زهرة قرنفل

هنا أخذت غادة أُمّها إلى حيث تنام الزهرة على غصنها بوداعةٍ لتُريها إيّاها وتشاركها سرّها الصغير.

  • زهرة قرنفل (Frans Hals)
    زهرة قرنفل (Frans Hals)

تُماثِل غادة إسمها فهي جميلة رقيقة غير أنها تعيش تعيسة في وسط أسرة مُضطربة لا يهتمّ بعضها ببعض، بل حتى لا يبتسم واحدها بوجه الآخر.

لذا يعلو وجه غادة الوجوم ويظهر على ملامحها البؤس ولا تستطيع أن تنتزع عنها سِمة التجهّم والتعاسة في البيت ولا خارجه. تراها وحيدة دائماً إلا من صديقها كتابها الذي لا يُفارِق كفّيها ولا يدري أحد هل فَهِمَت منه عِلماً أمْ حفظت منه أدباً. 

وفي أثناء ذهابها إلى المدرسة عثرت في طريقها ذات يوم على زهرةٍ جميلةٍ لم تكن تعرف إسمها ولا نوعها غير أن جمالها الطاغي استلفت نظرها بقوَّة، فانتزعها من لا مُبالاة مُزْمِنة، فاقتربت منها على غير عادتها ثم انحنت لتُقبّلها أو لتشمّها فجرى عطرها القوي إلى روحها حتى أحسَّت باسترخاءٍ وبإحساسٍ بالجمال وبالعذوبة يسري إلى جوفها.

رويداً رويداً وهي تمشي إلى مدرستها علا وجهها إحمرار وحماس ثم انفرجت ملامحها، بخاصة شفتيها، عن ابتسامةٍ ملائكية. 

دخلت المدرسة ولا تزال الابتسامة تنمو على شفتيها. عجبت الطالبات لرؤية هذه الابتسامة ومن ثم تعجَّبت المُدرِّسات من ارتفاع رأس غادة واستقامة ظهرها في جلستها ومن حضورها الفعلي في مختلف المواد ومن مُشاركتها المُجْدية في ما يجري في الصف. 

في الفُسحة تجمَّعت الطالبات والتففن حول غادة راغِبات في معرفة السبب في الاختلاف الجَذْري في كل ما تقول وما تفعل، وعن انفراجة وجهها غير أنها لم تعطهم السبب الحقيقي لِما صارت عليه. أعجبها كتمان الأمر حتى عن نفسها. 

لم تكن غبيَّة ولا كسولة إنما مُحْبَطة إلى حد كرهها كل شيء. أما الآن؟ حين عادت إلى الدار - وقد اقتربت من الزهرة مرة ثانية - أبدت شيئاً من الصَخَب لا العُنف وابتسمت في وجه أُمِّها المُتجِّهم ما جعلها ترفع حاجبيها عجباً، واحتارت الأُمّ ماذا تفعل. لذا مرّت بابنتها مرور الكِرام فما أبدت تعليقاً ولا اهتماماً.

أصبح مرورها بزهرة القرنفل واستعارة شيء من عطرها ضمن جدولها الصباحي اليومي. مارست الألعاب الرياضية فازدادت بهجة وقُرباً من زميلاتها. 

بعد بضعة أيام عادت واحدة منهن تفعل ما يفعلن وتتفوَّق في الدرس واللعب. وحين تعود إلى البيت تبتسم في وجه أمهّا مما أصاب الأُمُّ شيئاً فشيئاً بالعدوى فأخذت الأُمّ تبتسم في وجه غادة أولاً، ثم في وجه بسام إبنها الصغير، ثم في وجه الجميع.

وما هي إلا أيام حتى استعاد البيت وأهله العلاقات الأُسَرِية الطبيعية والتعاطُف المُتَبادَل.

هنا أخذت غادة أُمّها إلى حيث تنام الزهرة على غصنها بوداعةٍ لتُريها إيّاها وتشاركها سرّها الصغير ثم لتُخبرها أُمّها عن إسم الزهرة الذي حفظته إلى آخر عُمرها (زهرة القرنفل)، ثم طلبت غادة من أُمّها بلطفٍ كثيرٍ أن تملأ الحديقة والبيت بزهور القرنفل الفوَّاحة بعطر السعادة والفرح.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سمية العبيدي

كاتبة وشاعرة من العراق