن الخيارات في حالات كهذه تكون شخصية للغاية، لأن ما يقاسيه هذا الشخص العالق في كآباته ونوبات هلعه الخاصة، التي هي بالضرورة مختلفة عمّا يكابده الآخرون. هنا تحديداً لا ضير من قراءة الكتب التي تخصّ الجماعات أو الأفراد المنصهرين في جماعات كونهم عاجزين لا محالة عن تمثّل فردانيتهم الأثيرة، غالباً بسبب وجود عدو مشترك كما في رواية "مزرعة الحيوانات" لجورج أورويل الذي كان اشتراكياً ديمُقراطياً ومتشككاً في السياسات الستالينية النابعة من موسكو.

 كثيرة هي الروايات التي قاربت مفهوم الوحدة وآلام النفوس المحاصرة بعزلات من صنع كوابيسهم أو كوابيس الآخرين معتمدين على مقولة العزلة قرينة الأدب، وهكذا فإن ما خطّه الكتّاب على شاكلة مارسيل بروست، لوتريامون مالدورور وفيرجينيا وولف يعادل ما قد يمرّ بنا من رغبات وآلام إبان سعينا المحموم عن أزمنتنا المفقودة، كونهم كانوا يملكون المقدرة على إقناعنا بأنهم خبراء عزلة وذلك لصلتهم الوثيقة مع كل ما قد يخامر النفس الإنسانية من تحولات مأساوية.

في المقابل نحن جميعاً في أمسّ الحاجة إلى الكتب التي تمنحنا ما يمكن تسميته بحب وتبجيل الذات، فقراءتنا لنماذج من شخصيات ناجحة وقوية من أمثال العلماء والقادة الأسطوريين سيخلق لدينا ما لا نتوقعه من قدرة على التحفيز واكتشاف ديناميات النجاح والتفرّد.

هنا نصل إلى أهمية وحساسية الكتب التي تتناول أزمات منتصف العمر الجسدية والنفسية. لا شكّ أنه لدى الكتّاب ممن تقدّموا في العمر الكثير من التجارب والخبرات ليسردوها لنا، بما يخصّ الإحساس بدنو الموت مثلاً، والخوف منه إلى حدّ الهلع، ناهيك عن خيبات الأمل المهنية والاجتماعية، حتى أن الكثيرين كانوا لا يجدون حرجاً في سرد آلامهم وإخفاقاتهم، وكيف أنهم قد ضيّعوا الطريق وليس ثمة فرصة للبدء من جديد، العجز هنا هو المسيطر وليس ثمة أمل في الخلاص.

من المؤكد أن الكتب لن تمنحنا عظام موتاها لنتدفأ عليها، ولكنها على الأرجح ستعيرنا بعض الأجنحة لنصفق بها عالياً. ولكن حبّذا لو تفعل الكتب بعقول من يقرأها، ما تستطيعه الريح بأعالي الشجر. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
لينا شدود

كاتبة ومترجمة من سوريا