يلَّا تنام، يلَّا تنام

الحبُّ طفلٌ مُدلَّل، طفلٌ عنيدٌ مُدلَّل، كدمعِ الأزهار.

  • يلَّا تنام، يلَّا تنام
    يلَّا تنام، يلَّا تنام

الحبُّ طفلٌ مُدلَّل، طفلٌ عنيدٌ مُدلَّل. كدمعِ الأزهار، أحملهُ دوماً في سلَّةِ قلبي. وكعصفورٍ جريحٍ يظلُّ يُرَفْرِفُ في صدري.

يكنسُ الوَسنَ عن أهدابي، فيطولُ بيَ السهر. تسيلُ دماؤهُ في أوردتي وتقطرُ من عينيَّ. يظلُّ يبكي، ودمعهُ يطرقُ فوق زجاجِ رأسي فيكسره. أراعيه، أناغيه، أهَدْهِدُ له مهدَهُ الحريريّ وأظلُّ أُدَنْدِنُ له تهويدة على سلالمَ موسيقيَّة: 

"يلّا تنام يلّا تنام،

وادبحلَك طير الحمام"

 لكنَّ طفلي لا ينام  وقبل أن أُكمل التَّرنيمة :"روح يا حمام لا تصدّق"، تنقر حمامةٌ بيضاء على شُبَّاكِ أحلامي، فيُناغي لها الطفل ويضحك، ولا ينام. وقلبي الذي ينبضُ تحت بيجامةٍ قطنيَّة، يُغنّي له! 

طفلي، لا أدري منذ متى جاء. لكنَّني تشبَّثتُ به، ووضعتهُ في سريري. في ليلةِ أشواقٍ شجّيَّة، كانت ولادتهُ كدفقِ ماء. وُلِدَ بأعجوبةٍ، وكمعجزةٍ وجدتُهُ بين يديَّ. حبلُهُ إلى اليوم موصولٌ بمشيمةِ قلبي. أحملهُ بين يديَّ، وكأنَّهُ أوَّلُ طفلٍ يولَدُ في هذا العالم.

أحملق في عينيهِ بدهشةٍ، وكأنَّهُ أجملُ طفلٍ نفخ فيه الله من روحِهِ. 

أنظرُ في عينيه، فأجدهُ يشتعلُ جمالاً كفانوسٍ، بعينين مجنونتين، بأنفٍ لا يشمُّ سوى الشوق، وشفتين خُلقتا للقُبَل. 

يبكي ويصرخُ ويُحرِّك جناحيهِ لحاجاته فقط، طفل غير مُبالٍ بفوضاهُ التي تُبعثرني كريحٍ.

يرضع دموعي الدافئة، يأكل بشراهةٍ، قُبلة أو قُبلتين. 

طفلٌ معقد، يلتهمُ كلَّ شيءٍ كنارٍ، ويفتح فمهُ رغبةً بالمزيد. لا أعلم متى ولِد، وكيف ولِد. 

أسأل نفسي طويلاً: أيولًدُ طفلٌ من رغبةٍ صامتة؟ ها أنا أُربّيه، كما يُربّي الناس الأمل. 

أنذرُ له أيامي ولياليّ، ليحرسَ وحدتي. طفلي الوحيد، ضوئي اليتيم كيراعة. بئرُ آلامي، مطرٌ فوقَ يباسِ جسدي. أبكي إذا ما بكى، وأضحكُ حين يضحك. 

أُمسكُ بيدِهِ الصغيرة، وأعودُ لأغنّي:

يلّا تنام يلّا تنام، ثُمَّ أفتحُ أهدابهُ بقوَّة. خوفاً من أن يُطبقها، جزعاً من أن ينام. إنَّهُ طفلي، أوَ تعلمون؟ أموتُ إذا صمت. وكأرملةٍ أستيقظُ وسط الليل لأتفقَّده. متى جاءَ الطفلُ، وكيف جاء؟ 

يكلّمني في المهدِ صبيّاً، ويلمسُ قلبي كرجاء. فأُوقِنُ أنَّهُ طفلٌ مُبارَك ...وبأنَّ الحُبَّ طفلٌ يكبُرُ ولا يشيخُ. طفلي الشَّقيّ، الأوَّلُ والأخيرُ. أكرهُك، لأنَّني لم أكُن من قبل بهذه الهشاشة، وأحبُّك، إذا ما وحَّدتني الهشاشة مع حبيبي.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
ساجدة طراف

كاتبة من لبنان