عظامي ليست جذوع أشجار!

أتحدّث عن ذلك الماضي الغادر الذي يلاحق أنفاسي وهوائي.

  • عظامي ليست جذوع أشجار! (Winslow Homer)
    عظامي ليست جذوع أشجار! (Winslow Homer)

أحدّق بك يا جدار غرفتي وأغوص في مملكة ذكرياتي، حيث السفينة الضخمة التي كانت تحملها على سطحها في وسط ذلك البحر العميق، اللّئيم.

وها هي ذي الأمواج المزعجة تتعالى على كائنات بحرها وتعلو بكبرياء نفسٍ عزيزة لا تهوى الهدوء؛ بل تعشق الإزعاج.

أتكلّم عن تلك الضوضاء المنهِكة التي أهلكت فؤادي. نعم، أتعبته حتى أحقر درجات الكلل، وسحقته كلما يتأنّثها.

أتكلّم عن تلك الرياح العاتية، المجنونة، عندما تتعدى على سفينة ذكرياتي. إذْ تصعد على سطحها لتغتصبها بكل تفاصيلها.لكن آنذاك، كانت لا تزال صامدة الجذور فتُخذل هي الأمواج، وتكمل مسيرتها في البحر عند باقي سفنه.

أتكلم عن تلك الرعود والبروق وترجمة جبروتهما. الرعود التي لا ترحم ولا تشفق، والبروق التي تنير القلوب بظلامها وشؤمها المميت.

أتكلم عن ذلك القمر الحزين الذي ينير سطح البحر، مُجبراً، لإرضاء خواطر من في جواره. في تلك السماء التي هي أيضاً تنتظر نور شمسٍ صاف حنون.

أجل، إني أتكلم عن ذلك اليوم العاصف الذي دفن سفينة أحلامي في أعماق البحار المخيفة. عن تلك العاصفة التي رمتها في قبر العتمة والوحدة. التي قتلتها برصاص النفاق والخداع.

أتحدّث عن ذلك الماضي الغادر الذي يلاحق أنفاسي وهوائي. عن الشبح الذي يجول في عمق قلبي المتلف. عن تلك الحقيقة التي تتذكرها نفسي كل مرة عند اجتماعها مع قلب روحها الذي ينفطر، فينفجر لتسيل دموع آهاته. أتحدث عن القتال الجبار الجاري ما بين ماضٍ وحاضر.

ها هو الليل يشتد ظلامه ويشتد معه ضجيج قلبي الذي تطارده كوابيس الزمن الماضي. فماذا عن نقّار الخشب في صدري؟ أما من أحد يخبره أن عظامي ليست جذوع أشجار؟

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]