مظهر

لم يعرف "مظهر" أن الطعام يُرمى في المُهملات على موائد العائلات، ولا يدري أن في بلاده كلاباً تأكل في القصور وهو شارد يجوع بلا مأوى. 

  • مظهر (Bartolomé Esteban Murillo)
    مظهر (Bartolomé Esteban Murillo)

عند الباب يستوقفك طفل، بريق عينيه يلمع عند المغيب. يسألك ويتحايل عليك ليلفت نظرك إليه. وجهه شاحِب، جسمه نحيل، بنطاله مُمزَّق، وقميصه رقيق. لا يضع قناعاً على وجهه، جلّ ما يحتاجه، شربة ماء ولفافة خبز تسندانه لصباح جديد من البحث اللا مُتناهي.

الغلاء فاحش، لم تعد تلك النقود المعدنية تكفي لشربة ماء، صار العمل شاقاً عليه، والناس على حالها، تقنّعت من الوباء فأسدلت حجاباً على الإنسانية. رغم الجوع، تراه مُحدّثا لبقاً، يحاول بنفس عزيزة غير ذليلة، مراراً وتكراراً. يجول بين أصحاب البطون الشَرِهة، يسرح نظره في وجوههم الجشِعَة ويسيل لعابه في ما هم يأكلون وينهرون. عيناه تكاد تبكيان جوعاً وعطشاً، تحسبه قطّة شارِدة تموء. حبّذا يا "مظهر" لو يأتي يوم تلين فيه القلوب.

حبّذا لو يأتي يوم على فرعون ويأمر بالمعروف، لو يأتي يوم يعي فيه الإنسان أن الدهر يومان وأن القناعة كنز وأن الزُهد غنى والعطاء خير. 

ظفر مظهر بلفافتيّ خبز وشربة ماء، فجلس كالعزيز، فرح بطعامه وشرابه، وأخذ يأكل بسعادة ومضى بعدها شاكراً حامداً. لم يعرف "مظهر" أن الطعام يُرمى في المُهملات على موائد العائلات، ولا يدري أن في بلاده كلاباً تأكل في القصور وهو شارد يجوع بلا مأوى. 

يا مّن تدَّعي البرّ والإحسان والفضل والإنعام، تكرَّم وانعم على كل مظهرٍ من مظاهر "مظهر"، لكنها أعمال تظهر في الشاشات وتخفي وراءها شتّى أنواع الفساد. يبقى لمظهر أمل في أن يقضي على ما تبقَّى منكم، يا أعداء الإنسانية، هذا الوباء.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"