دفاتر سرّية

لن تستطيع الهرب إلى أيّ مكان إذا كان الماضي يلاحقك، لأنه بداخلك.

  • دفاتر سرّية
    دفاتر سرّية

بالكاد أستطيع تذكّر أن هذا الاستوديو المُطلّ على بناء المحافظة، والذي يكاد يحجبه تمثال يوسف العظمة، هو نفسه المكان الذي لم أفارقه منذ 20 عاماً، أخرج منه يومياً في تمام الثانية عشر ظهراً ولا أعود إليه إلا بعد الثانية بعد مُنتصف الليل. لم يتغيَّر شيء، سوى أنني في هذه اللحظات لا أعرف هل هي الساعة الثانية ظهراً أمْ الثانية بعد منتصف الليل!

لم أشترِ مولّداً كهربائية ولا حتى بطارية.. لست بحاجةٍ إلى الإضاءة، ولا أشاهد التلفزيون، ولا أكوي ملابسي لأنني لا أغسلها إلا نادراً!                                                                                                                                             
لماذا تقصّ عليَّ يوميّاتك التي أعرفها وأحفظها عن ظهر قلب منذ أن ..

توقّف، وأنا أيضاً أعرف ماذا ستقول!!

إذن، تسأل عن الوقت، عن أيّ وقت؟ هل هو مُتعلّق بساعتك البيولوجية، أو بساعة الحائط، أو بالساعات التي عشتها سعيداً، أو الساعات التي ضاعت من عُمرك وأنت تغفو على كرسيّ حديقة أو مكتب أو كرسيّ الانتظار .

أسأل عن ساعة الحائط؟ هل جهازك الخليوي مُغْلَق؟ نعم ولماذا تسأل؟ هل تنتظر اتصالاً من أحد؟!
لا ولكنها المرة الأولى التي تسأل فيها عن ساعة الحائط منذ 20 عاماً.. 
أووووف 
افتح الستائر والشبابيك وستكتشف حلاً لمُعضلتك!
لا.. تعرف جيداً أنني أكره الشبابيك!

هذه الساعة لم تعمل يوماً منذ 20 عاماً، أي منذ أول يوم اشتريت فيه هذا البيت بما فيه، ولم يكن معك إلا حقيبة ثياب وصندوق الدفاتر !

لم تعمل يوماً!
لا ..
حمل الصندوق ووضعه تحت السرير، والتفّ ببطانية وحاول النوم، فقد فشل في معرفة الوقت بسبب انقطاع التيّار الكهربائي المُتكرِّر. 

تواجهني هذه الدفاتر بكل تفصيل عشته، تحاسبني على كل ابتسامة أو لحظة فرح، تحرمني من النوم العميق، توقظني ليلاً خائفاً، تراودني عن نفسي وتمنحني شعوراً لا نهائياً من الأسى، تخاطب عقلي الباطن وتقوِّض كل مسار جديد يخطر ببالي أو يُقترَح عليّ.. تميت الفرح بداخلي، وتمنعني من الركض، وتقابلني في المرآة فأرى نفسي بشعاً وقذراً.

ماذا حصل؟ لم تستطع النوم؟!

أريد الخروج، ولكنني خائف من ترك هذه الدفاتر  

اجلس ولو دقائق، أرجوك، لقد أصبتني بالدوار؟

أريد أن ألقي بها من النافذة، ولكني أخاف أن يأخذها أحد المارّة ويكتشف سرّي، أو يراني طفلٌ يطلّ برأسه من الشرفة، فيخبر أهله، فيُعيدونها لي مُعتقدين أنها وقعت بالخطأ؟
هل أحرقها؟! هنا في هذا الاستوديو؟ سيشمّ الجيران الرائحة ويتّصلون برجال الإطفاء؟ هل أرميها في حاويةٍ بعيدة؟

إسمك موجود بداخل كلّ دفتر؟! وسيعرف الجميع فحواها. سيعرفون أنها تخصّك.. أفكارك تنمّ عن غباءٍ لم أعهده منك؟!
سأعيدها إلى العلّية كما كانت داخل صناديق؟! ما رأيك؟ لماذا أنزلتها إذن؟

كنت دائماَ أفكّر بما في داخلها، إنها تُحاصرني يا رجل، تتعلّق بقدماي وتمنعني من السير. إنها مسدَّس مُصوَّب نحوي طوال الوقت. 

ماذا أفعل برأيك إذن أخبرني، أرجوك. أنا تعبت، حقاً تعبت. لا أدري، وأنا أيضاً أشعر بأن رأسي يكاد ينفجر من الصُداع! ولكن، هل استطاعت أن تحلّ هذه الدفاتر آلامك ومشاكلك ومطالبك؟ 
أنت تعرف الجواب، لماذا تسأل؟

ربما هو الغباء! علينا إيجاد حلّ نهائي لهذه الدفاتر سمعت هذا الكلام مئات المرات. هل أنت خائف؟
أريد أن أبكي من شدِّة الخوف؟! ولماذا لا تبكي؟ لأن الرجال لا يبكون! ومَن قال هذا الكلام ؟
لا أدري؟

إذن الرجال يرتكبون الحماقات ولكنهم لا يبكون والنساء يرتكبن الحماقات ويبكين!! لا فرق بين الرجال والنساء، نحن الرجال الذي صنعنا الفرق، حتى نسيطر عليهن! أريد أن أقترح حلاً! هل هو اقتراح أحمق آخر؟ لا هو الحلّ الوحيد، قدّم هذه الدفاتر لهم؟
قلت لك أنك أحمق..

دعك من السباب، سينكشف هذا الموضوع يوماً ما. هذه الدفاتر لعنة تُلاحِق يوميّاتك، لا تدعها تقتلك يوماً، أنت لا تتنفّس وسوف يأتي يوم وأجدك ميتاً فوقها!

أنت محقّ، إنها تقتلني ببطء.. تخنقني.. لقد سبَّبت لي القرحة المعدية والكولون والأَرَق؟

دعني أسألك سؤالاً واحداً؟

تفضّل!

هل خنت وطنك؟!

لا.. أنت حقاً مجنون، هل تهذي!

أفهم من كلامك أنك لم تخنه، إذن قدِّم هذه الدفاتر وتحمَّل النتيجة ولو لمرة واحدة، هذه الدفاتر هي حماقاتك السابقة، كن إنساناً ولو لمرةٍ واحدةٍ في حياتك وواجه ماضيك!

وهل يواجه الإنسان ماضيه!

الحيوانات تُراوِغ وتهرب، ولكن الإنسان عليه أن يواجه الخطر والخطأ. لن تستطيع الهرب إلى أيّ مكان إذا كان الماضي يلاحقك، لأنه بداخلك.. إنه يتنفّس معك، وسيؤدّي بك يوماً إلى التوقّف وسيواجهك، فواجه أنت أولاً.. اقضِ عليه بضربةٍ واحدة. ارمِ بهذه الدفاتر إلى الشارع، على وجوه وأفئدة الناس، دعهم يعرفون حقيقتك من دون خوف مُتبادَل، ومن دون علامات الاستفهام التي برأسهم عن.. هذه الدفاتر هي ندوب على وجهك.. تجرحك كلَّما قابلت امرأة أو جاراً أو حتى بائع الخضار، اقبل نفسك ودع الناس تقبلك كما أنت من دون كذب.

الباب يدقّ؟!

هل هم ؟!

لا أدري؟ 

هل أفتح الباب؟

نعم، لا، لا أدري!!

أنت وأنا والدفاتر والباب!

لا أسمع شيئاً، لقد اختفى الصوت!

إنه صوت الماضي الذي يُداهمك!

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية