كلاب تتناهش ليل المدينة.. والمدينة خراب

لم أرَ في الشوارع سوى الكلاب الشارِدة. كلاب تبحث عن أيّ شيء تأكله، حتى وإنْ كان مُجرَّد شخص مُغْرَم بالتجوّل ليلاً في شوارع المدينة العتيقة.

  • كلاب شاردة في وجه المدينة.. والمدينة خراب
    كلاب شاردة في وجه المدينة.. والمدينة خراب

لا صحوة تذكر ولا شباب يدركون نتائج مواجهة الكلاب الشارِدة، لكن السَكْرة تذهب الفكرة، والحقيقة عمياء، تنتظر البصير ليُدركها. 

قبل عشرة أعوام وتحديداً في شوارع دمشق، كنت أخرج للعشاء بين الساعة الرابعة والسادسة  أتجوّل في أحياء المدينة، فإذا ما تعشّيت في "الميدان" أذهب إلى "باب مصلّى" أو إلى "المزَّة" وربما ينتهي بي المطاف في حواري "الشعلان" أو "الصالحية"، لم تكن الغاية فقط العشاء، أما هاجسي فكان يتلخّص في تفقّد الطرقات والأرصفة ومَن يرتادها. 

سماع موسيقى السنباطي وعبد الوهاب تخرج من الشُرفات كان هدفاً من أهدافي. فلطالما توقّفت عن السير ودخّنت سجائر عدّة على رائحة "اليانسون الشامي" وأنا أسمع أغنية "جفنه علَّم الغَزَل" تخرج من إحدى النوافذ وتملأ الشام. 

هذا الليل كان على نقيض النهار الذي كنت أقضي جزءاً منه في عشوائيات دمشق حيث النسوة ممّن بلغن الخمسين عاماً يجلسن على "الركات" أمام منازلهن، ويبتدئن أحاديثهن على بساطتها عن ثورة التكنولوجيا والعولمة، ومن ثم يبدأن بالوشي على أقاربهن وطبخاتهن وبساطتهن وجمالهن وصُراخهن على الأولاد وهم يلعبون "الفوتبول" في الشارع أمام السيارات العابِرة؛ والسيارات تقف مُنتظرة انتهاء لعبتهم من دون أدنى "زمّور" يخرج على امتعاض.

ليست المشكلة في مَن كان يقطن المدينة، فالسكان ما زالوا على حالهم، ولكن هي مَن تقاعست، هي مَن تأثّرت بالحرب، وبصنَّاع الحرب، هي مَن استسلمت لعباءة الخارجين عن السكينة وأخذت تحتها غفوتها الطويلة الطويلة. 

والآن لا يعنيني نهار المدينة، إنما ليلها هو الذي يحفر في رأسي مثل " الكمبريسة" التي يستخدمها أحد عمّال القطاع العام في حفر الأرض لإصلاح خط المياه عند الصباح الباكر. 

ليل تطغى عليه الظُلمة حتى في مُنتصف الشهر، فشوارع المدينة استبدلت موسيقى (عبد الوهاب) بموسيقى (الراب) وتخلّت عن رائحة اليانسون الشامي من أجل الحبوب المُخدّرة، شوارع تكسوها الحضارة منذ آلاف السنين وتسيطر عليها مفرزات الحرب بكل أشكالها، فغالبيّة روَّاد هذه المدينة إما هم حديثو النعمة ممّن شبعوا بعد جوع، أو أغنياء أفقرت الحرب جيوبهم ولم تفقر تربيتهم، فأعطوا أبناءهم ما كان مُباحاً لهم من دون أن يدركوا ما صنعت الحرب بملامح المدينة العتيقة، فليل المدينة في زمن الآباء ليس كليلها في زمن الأبناء.

ليل المدينة قاصر والحرب تلبس ثوب المُغتصب

إذا ما اعتقدنا واهمين بأن الحرب قد انتهت، مع شعورنا الدفين بأنها للتوّ أخذت شكلاً جديداً من أشكالها، شكلاً لا يطغى عليه مظهر التسليح والموت المباشر إنما يتخفّى بالموت المُفاجئ، كأن تدهسك سيارة ببلّور أسود أول المساء وعلى مرأى المارّة، وتجعلك تقضي نحبك مُخلّفاً وراءك عشرات الأحلام التي لم ولن تنجز في هذه المدينة، حيث "المصروعون" يقودون سياراتهم المُفيّمة وهم يحتسون نخب انتصارهم على الجوع القديم الذي تخلّصوا منه ببيع الوجدان وركوب موجة اللامُبالاة ولا حساب ولا قانون ولا رادِع يردعهم، مصاريع حوَّلتهم مفرزات الحرب إلى وحوشٍ ضاريةٍ في النهار يسرقون الفقير على صحو؛ وفي الليل يقتلونه وهم مخمورون. 

تركوا آباءهم في القبور 

لأننا نحن - أبناء المدينة العتيقة - نعاني ما نعانيه من انقطاع الكهرباء وبطء الشبكة "السُلحفاتية"، قرَّرت مؤخّراً أن أقضي جزءاً من سهرتي في أحد مقاهي الإنترنت التي تمتلك مولّد "ديزل" في المدينة، وهكذا أضرب عصفورين بسهرةٍ واحدة. العصفور الأول هو أن أنهي أعمالي من دون خشية انقطاع الكهرباء، والعصفور الثاني أن أتحسَّس فيه ليل المدينة،. في سهرتي الأولى جلست في مقهى إنترنت يفتح 24 ساعة في اليوم ويُقدِّم عرضاً مُغرياً يتلخّص في تقديم 7 ساعات ليلية بمبلغٍ زهيد.

الأمر الذي جعلني أختاره لقضاء سهرتي الأولى فدخلت واخترت طاولة يوجد عليها حاسبان، الأول بجانب الحائط، والآخر على الطرف، جلست أمامها واخترت الحاسب بجانب الحائط، وما أن بدأت عملي حتى جاء طفل لم يبلغ العاشرة من عُمره. طفل تستطيع أن تتخيَّل حليب أمّه ما زال يسيل حول شفتيه. جلس بجانبي وشغَّل الحاسب أمامه وراح يُغنّي "العتابا السورية" بكل إقليميّتها ويتنقَّل بأبياته العتابية ما بين الفرات والساحل وهو يفتح موقع "يوتيوب" ويتصفَّح مقاطع الفيديو المُقترحة من دون أية محاولة بحث عبثيّة، وما أن رأى مقطعاً يشير بصورته إلى رجل يحمل سلاحاً فردياً فتّاكاً (رشّاشاً) حتى ضغط على زر "تشغيل" وهو يُطلق صفرة تعجّب من شفتيه المزمومتين ويقول: "شو هالبارودة العظيمة .. هات لنشوف". 

بدأ الطفل يشاهد مقطع الفيديو المأخوذ من فيلمٍ هوليوودي، وملامح الدهشة تجتاح وجهه، وما هي إلا ثوان حتى اندمج بالحَدَث وراح يُحدِّث نفسه عن عَظَمَة السلاح المُسْتَخدَم في الفيديو، ثم رفع قدمه اليمنى ووضعها على الطاولة وأخرج من جُرابه علبة سجائر، استلّ منها سيجارة وأشعلها وهو مُندمِج بمُشاهدة الفيديو حدّ الانفصام، وأنا أشاهده أيضاً حدّ الانفصام، وما كان مني سوى أن تفاعلت مع ما أراه وتقمّصت دور المُتجسّس، ففتحت الكاميرا على جهازي الخلوي والتقطت له صورة تذكارية، ليس من أجل الذِكرى، بل من أجل أن أفهم ماذا يحصل وما نحن مُقدِمون عليه؟

بعدما انتهيت من التقاط الصورة قاطعتُ مشاهدته وسألته: 

- هل أخبرت والدك بأنك هنا في هذا الليل؟ 

أجابني من دون يلتفت إليّ: "أبي في القبر".

- ووالدتك؟

- "أمّي! ما دخلها فيني .. أنا اللّي عمْ أصرف عليها"

وفي وسط موجة ذهول أُصبتُ بها سألته: "وأنت شو بتشتغل؟"

فقال بغطرسةٍ وفوقية: "ما إلك علاقة"

قلت بهدوء: "طيّب ما عندك مدرسة؟"

ويا ويل الكلمة التي نطقتها، ما إن انتهيت من حرفها الأخير حتى انفجر عليّ كبركان "فيزوف" ودثّرني كما دثّرت "بومبي"، وراح صوته يعلو بالشتائم ويقول كلاماً مفاده يتلخّص في عبارة: (شوها السهرة الزفت) وأطفأ سيجارته بقهرٍ ثم ترك المقهى وخرج منه والسباب يعلو فاه. 

الكلاب الشارِدة في الشوارع ليلاً تعكس وجه المدينة

خرجتُ من المقهى وأنا مُعْلِن فشلي باصطياد العصفور الأول، والذي يتلخَّص بالانتهاء من عملي في مقهى إنترنت يمتلك مولّد ديزل. وكي لا أعود إلى منزلي من هذه السهرة خالي الوِفاض، بدأت باصطياد العصفور الثاني وهو تحسّس ليل المدينة، ورحت أجول في الشوارع المُظلمة أرفع رأسي عالياً، وأبحث عن "لمبة" واحدة يسطع ضوؤها علّي أسترجع ذكريات جولاتي المُستديمة في شوارع المدينة العتيقة، "لكن عبثاً". لا ضوء يخرج من اللمبات. ولا رائحة اليانسون الشامي تفوح. وأغاني الراب تخرج من بعض الزوايا من دون أن أرى مَن يستمع إليها.

رحتُ أبحث عن مصدرها لكنني لم أرَ في الشوارع سوى الكلاب الشارِدة. كلاب تبحث عن أيّ شيء تأكله حتى وإنْ كان مُجرَّد شخص مُغْرَم بالتجوّل ليلاً في شوارع المدينة العتيقة.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
كنان خضور

كاتب من سوريا