"أبو شابّو"

يسترسل أبي في إخبارنا عن شقاوتهم في الصِغَر مع القطار، وكيف كان "أبو شابّو" يرمي الأحجار في الوسط بين سكتيّ الحديد لمحاولة إيقافه التي لم تكلَّل بالنجاح أبداً. 

  • "أبو شابّو" (Edward Hopper)

كانت الفرحة تغمرنا كلّما انحنت السيارة يُمنة ويُسرة على طرقات الجبل، فيتلقّى أحدنا الآخر بصراخ وضحك في الآن معاً. أبي يلتف إلى الوراء تاركاً أنظاره عن المقود ليلزمنا الصمت والهدوء متوعّداً بالعودة، قبل أن تباغته صافرة إنذار من السيارة المقابلة لينعطف فجائيا ًباتجاه معاكس.

وبعد سلامة حركته وازدياد ضحكنا على مشهدية كانت ستودي بنا، يحسم أبي الأمر بنظرة، فننسحب حينها بصمتنا كل إلى مقعده مُتكتّفين مُنضبطين، كما لو كنا على متن طائرة تهمّ بالإقلاع.

تلك النظرة عادت بنا ذات مرّة أدراجنا إلى المنزل، هناك عند السواحل المشرقية للأبيض المتوسّط، على التلّ شامخ، قبالة السكة الحديدية المُعمّرة. حيث شاهدنا قطار الشحن يعبر في أوائل التسعينات، آخر رحلاته من شكا، شمال لبنان، إلى مرفأ العاصمة بيروت.

ويسترسل أبي في إخبارنا عن شقاوتهم في الصِغَر مع القطار، وكيف كان "أبو شابّو" يرمي الأحجار في الوسط بين سكتيّ الحديد لمحاولة إيقافه التي لم تكلَّل بالنجاح أبداً. 

"أبو شابّو" صديق الطفولة وزميل المقاعد الدراسية في مدرسة الضيعة القديمة، اعتاد على الظهور بالقبّعة الإنكليزية ومازال.

بين الشرفة الغربية والسكة الحديدية، تمتدّ بساتين الموز والحمضيات حتى تُلامِس البرزخ الفاصل بين النهر والبحر. المنظر جميل لا جديد فيه إلاّ تقلّبات المناخ بين الفصول. مُريح للنظر من خلف زجاج نافذة المطبخ في صحو الشتاء، لكنه مُخيف عند وميض البرق وصوت الرعد في تعكّره.

لم نكن لنصبر على النزهة البرّية في الجبل، بين السنديان والصنوبر وورق الغار وأشجار الصبّار، حيث تعزف الماعز بحوافرها على أوتار الصخر. دندنات أجراسها بنوتات حرّة، أوزانها مشرقية. 

وما بعد ذلك من يرقات الأشجار وأعشاب الصعتر البرية والأروع من ذلك، المذياع ذات السلك المنعقد في ذيل الدابة المنسيّة، كلما مشت، تناقلت الإذاعات بين تشوّش وأخبار متقطّعة. عجيب كيف يستمع لها.

"أبوشابّو" متحدّث لبق وخبير في عِلم اللاسلكي. انتفت الحاجة إلى عمله اليوم، فتقاعد واتّخذ من الضيعة محراباً له. يبحر تحت قبّعته بين الساحة وبيت المختار، فهما أصدقاء منذ الطفولة، يتسامران في ليالي الشتاء قرب المدفئة، وإن حضرنا لهما مجلساً، كانت له حكايات طويلة مع الزمن والقرية وتلك الأيام الجميلة، أيام الحصاد.

كان لا بدّ من استراحة قصيرة ريثما تنتهي النزهة فتوقّفنا بعد المنحدر، في درب ذات الشوكة، عند العلامة الفارقة قرب صخرة شاهقة يخترقها ممرّ ضيّق يُسمّى "دعسة البغل". إسم مضحك وغريب لا بدّ وأن يحفر بالذاكرة، ربما لذلك السبب سُمّي كذلك.

عند الدعسة، توقّف الزمن للحظات بدت طويلة. هبّت نسمة وقذفت بــ "الشابّو" بعيداً. خيّل إلينا للحظات أن "أبو شابّو" أسطورة كما في تلك الحكايات عن كلارك وسوبر مان أو غيرهما من الأبطال الذين إذا ما تغيّر لباسهم أخفى حقيقة وجودهم. بادرت لأنبّهه عن الشابّو لكن عقدة في لساني قد ربطت ودار بينه وبين عقلي جدل عن "أبو شابّو" بلا شابّو، فمَن هو الآن إذا فقد الشابّو؟ ما إسمه؟ أخاطبه ب “عمّو” أو ماذا؟ ارتبكت وسُرعان ما تنفّست الصعداء إذ التقط "أبو شابّو" قبعته وأعاده إلى مكانه فوق رأسه، مُنهياً بذلك متاهة جدلية ما كنت لأعود منها إلا مشوّشاً.

بعدها أكملنا المسير صعوداً إلى البئر الخاوية عند سهل التفاح المترامي وراء الجبل. هناك أشعلنا النار بعيدان جمعناها من أغصان السنديان اليابس، وجلسنا نلتفّ حول النار، على السطح الترابي، للبيت العتيق.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"