أمّ صخر *

أنت هنا، طير الرياح يحوم، يا ألمي، جرحي ملكي.

  • أمّ صخر *
    أمّ صخر *

ما الليل إلا مدينة كبيرة

فيها رياح تهبّ.. لقد جاء من بعيد

حتى ملجأ هذا المَضْجع. إنه مُنتصف ليل يونيو.

كنت تنامين، ولقد أخذوني نحو تلك الحواشي البعيدة

حيث تهزّ الرياح شجر البندق. وجاء ذاك النداء

المقترب المنسحب، يبدو

وكأنه وَمَضات تعبر الغابة، أو

تحويم ظلال العالم السفلي، كما قيل.

(ذلك النداء في ليلة صيف، وما أستطيع ذِكره،

وتلك النظرة بعينيك...) وما هو إلا

الطير المُسمَّى "أمّ صخر" تنادينا من عُمق

غابة الضواحي. الآن ورائحتنا

من تعفّن الصباح الباكر،

الآن ومن تحت جلدنا الدفيء يخترق العظم

بينما تغرق النجوم في زوايا الأزقّة

***

أنت هنا

طير الرياح يحوم

يا ألمي، جرحي ملكي

تغرق أبراج عتيقة في الضياء

وهذا الحنان المنشرح دروبه

اليوم الأرض وطننا

نتقدّم بين أعشاب ومياه هذا الغسيل

فيه تتلألأ قبلاتنا لهذا الفضاء

حيث المنجل الصاعق

أين منا؟ هالكون في صميم الهدوء

هنا لا يتكلّم شيء من تحت جلدنا

تحت القشر والوحل

إلا دم بقوّة لثور يشبكنا

ويرجنا كما أجراس ناضجة في الحقول

***

أعلم الآن أنني لا أملك شيئاً

لا الذهب السر الناظرين إذ هو إلا ورقاً متعفّناً

ولا حتى تلك الأيام الطائرة بين الأمس والغد

بضربات أجنحة كبيرة نحو وطن سعيد

تبتعد معهم المهاجرة البالية

الحسن السقيم بأسرارها الخادعة

مكسوّة ضباباً ربما جرّوها إلى موضع آخر

عبر غيب ماطرة، مثل أمس

أجد نفسي على أبواب شتاء وَهمي

حيث يغني الدغناش العنيد النداء الوحيد

غير المنقطع مثل اللبلاب، لكن مَن يستطيع

تفسير معناه، أحسّ بضعف بين قواي

بمثيل ذاك اللهيب المختصر قبالة ضباب

تؤجّجه ريح مثلّجة تمحيه – الوقت متأخّر

***

كن على يقين سوف يأتي، انك مقترب مشتعل

وتكون الكلمة الخاتمة القصيدة

أكثر من الأولى، أقرب

من الموت المستمر في رحلته

لا تظن أنه يستسلم للنوم تحت الشجر

أو يسترجع أنفاسه بينما أنت تكتب

ولو حتى كنت تشرب من الثغر الذي يروى

أكبر عطش، الثغر الجميل بنبرته

الحلوة ولو حتى كنت تضمّ جزم رباط

أذرعكما الأربعة لتكونا ثابتين

في ظلام شعركم المحترق

يأتيكما، يعلم الله من أيّ درب يأتي

من بعيد ومن قريب، لكنه، كن على يقين

سوف يأتي من كلمة لآخري، صرت شيخاً؟

* القصيدة التي نقلها إلى العربية الكاتب والمترجم الجزائري أحمد بن قريش، هي للشاعر السويسري فيليب جاكوتيه (1925- 2021)، وهو كاتب وشاعر وناقد أدبي ومُتَرْجِم لأعمال توماس مان وميوزيل وفريدرش هولدرلين. حائز جوائز عدّة منها جائزة غونكور عام 2003.  

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]