أمي..يا دثار الحبّ الصافي

كبر عليّ. منذ صغره وهو يشق طريقه. عليّ الذي كلما صادفته محنة يتذكر بأن ثغراً أشبع وجنتيه حباً، لا يزال الحبّ منطوقه. ثغرك أنت وهو يخرج بكل ما يطيب للربّ سماعه. تلك الدعوات، التي تداعب مسمعي فيما أنا خارج إلى الدنيا، تدثرني مثل قماط. تشعرني بالدفء. تهطل عليّ مثل سياج وردي يحميني من كل أشواك الدنيا.

الثغر الذي أشبعني حباً، لا يزال الحبّ منطوقه
الثغر الذي أشبعني حباً، لا يزال الحبّ منطوقه
أعرف أنك ستخلدين إلى النوم باكراً، كما عادتك. تتحايلين على أرقك الدائم باقتناص ما يتيسر من سبات. أعلم يقيناً كيف أني أحضر في سكرات نومك، تماماً كما أخطر في رأسك طوال اليوم. أنت مشغولة بي. هذه هي حالك على الدوام. أنا مشغول بك أيضاً. فأنا أخاف عليك من نفسك التي لن تحتمل عجز جسدك يوماً. أنت التي تدورين مثل مكوك الحائك لترتبي أيامنا بكثير من الحبّ.

يراودني السؤال دائماً حول ما إذا كان لك فعلاً ما يشغلك عنا. أن يكون لك وحدك، تلك المساحة التي تشغلين بها نفسك لنفسك، لا لسواك. لم يبق لك من نفسك شيئاً تحملينه، هذا ما أحدّث به نفسي.

انصتي إليّ يا حبيبتي. كل ما أكتبه الآن أخبر جيداً أنه ليس مرآة لما يعتمل في خَلَدي. لديّ الكثير من الكلام لأقوله لك لكنني أخفق في خطّه الآن هنا. أنا الكاتب لا حيلة لي إلى ذلك. تصوري! ربما ستقرأ عليك واحدة من شقيقتي هذا الكلام. وأنت بالرغم من نظرك الضعيف ستحاولين القراءة ثم تبتسمين.

"عليّ يكتب عني!"، ستحدثين نفسك.

نعم أكتب عنك، غالباً ما كنت ملهمتي. قد يكون وجهك الذي أتلبسه يجعلني أراك كل يوم. في فترات الغياب تكونين معي. أكون واقفاً أمام المرآة وأحدق إلى وجهي طويلاً. العينان، الأنف، الفم، وأحياناً القلب الرهيف حتى الضنى. عندها أقول في نفسي إني أنت، وأنك أنا. ساعتها أعرف أني أراك إذ أتطلع إليّ.

صرت أترك لك متعة الاهتمام بهندامي ومأكلي، كي لا أجعل ذلك الشعور السيء يتملكك، وهو أنك ربما فقدت صلتك الحسية بي أنا الذي أغيب عنك أغلب الوقت، وأهتم بأمور معيشتي بمفردي. أودعتك ثيابي لتهتمي بها. ليبقى لي بين يديك أثر، رغم الذنب الذي أحمله بأن الجهد الذي تبذلينه سيزيد من آلامك. 

كبر عليّ. منذ صغره وهو يشق طريقه. عليّ الذي كلما صادفته محنة يتذكر بأن ثغراً أشبعه حباً، لا يزال الحبّ منطوقه. ثغرك أنت وهو يخرج بكل ما يطيب للربّ سماعه. تلك الدعوات، التي تداعب مسمعي فيما أنا خارج إلى الدنيا، تدثرني مثل قماط. تشعرني بالدفء. تهطل عليّ مثل سياج وردي يحميني من كل أشواك الدنيا.

في عيدك، أقول لك كل سنة وأنت العيد. لا شيء آخر أقوله يا دثار حبّ صافٍ.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم فقرة "حكاية أديب"