ليرة

بدأت تُساورني الشكوك يوماً بعد يوم وبدأت أهتمّ لأمر وجوده وتصرّفاته المُتكرِّرة كل ليلة أكثر فأكثر.

  • ليرة
    سوزي ناصيف)

ضغطَ على لوحة المفاتيح وأقفل جهاز الكمبيوتر المحمول "لابتوب"، وأخذ من جيب شنطته على المقعد الفارِغ على يمينه جريدة اليوم. فهو دأب منذ انعدام وجود قرّاء الصحف الورقيّة على شراء الجريدة يومياً، ربما على قاعدة "خالِف تُعْرَف"، لست أدري، انما وجدته اليوم، على غير عادته، يتفحّص الجريدة مقطعاً مقطعاً وصفحة صفحة. 

اقتربت منه وسألته عما إذا أراد شرابه المُعتاد الآن أو بعد، وأشرت إلى “الجريدة” فاستمهلني برفع الخمسة، فعدت إلى منضدتي في آخر الحانة بانتظارإشارة ثانية منه.

هذا الرجل، لا بدّ وأنه من كبار الأدباء الذين ينكَّبون على القراءة والكتابة إلى أواخر الليل، فهو يأتي في كل يوم في هذا الوقت المُتأخّر من الليل ليجلس على ذاك الكرسيّ الفارِغ كما نسمّيه نحن في الحانة، لأن الضوء مُسلّط عليه بقوّةٍ فلا يرغب أحد بالجلوس هناك إلا هو. يجلس وينشغل بجهازه ثم يخرج الجريدة ليقرأها تحت الضوء مباشرة قبل أن يأخذ شرابه ويمضي.

بدأت تُساورني الشكوك يوماً بعد يوم وبدأت أهتمّ لأمر وجوده وتصرّفاته المُتكرِّرة كل ليلة أكثر فأكثر. اليوم زاد اهتمامي به وانشغلت عن باقي الروّاد لأعرف السرّ وراء هذا الأنيق المُثقّف، كما يوحي إليّ بتصرّفاته المُتكرِّرة. سأذهب لسؤاله عن ماهيّة عمله، بكل فضول ووقاحة وعن سابق إصرار وتصوّر وسأقف أمامه مباشرة وأقول له: "مَن أنت"، حتى لو كان من البوليس السرّي!

هنا، عند هذه الكلمة، توقّفت هُنيهة لأدرس تداعيات فعلتي وردود الفعل منه أو منهم، فلربما كان فرداً كشّافاً من أفراد عصابة تحضِّر لعملٍ ما. كلا، لا يُعقل، استبعدت هذا الاحتمال لأنه يجلس في النقطة الأكثر إضاءة في المكان، فلو كان يريد الاستكشاف لكان اختار النقطة الأشدّ ظُلمة. اقتنعت بهذه النظرية وكذلك صرفت النظر عن كونه "جايمس بوند" في عمل مُستحيل للسبب عينه.

كائن مَن كان عليه، سأعرف عنه المزيد، فمهنتي تحتّم عليّ أن أكون قريباً من الروّاد على الصعيد الشخصي أيضاً، ردّدتها في سرّي لأقنع نفسي، علَّني أتجاوز بذلك عقبات اللباقة التي تمنعني من إشباع فضولي.

أومأ إليّ بسبابته لأحضر له شرابه، فَهَمَمْتُ بإحضاره وتوجّهت نحوه، أعدّ خطواتي الثقيلة ريثما أصل إليه، في تلك اللحظات أحسست بقوّة خفقان قلبي وكأن دقّاته تتراقص أمام ناظري، تماماً كحال الثلج المُتراقِص في الكأس فوق يدي المُترنّحة. ما بك مُرتاب لهذه الدرجة، يكاد الكأس يطيح من يدك، أمريض أنت اليوم ؟ سألني.

تمالكت نفسي وجاوبته: "لا يا سيّدي، ولكنّي على حيرة من أمري، هل لي بسؤالك عن أمر شخصي؟".

تفضّل، وكيف لا يكون لك ذلك؟

ترددّت قليلاً ثم سألته عن عمله، فجاوبني بعد أن وضع على الطاولة 11 ليرة، أعني بها 11 ألف ليرة، "خبير الحبر في مطبعة الجريدة المجاورة".

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"