في ذكرى سعدي الشيرازي

رأى الشيرازي ما رآه من أمراض عصره، ولكنه لم يقف أمامها موقف الخاضع العاجز، بل نظر إليها نظرة طبيب قادر على أن يشخّص الأسباب ويقدّم العلاج.

  • في ذكرى سعدي الشيرازي
    في ذكرى سعدي الشيرازي

بنی آدم اعضای یکدیگرند              

که در آفرینش ز یک گوهرند

چو عضوی به درد آورد روزگار    

دگر عضوها را نماند قرار

***

الناس كالأعضاء في التسانُد      

لخلقهم كنه من طين واحد

إذا اشتكى عضو تداعى للسهر  

بقيّة الأعضاء حتى يستقرّ

لقد استحقّ سعدي بهذه الأبيات أن ينال لقب الشيخ الأجّل العارِف والواعِظ، حيث قدَّمَ قيمةً إنسانيةً سامية على شكلِ بيتٍ شعري، وهي التكاتُف والتعاطُف بين الناس، وما أحوجنا اليوم إلى مصداق هذا البيت في حياتنا السياسية، الاجتماعية وحتى حياتنا الأُسَرِية الخاصة. 

مزجَ سعدي الشيرازي في أعماله بين الفائدة والمتعة، وبين البلاغة والبساطة، وأضحى بذلك مدرسةً أدبيةً قائمةً بذاتها، إذ اعتبر أب النثر الفارسي، استطاع كذلك أن يمزج بين تجاربه، بعد ثلاثة عقود تنقَّل فيها بين الكثير من البلدان والثقافات والصحاري والقِفار، وأصبح رمزاً للمحبّة والإنسانية.

لقد رأى الشيرازي ما رآه من أمراض عصره، ولكنه لم يقف أمامها موقف الخاضِع العاجِز، بل نظر إليها نظرة طبيبٍ قادرٍ على أن يُشخِّص الأسباب ويُقدِّم العلاج. ولطالما كان خطابه ينطلق من روح الفتوّة التي كان ينتمي إليها والتي تتميَّز بالتواضُع والزُهد والقُرب إلى الله من خلال العبادات والعمل على الارتقاء بالحضارة الإسلامية. 

وكانت اللغة العربية دائماً حاضرةً في آثار سعدي ومؤلَّفاته، لا سيما زمن سقوط بغداد التي أحبَّّها وأحبَّ شعبها، بيد هولاكو المغولي، حيث فاضت مدامعه ورثاها قائلاً: 

حبست بجفني المدامِع لا تجري          

فلما طغى الماء استطال على السكر

نسيم صبا بغداد بعد خرابها              

تمنّيت لو كانت تمرّ على قبري

لأن هلاك النفس عند أولى النهى        

أحبّ له من عيش مُنْقَبض الصدر

زجرت طبيباً جسّ نبضي مداوياٌ          

إليك، فما شكواي من مرض يبري

لزمت اصطباراً حيث كنت مُفارقاً        

وهذا فراقٌ لا يعالجُ بالصبرِ

هذه بعضُ الزَفَرات العربية لسعدي الفارسي، موعِظةً ورثاءً وغزل، نستطيع أن نسمّيها عربية القلب والوجدان، وهذا هو سعدي في جلبابه العربي، يؤكِّد انسجام الشعوب الإسلامية في إحدى مراحلها التاريخية، على أمل أن يبقى الانسجامُ ويتعزَّز بين بلادنا ومنطقتنا. فما أحوجَ بلادنا اليوم إلى سعدي وأمثاله، للوقوف في وجه الطُغيان بكافة أشكاله.

لقد خطونا، نحن أبناء سعدي الذين كبرنا على أبياته، خطونا نحو النهضة منذ أربعة عقودٍ يداً بيد مع قائدنا نحو مرحلةٍ تحكمها القِيَم الإنسانية وتنتشلها من مُستنقع العبودية، فهل من نصيرٍ ومعينٍ ورفيق؟ 

أشيرُ في الختام، إلى أننا استغلّينا هذه المناسبة- يوم سعدي الشيرازي- للإعلان عن إطلاق العدد الأول من مجلة "الدراسات الأدبية" التي كانت ذائِعة الصيت منذ أكثر من نصف قرن، وشهدت انقطاعاتٍ مُتكرِّرة بسبب الأزمات والحروب حيث كان المرحوم الدكتور فيكتور الكيك الجندي المُثابر لإعادة إحيائها بعد طول توقّف وقد أفلح في الأمر.

اليوم تصدر بحلّتها الجديدة وهيئتها العلمية والاستشارية الجديدة برئاسة الدكتورة دلال عباس العزيزة وبالتعاون مع الجامعة اللبنانية. وهنا أعرب عن إعجابي وامتناني لكل الذين سعوا سعياً دؤوباً لبقائها وتألّقها- سواءً بالأمس أو اليوم- حرصاً منهم على استمرار التبادُل الثقافي والأدبي بين إيران ولبنان. 

في ذِكرى سعدي الشيرازي، نُجدِّد مجلة الدراسات، ونُجدِّد العهد على المُضيّ في طريق التبادُل الثقافي والتلاقُح الفكري مع العالم العربي عموماً ولبنان خصوصاً، لأنّ إيمانَنا كبيرٌ بأنّ الثقافةَ تُحتِّم علينا تخطِّي حاجز اللغة لإرساء قواعد الانفتاح الفكري والمعرفي.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عباس خامه يار

المستشار الثقافي الإيراني في لبنان