الحداثة والمجتمع

في مشرقنا العربي يمكنك أن تكون ذاتاً واعية جاهزة للعب دورها الاجتماعي، لكن لا يوجد بيئة مشجعة على العمل الخلاق.

  • آلان تورين
    آلان تورين

يختصر الباحث الفرنسي في علم الاجتماع آلان تورين تعريفات الحداثة بأنها التأكيد على أن الإنسان هو ما يفعله، وهذا يقتضي ضمناً تناغماً وانسجاماً بين ذات الفرد وما يصدر عنها من أفعال وسلوكيات خارجية تشكل امتداداتنا الاجتماعية أو حضورنا الحيوي في بيئاتنا ومجتمعاتنا. وبتعبير آخر، الانتقال والتحول من "الذات الشخصية إلى الذات الفاعلة الاجتماعية".

هذا التحول الموجب تمكنت الحداثة في الغرب من إنجازه ومأسسته ليتحول إلى مواطنية جامعة مكينة، حيث أعلت من شأن العقل وحررت إمكانات الفرد لتتوحد غاياته الجزئية مع الغايات الكلية للدولة التي هي "الحقيقة الواقعية العليا"[i]

لكن، منذ بدايات القرن الحالي تقريباً والحديث يدور عن استنفاد الحداثة ودخول الغرب في مرحلة ما بعد الحداثة، والتي تميزت بالقفز فوق الضوابط والقواعد وكل ما هو مدرسي، بحثاً عن آفاق أرحب قد يقدمها التحرر والانعتاق من قيود النظام بكافة أشكاله. وترافقت مع تفكك المجتمعات وأفول المنازع الاجتماعية وانتشار النزعات الفردية والاضطراب الهوياتي وتراجع الصلات والروابط العائلية.

يتوقع تورين في كتابه" براديغما جديدة لعالم اليوم" أن هذه المرحلة رغم ما يظهر من الفوضى والعبثية وانعدام الجدوى، ستفضي إلى حداثة جديدة تتميز بالعودة إلى الذات (التذوتن) حيث ينظر الفرد إلى نفسه على أنه الشمس وينصب تركيزه على إمكاناته الداخلية ونصبح أمام الذات الفاعلة الشخصية. لكن هذه القدرة على الجمع بين التفكير العقلاني والحقوق الفردية والدفاع عنها،"هو في صميم مؤسسات اجتماعية تحرص على الفاعلية حرصها على الحرية".

وعلى هذا لا تنتهي الحداثة وإنما تكون مرحلة ما بعد الحداثة متضمنة في الصيرورة التاريخية لمسيرة الحداثة فالحداثة بطبيعتها صيرورة دائمة وعملية مستمرة.

ماذا عن الحداثة في مجتمعاتنا العربية؟

بعيد استقلال الدول العربية تباعاً عن المستعمر الغربي أواسط القرن الماضي بدأت محاولات تحديث جادة في بعض الدول العربية على مختلف الصعد، لكنها لم ترق إلى الحداثة وكانت في جلها محاولات مبتورة، غير كاملة ولم تترافق بتغيير على مستوى البنية العميقة للمجتمع إلا بحدود دنيا غير مؤثرة على المستوى الجمعي، ثم كانت هزيمة 1967 التي قصمت ظهر البعير وأصابت الطموح العربي في الصميم ليحل اليأس والإحباط واجترار الماضي، شيئاً فشيئاً وهنت العزائم وعم الخواء الروحي والفكري.

هذا جعل المنطقة العربية عينة مثالية لتصدير بدعة الاستهلاك وصور الثقافة المتدنية إلى الأسواق المحلية والمجتمع، ويبدو المشهد اليوم وكأننا نعيش السمات الرثة لما بعد الحداثة ولم نكمل حداثتنا بعد!

وعلى عكس "التذوتن" بالمعنى الإيجابي الذي قدمه تورين، يبدو أننا تحولنا إلى ذوات مشروخة، متذبذبة ومتناقضة، مسلوبي الإرادة الحرة على الفعل الحي والمشاركة الفاعلة، في صراع دائم مع ذواتنا للإمساك بتلابيب التوازن الخلاق الباعث على السكينة، وتحويلها إلى لحظات تدوم إلى الأبد!

هنا يبدو تعريف الحداثة كما بدأنا به قاس ومتطلب فوق المستطاع، متطلب إلى حدّ الكمال. فأنت في المشرق العربي يمكن أن تكون ذاتاً واعية جاهزة للعب دورها الاجتماعي في الفعل والتأثير، لكن" لا يوجد لاعبون"، بمعنى غياب البيئة المشجعة على العمل الخلاق الذي يؤدي إلى تغيير إيجابي في المجتمع.

هل تكون الحرب والفقر والمرض فرصة لتحرير الإرادة وتموضعها في فعال وسلوكيات أكثر حضارة وديمومة؟

يقول مثل صيني:" الله يهب الجوز، لكنه لا يقشره"، وقيل يوماً:" إذا فقد الأمل، يجب اختراعه".

[i]يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: "الدولة ليست تعاقداً بين الأفراد،إنها الحقيقة الواقعية العليا..."

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علا شفيق شعبان

كاتبة من سوريا