عام في الإقامة الجبرية

ضاقت بنا الأحوال وزادها الدهر بلّة، إشتاقت للصدور ضمّة الأهل للأحفاد، وبقي مَن بقي وٱرتحل مَن آن له الأوان.

  • عام في الإقامة الجبرية (Gulsun Karamustafa)
    عام في الإقامة الجبرية (Gulsun Karamustafa)

عامٌ مضى في الإقامة الجبرية، أوراقٌ تناثرت كالورد الذابِل من باقة الرزنامة السنوية، سقطت وكأن لا فصول مضت ولا أيام ولَّت. ولَّى زمن السلام وتباعدت الأيدي المُصافِحة، بل صارت كلها "مُشالَحة". كلنا سواسية . بقي الإنتظار بلا كَلَل. 

أقعدتنا الكلمات المُترامية، جفَّ حبر الأقلام، ضجَّت البيوت بالصلوات، أرهقتنا شاشات التلفاز، تعبنا من التغريدات لاحَ بصيص الأمل في الأفق مع كثيرٍ من الشائعات وكمَن وقف عُمراً خَلْفَ القُضبان أحسَّ بالغُبن قُبيل لحظات من الإفراج.

أرهقت عقولنا واستنزفت قلوبنا، جعلتنا نختبئ كالجرذان نسرق اللحظات خِلسة في ضوء النهار، ما عدنا نعرف الأمان خارج الجُحْر وتشربَّت نفوسنا الخوف من هذا الوباء. نقرأ، نكتب، نأكل، نشكر، نحمد ونسأل متى الخلاص؟

ضاقت بنا الأحوال وزادها الدهر بلّة، إشتاقت للصدور ضمّة الأهل للأحفاد، وبقي مَن بقي وٱرتحل مَن آن له الأوان.

ما هذا؟ ميزان؟ زمن عدالة بغير عنوان؟ ريح صَرْصَر عاتية؟ وباء من فعل قوى الظلام؟ قَدَر مُقدَّر في كل الأزمان؟ عدل إلهيّ في الميزان؟

لو كنت أدري ما كان دقّ الوتر على باب الوجدان. هل نعود يوماً كما كنا؟ أيُعْقَل أن يبقى ما مضى، حاله محفورة في الوجدان؟ كل ما لديّ أسئلة غابت عنها الإجابات.

نسير في حقلٍ من الألغام، كلما وطأنا أرضاً خشينا على مَن معنا من هفوةٍ في سلامٍ أو كلامٍ. صار الفمّ مدفعاً ورذاذه شظاً قد يقتل إذا ما أصاب عيناً أو أذناً او ثغراً. 

أطفال تترعرع خلف وَمَضات الشاشات وشباب أنهكه التقوقُع وأتلف ما تبقَّى له من اجتماعيات أمْ الكهل الكاهِل في العُمر فقد سلبت منه آخر حبّات العنقود.

سنمضي لأيامٍ بلا وباء وستتغلَّب على كل شيء ميزة النسيان في الإنسان وستبقى في الذاكِرة حكايات عن هذه الأيام، لكن تبقى المرارة في البال إذا ما لا سمح الله فُقِدَ عزيزٌ بغير وداع.

يا حبَّذا لو تأتي على مسامعنا تلك اللحظات، التي فيها يعلن عن خلوّ البلاد من الوباء.

لا نعلم الغيب أبداً، إنما نسأل اللطف فيه، لطفاً يرعانا ويحفظ لنا من أهلنا وأحبائنا، رؤياهم ولقياهم ولا يفجع فينا قلباً.

أما رأيي الشخصي في هذا، فهو أن نسأل الله أن يمدَّنا بالصبر ويُعيننا على التحمّل وألا نجزع ولا نفزع ولا نهلع، حتى يأتي أمر الله، ويبقى الخِتام دائماً "أنّ كلّ مَن عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام". 

لكن لن يكون هناك مكان لليأس بيننا، سيبقى الأمل فسحة لنا كل ما ضاقت علينا سُبُل العَيْش. والحمد لله في كل آن.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"