علِّمني الطيران

أريد أن أهرب معك من هذا المكان. أريد أن أفرّ معك من هذا العالم بجناحين.

  • علِّمني الطيران
    علِّمني الطيران

أيها الطير البري، خذني معك! 

سأحزم أغراضي وجناحين أطير بهما نحو لياليك، بل نحو صباحاتك، لا تهاجِر الطيور عبثاً، تهاجِر نحو النور، نحو الحرية.

أريد أن أهرب معك من هذا المكان. أريد أن أفرّ معك من هذا العالم بجناحين مقصوصين ألصقتهما بغراءٍ لا زلت أحتفظ به في حقيبة المدرسة. أتأخذني معك يا موج الحرية؟

لا تخفْ. لا أمتلك قسوة البشر ولا حتى أفكارهم. أنا أيضاً قد نفدت من مصيدة البشر، ونجوت بسنَّين لا زلت أحتفظ بهما من أجل ابتسامة جميلة. سنَّان فقط: سنّ الأمل حاد، أحدو له كل يوم كي لا يسقط، وسنّ المحبَّة ثابِت مع كل محاولات العالم لاقتلاعه!

مشكلة واحدة تُعيقني عن الطيران: أنا مُثْقَلة بالدمع ولديّ رغبة عميقة بالبُكاء، ولكن لا بأس: يكون الأمر جيّداً إذا ما أمطرت فوق زهرة.

أتراها قصة بكاء الغيمة كذبة يا عصفور؟ أتراها مسرحية؟ وفوق كل غيمة تبكي روح مُثْقَلة مثلي. ينهمر الحزن من عيونهم فيوقِظ الأزهار؟ 

حسناً، دعنا من ذلك. حلمي أن أطير، بل تلك وسيلتي حتى أصل إلى الضفّة الأخرى، إلى شاطىء الأمان. هناك حيث تسكن الأرواح التي تُشبهني في ملاذها.  حيث تبدو الأرواح مألوفةً لي! آه يا عصفور، آلاف الأرواح مضت وأنا أبحث عن الألفة. آلاف الأرواح مضت من عُمري. ومئات المدن زرت وأنا أبحث عن ملجأ ولا من ملجأ.

خذني معك. علِّمني الطيران من دون أن تطلب مني أن أرخي جسدي، فهذا صعب! 

لكنه يظلّ أسهل من كل هذا الاصطناع. الحياة المُصْطَنعة. الكلام الذي لا أجيده حين أبتذله. التقاليد المُنَمَّقة. العادات الظالِمة والقوانين الباهِتة التي تُحْفَظ ولا تُفْهَم.

أسهل من اعتياد القتل والحروب. أسهل من الحياة. من مصانع الحروب.

كي أطير، عليَّ أن أتخفَّف من أدران هذا العالم، لكن لأحيا هنا عليَّ أن أحمل ثقل آلاف الأدران. كتفاي زجاجيان وعظامي ورقيّة وعُمري قنبلة موقوتة! والطيران لأيامٍ طوالٍ أفضل من أن أحسب أعوامي هنا. خذني معك إلى حيث لا تتراكم الأيام.

لكم حلمت بعالم يفقه المعاني وهذا العالم مليء بالفراغ ومحشوّ بالتفاهة. قُمْ لنهرب. أريد أن أتنفَّس حريةً وهذا العالم لا ينفث سوى هواء ملوَّث بالحقد والمظالم والعبودية.

يا فارسي الصغير، لم يحمك صدرك الصغير زخّ الرصاص، ولم يخبّئك من خشونة الحياة ريشك الناعِم.

البشر مصنوعون من حجرٍ هنا، فلا تظنّ بأن أحداً سيفزع لرؤية جثّتك. كل يوم يرون آلاف الجثث. المشهد اعتيادي يا جناح الألم. وما أبشع الاعتياد وما أوحشه. الفارِق كل يوم هو العدد فقط.

قُمْ لنذهب. أَسرِع إلى عالمٍ نصطاد فيه أحلامنا وأمانينا ولا يصطادنا فيه أحد!

شهدت السماء على الفتاة وهي تقول: هذي الأرض منفى، هذي الأرض منفى.

والمشهد الكامل: جثّتان على جانب مُظلم من المدينة، قرب الحائط الإسمنتي: فتاة ترقد بوجهها الفضيّ مُضْرَّجَة بالدماء، وإلى جانبها كتلة ريش حمراء، ما هي إلا عصفور ميت!

وشاهد وحيد يقول: أقسم أنني رأيتهما بأمِّ عيني يطيران معاً إلى ما وراء الأفق، إلى ما وراء الزمن، بعد مطر غزير ودافىء. 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
ساجدة طراف

كاتبة من لبنان