المدينة العجيبة

عرف العالِم بأن العالَم من حوله يحمل أطواراً غريبة وتنوعاً كبيراً في أنواع الحياة وربما حياتنا هي واحدة من أنواع عديدة من الحياة لا نعرف إلا القليل منها، وإن خلق الله عديد الوجوه ومُتنوّع بعض الأحيان يصل إلى حد الغرابة. 

  • المدينة العجيبة (JOANNA SIERKO-FILIPOWSKA)
    المدينة العجيبة (JOANNA SIERKO-FILIPOWSKA)

في زمنٍ ما، في إقليمٍ ما، كانت هناك مدينة عجيبة تقع بين الأرض والسماء فوق سلسلةٍ من جبالٍ قممها مُسطّحة على غير العادة في جبال العالَم الأخرى، ولو نظر إليها أحد بمبعدة عنها لتعجَّب من منظرها العام. فلكأنها راحات مفتوحة بدُعاء سرّي  نحو سماء الله الزرقاء. كان منظرها يسرّ الناظِر خاصة أنها كانت تتّشح بالغيوم البيض التي تلفّها من كل جهة كأوشحةٍ فضيةٍ مما يبعث على البهجة.

كانت القمم منفصلة تماماً إلا من جسر ضبابي يفصل قمَّة عن اُخرى فصلاً تاماً لأن كثافة الضباب والرؤية المعدومة تماماً طوال العام تجعل أيّ شجاع يتنازل عن لقبه وعن بطولته، فلا يُغامِر أحد بمحاولة اجتياز الضباب ليعرف ما وراء الجسر وما خلفه.

لذا عاشت كل قمَّة مُنْعَزِلة تماماً عن جاراتها ولم تكن تعرف نوع حياة بقيّة القمم بل لم تكن تعلم بوجودها أبداً. في القمَّة الأولى التي اكتشفها عالِم اخترع جهازاً مُكبّراً من نوعٍ جديدٍ يرى ويسمع. دهش العالِم حين رأى ساحة كبيرة تتّشح بالجليد الذي تعلوه غيوم بيض صغيرة. كانت الساحة تأخذ حيِّزاً كبيراً مليئاً بالألعاب والدمى من مختلف الأحجام والألوان، وكان الصغار واليافعون من مختلف الأعمار يلعبون فيها  وهم يغنّون ويرقصون طوال الوقت. وانتبه العالِم إلى موائد عديدة حافلة بأنواع الطعام والشراب والحلوى. كانت الموائد مبسوطة طوال ساعات النهار. وفي الليل يذهب الأطفال للنوم في غُرَفٍ مُعدَّة ومُجهَّزة لهم هادئة وثيرة السرر عليها من المُطرّزات البديعة ما يأخذ الأبصار ويُسرّ القلوب.

لم يرَ رجلاً ولا امرأة في الساحة. لكنه ضغط على مفتاحٍ في جهازه - فانكشفت تلك الغُرَف الداكِنة المُتباعِدة في أطراف القمّة تحت ظلّ الأشجار الضخمة التي تحفّ القمّة، كما لو كانت حواجب خضراً تحمي عيناً من سحرٍ وموسيقى تلقي بعض ظلالها على بساط أخضر بديع التلألؤ،  هو مزارع القمّة التي تجود عليها بأنواع الخُضَر والفاكهة - تلك الغُرَف الداكِنة تكشّفت عن مصانع وآلات كبيرة يعمل عليها عمال ذكور فقط  يحضّرون الأطعمة المختلفة والفرش والسرر. وهناك في غرفة جانبية عدّة نساء حوامِل تختلف مدّة حملهن كما يبدو من تكوّر البطون وكبرها كان طعامهن وشرابهن يؤتى به إليهن وهنّ يتجوّلن في أنحاء الغرفة صامتات تماماً كأن لا صوت لهن.

كان منظر الساحة والأطفال هو ما شدّ انتباه العالِم وقد بلغت دهشته غايتها إذ انتبه إلى أن كل الأطفال ذكور ما بين عُمر السنة الثالثة والخامسة عشر. أخذ يزورهم كل يوم بعينيه وآلته.  بعد أن تمتّع بما يكفي لعدّة أيام انداحت عيناه وآلته إلى مكانٍ ليس ببعيدٍ ولاحظ الجسر المُغلَّف بالضباب إلى مدى بسيط بعده يظهر الجسر بديعَ الصنع موشَّحاً بالورود والرياحين، مثل أطراف الساحة البيضاء وفيه مصاطب واستراحات على أبعاد مُنتظمة. بعدها ضباب كثيف ينفرج عن قمَّة أخرى تطابق القمّة الأولى بجمالها وورودها وموائد طعامها وغُرَفِها النائية. غيرأن القمّة هذه تختلف في شيء واحد بالغ الأهمية، وهو أن كل الأطفال إناث وفي أعمار مختلفة كلهن أعمارهم من ثلاث سنين وحتى الخامسة عشر. 

ثم عرف أن مَن كان عُمرهم فوق ذلك يوضعون في غُرَفٍ خاصة لتدريبهم على كل الأعمال التي تمارس في غُرَف العمل المختلفة. بعد أيام انتبه إلى شيء يخرج من غُرَف النساء الحوامل، فإذا هو ولدان يخرجان إلى الساحة البيضاء وتغلق الأبواب بعدهما غلقاً مُحْكَماً. وبعد بضعة أيام في القمّة الثانية خرجت ثلاث بنات صغيرات إلى الساحة لتغلق الأبواب بعد خروجهن بإحكام.

عرف العالِم بأن العالَم من حوله يحمل أطواراً غريبة وتنوعاً كبيراً في أنواع الحياة وربما حياتنا هي واحدة من أنواع عديدة من الحياة لا نعرف إلا القليل منها، وإن خلق الله عديد الوجوه ومُتنوّع بعض الأحيان يصل إلى حد الغرابة. 

تمنّى العالِم آنذاك لو اطّلع على عوالِم أُخرى وأُخرى اتّجه العالِم إلى مكتبه ليُسطِّر ما رأى في دفاتره كي لا ينسى ما رآه، ونوى أن يفتّش عن أكوانٍ أُخرى ليُسجّلها كي تطّلع عليها الأجيال. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سمية العبيدي

كاتبة وشاعرة من العراق