صمت في حضرة غزَّة

غزَّة فينيق العصر فاجأت الجميع وخرجت سالمة من تحت الركام.

  • عمل فني لفايزة يوسف من غزة (المتحف الفلسطيني)
    عمل فني لفايزة يوسف من غزة (المتحف الفلسطيني)

وحده مَن أمضى الليل والنهار تحت النار، أو بيده النار، مَن يحقّ له الكلام. ليس سواه مَن يحقّ له أن يروي حكايته مع احتمالات الموت الكثيرة، وانعدام الملاذات الآمنة.

لم تُغرني المآثر والبطولات الكلامية في هذا الفضاء الأزرق والأصفر والأحمر، فلذت بالصمت كي لا أهيل الملح على الجرح.

بكيت كغيري على مشاهد الأجساد الغضَّة التي عجنتها قنابل إسرائيل بالتراب والحصى، لكن كل دموع الأرض لا تستطيع أن تبرّد قلب أب ودَّع أبناءه وواصل الحياة.

لذت بالوجع والصمت احتراما لأنّات الصغار ودمائهم المسفوحة بقذائف الميركافا وصواريخ الفانتوم الأميركية بمختلف أجيالها.

لم أسدّد كغيري حصّتي من فاتورة الحرب، واكتفيت بمتابعة الأخبار بالبثّ المباشر، ومشاهدة الطائرات تلقي حممها من السماء وتزرع الموت في عيون أطفال غزَّة.

لم أخض تجربة مع الموت أحدِّث بها في المجالس حين تضع الحرب أوزارها، وأرويها لأحفادي حين تصبح الحرب شيئاً من الماضي.

صمت لأنني لم أملك ما أجيب به صغيري حين سألني لماذا يقتلون الأطفال في غزَّة؟ صمت لأنني لم أستطع أن أهب حضني لطفلة حرقتني دموعها وهي تصرخ : ما بدّي أموت، ما بدّي أموت.

يا إلهي ما أصعب هذا الطلب!

ما أصعب أن تعجز عن حماية زهرة ولِدَت في إحدى جولات الحرب وفتحت عيناها على الحياة في ظلّ الحصار، وتخشى أن تقصف قبل الأوان!

ما أبشع إحساس الآباء بالعجز أمام هذا الموت المُنهمِر في كل اتجاه من السماء والماء ومن خلف السواتر الرملية! الموت الذي لا يفرِّق بين مَن يحضن سلاحه وبين مَن يحضن لعبته أو عكّازه.

الطائرات التي دمَّرت البيوت فوق رؤوس أصحابها، لم ترصد راية بيضاء واحدة.

غزَّة فينيق العصر فاجأت الجميع وخرجت سالمة من تحت الركام.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عبد السلام الريماوي

كاتب فلسطيني