قتلني فأرديته....تذكرة لنظيرٍ في الخلق

ثم هب، يا مَن عصمني الله من سوء سمتك، أنّي كنت على غير دينك، أولست بعد ذلك في الخلق نظيرك؟

  • قتلني فأرديته....تذكرة لنظيرٍ في الخلق ( Madan Lal)
    قتلني فأرديته....تذكرة لنظيرٍ في الخلق ( Madan Lal)

أفبزعمك أنّي أنا الضّالّ تقتلني؟ فهب، يا مَن هداني الله أو إيّاك، أنّي كنت في الضالّين، فما منعك من أن تكون لي من النّاصحين؟ أم أنّ ربّك عهد إليك أن "لا تكوننّ من المُصلحين"، فهداك بزعمك صِراطاً مُستقيماً ونهاك أن تبيّن لي ما كان من عقيدتي بظنّك سقيماً، فسارعت إلى عدّتك وشحذت على عَجَلٍ أسلحتك، تريد أن تُدَكْدك بي وبك باطن الأرض دكّاً، مُحدّثاً نفسك أنّ ذلك لها إلى الجنّة صكّاً، فكنت عندك من الخاسرين وكنت بإفكك في الأخسرين. فلقد ظننت أنّك ببسط يدك إليّ لتقتلني إنّما تُحسن صنعاً، وأنّك تكون بذلك نجيب القليل من الآخرين وبقية الثلّة من الأوّلين. 

ولو أنّك إذ ألفيتني على ما ظننته زيغـاً قلت لآتينّه فلأقولن له قولاً ليناً لعلّه يذكّر أو يزكى، لكان أقسط عند الله وخيراً لك إن أنا اهتديت، أو لم أهتد، إلى ما ظننته حقّاً. فإنّ لك إذّاك إحدى حسنيين، فإمّا أن تكون بأمر الله هادياً أو تكون للنّاس بحُسن نيّة ناصِحاً. أوليس إن أنت هديتني إليك فقد عصمت نفسك من نفس زعمت أنّك في النّار مُقحمها، وإن تك لم تهدني، أولست بزعمك لا محالة مُقتحمها؟ ففيما إستعجالك، يا شلّت بعد يمينك شمالك، في قضاء أمر نفس لعلّ الله بعد ذلك مُجتبيها، فتائب عليها وهاديها. أم أنّك تزعم أنّ ربّك عهد إليك أنّني لا أكون بعد ذلك مُهتدياً، وأنّني لا أكون عنده البتّة رضيّا؟ أفألقي إليك الوحي أم أنّك قرّبت نجيّاً؟ كلّا! ولكن الحقّ أقول لك: لقد يئست وما أشركت من ديني.

ثم هب، يا مَن عصمني الله من سوء سمتك، أنّي كنت على غير دينك، أولست بعد ذلك في الخلق نظيرك؟ ولو أنّك أنصفتني، وما أظنّك باستكبارك كنت فاعلاً، لأخبرتني: أفهل إطّلعت، قبل عزمك عليّ، إلى النّار فوجدت أمثالي فيها أم أنّك نظرت إلى الجنّة فما ألفيتنا من ساكنيها؟ أئنك لشريك الغيب أم أنّك فاطر الأنفس ومسوّيها، فمزيّل فاجرها من مهديها؟

 ثمّ اسمع، يا تبّت يداك، أوتزعم أنّ فيك قول الحقّ "فجعلناه سميعاً بصيراً"؟ أسميع وبصير بغير إحتجاج ولا حجّة، إذ لا رأيتك أمهلتني، ولا أمهلتك، أن نجتمع على المحجّة. فإن كان النّبيّ قد جادل ب: "إنا أو إيّاكم لعلى هُدى أو في ضلالٍ مُبين"، فلقد بدأتني بالقول "لقد جئتك بالذّبح ولأصلينّك النّار مع الصّالين". فلعلّ قرينك قد زيّن لك أنّك أهدى من النّبيئين؟ وأنّك أقرب منهم، تلك أمانيّك، إلى عين اليقين؟ 

بل هب، يا مَن ظننت أنّ الله لم يهدِ سواك، أنّي كنت من أناسيّ الشّياطين. أولست تزعم أنّك عبد من أنظر كبيرهم إلى حين؟ أولم يجادل قرينك ربّه عاصياً فكان ربّي به رحيماً؟ أم زعمت أنّك أعدل من ربّك، معاذ ربّي، وأقسط تحكيماً. بل لقد زيّن لك من إفكك أنّك كنت للجنّة والنّار قسيماً، فطفقت تولج مَن تشاء في رضاك ومَن لم تشأ توعّده عذاباً أليماً. أمّا وقد فكّرت وقدّرت، ثمّ أدبرت واستكبرت، فهل قتلت إلاّ كيف قدّرت! إذ أحللت نفسك دار الذين قالوا إنّه لن يدخل الجنّة إلّا مَن كان كذا وكذا. فاستفتحت علينا بغير يقين واستعليت في المُستكبرين وخاب تدبيرك بسوء تقديرك فسلكت في الأخسرين.

وأمّا إعراضي عن أذيّتك قبل أن تشحذ لي أسلحتك فليس لقلّة حيلة بي عن الوصول إليك. ولو شئت أن أطلبك لنلت منك، ولكنّه لما سبق إليّ من يقين بأنّك إن لم تك أخاً لي في الدّين فإنّك لا محالة نظير لي في الخلق. وإنّه ليس دين في السّابق ولا اللّاحق، من السّماء اقترح أم في الأرض إجترح إلاّ وظاهره الحفاظ على النّفس البشريّة المُحترمة ولو زعم أنّ باطنه على خلاف ذلك. إلّا ما تديّنت به من تخرّص فهمك السّقيم، فإنّ ظاهره "جئناكم بالذّبح" وإنّ باطنه لأشنع وأقبح. فأخبرنا، إن كنت مخبراً، مَن ربّك؟ وما دينك؟

وإن شئت، ولقد شئت، فلا تخبر إذ لم تكن من قبل تسمع، وهيهات إذ كنت مؤصد المسمع. ولكأنّي ناظر إليك تروم أن تستعتب ولات حين عتبى، فإنّ مثل قاتل النّفس بغير نفس أو فساد في الأرض لو أنّك بالحق تفقّهت، كمثل الذي لم يذر على الأرض من النّاس أحداً. وإنّي لأظنّك، وما أردت لك ذلك، مقتحم بما كسبت يداك ما توعّدتني من نار لظى. فيا مَن كنت في الأولى أصماً وأعشى، هل لك في آخرة هرولت إليها، قبل أن يقضى إليك علمها، إلّا ختم الأفواه وتمام العمى؟ ولسوف ترى ونرى. 

 أمّا وقد رفعت الأقلام، فإنّ الخصومة بعد ذلك عند ربّ الأنام. وأمّا هذه فإنّما هي تذكرة لمَن كان من خلفك لعلّه يذّكّر فتنفعه الذكرى، قبل أن يورد نفسه ما أحللت التي كانت بين جنبيك من الردى. فذق إنك أنت العزيز الذي إستعلى. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علي المحجوب

دكتور في الهندسة البيولوجية وحاصل على ماجستير في الحضارة العربية والإسلامية- تونس