روايات عصر غابر في بقايا أبراج حربية

اندثرت أكثر الأبراج الحربية التاريخية في طرابلس ولم يبق منها إلا إثنان.. تعالوا لنكتشفهما.

  • برج السباع
    جدار برج السباع وبدت فيه أعمدة غرانيت مُتعاكسة
  • برج السباع
    برج السباع
  • باب برج السباع
    باب برج السباع

بعد انتهاء الوظيفة التي شيِّد كل منها من أجلها، اندثرت أكثر الأبراج الحربية التاريخية في طرابلس، ولم يبق من أصل سبعة منها إلا إثنان، والغالبية طاولها الإهمال، فزال بعضها بالكامل، وما تزال بقايا قليلة لبعضها الآخر، فقد تجاوزت التقنيات المُتجدّدة بتقدّم الزمن، دور "الأبراج" التاريخي كمواقع مراقبة ودفاع، أين منها الرادارات ووسائط التنصّت والتصوير عالي الدقّة. 

ولعبت أبراج طرابلس المملوكية السبعة دور الرقابة، والحماية للساحل الطرابلسي إثر تمكّن المماليك من دَحْر الصليبيين الذين احتلّوا المدينة، وأقاموا فيها ما يُقارب القرنين، وكان من نتائج هزيمة الصليبيين أن دمَّر المماليك المدينة القديمة، ودمَّروا السور الذي حماها تاريخياً، ولم يتبقّ منه سوى بقيةّ صغيرة ما تزال قائمة حتى اليوم في فسحةِ حديقةٍ بريةٍ في الميناء.

بعد هزيمتهم، حاول الفرنجة الصليبيون شنّ هجومات انتقامية من المماليك، والقيام بعدّة محاولات استرداد لما فقدوه. كان على المماليك تأمين وسائط دفاع للثغور البحرية التي كان الفرنجة يحاولون شنّ هجمات منها، وهم مدركون أن المدينة انكشفت أمامهم بعد زوال السور. وفي مبادرة سريعة، بدأ المماليك ببناء أبراج بلغت السبعة في نهاية المطاف، امتدّت على طول الساحل، وكانت متواصلة في ما بينها بطُرُقٍ خاصة، فكانت بديلاً من السور، ولعبت دور الحماية للمدينة التي بدأ المماليك إعادة بنائها.

أول الأبراج من جهة الشمال كان برج رأس النهر، وعُرِفَ ببرج "قايتباي" نسبة إلى الأمير الذي بناه. وهو الأصغر حجماً بين الأبراج، وقد شُيِّد على أنقاضه مسجد خالد بن الوليد القائم حالياً قرب جسر سكّة الحديد عند مصبّ نهر أبو علي، وفي داخله بقايا البرج.

ثاني الأبراج وأكثرها أهميّة اليوم نظراً للحفاظ عليه شبه مُكتمِل، هو برج السباع، أو برج برسباي، بناه الأمير سيف الدين برسباي في مُنتصف القرن الثامن الهجري.

وتؤكّد سجلاّت المحاكم الشرعية أن البرج كان يُسمَّى برج "برسباي"، لكن مع مرور الزمن وسهولة اللفظ أطلق عليه الناس إسم برج السباع  بسبب وجود نصوب لأسودٍ محفورةٍ كانت تُزيِّن مدخله، ولم تعد موجودة.

يُعتبَر البرج من أجمل المباني الحربية الإسلامية، فمدخله الغربي يتميَّز ببوابةٍ ذات العَقْد المُنكسر، ويتكوَّن من تشكيلةٍ عمرانيةٍ جميلة، شديدة التعقيد، تُعبِّر عن تطور العمارة في عصره، وتتناوب فيها الحجارة البيضاء والسوداء، على طبقاتٍ مختلفة.

يتألَّف البرج من ثلاث طبقات، يوحي بأنه مكعَّب الشكل، لكن على استطالة بطول 28،5 م وعرض 20،5 م، وفيه أعمدة غرانيتية غُرِزَت في جدرانه بطريقةٍ مُتعاكسةٍ لاتجاه حجارته المكعّبة لتدعيم الجدران بتقنية نادرة.

داخل البرج قاعة واسعة، سقفها قليل الارتفاع، تعلوها ست قبوات مُتعارضة تتّكئ في وسطها على دعامتين، وفي جدرانه العديد من النوافذ وبينها تتوزّع فتحات رمي السهام. 

يؤدّي درج داخلي إلى الطابق العلوي المؤلّف من قاعة فسيحة في جدرانها ثماني جوفات عميقة، ويتضمّن البرج عناصر معمارية وزخرفية متنوّعة بشكل متناسق. كثيراً ما يُستخدَم البرج كموقعٍ تراثي أثري لإقامة مناسبات احتفالية عامة.

  • من برج عز الدين
    من برج عز الدين
  • من برج عز الدين
    من برج عز الدين
  • من برج عز الدين
    من برج عز الدين

برج القناطر ويُعرَف أيضاً ببرج الفاخورة لوجود مشغلٍ سابق للفخّار في داخله. يبعد ثلاثين متراً جنوب برج السباع، وظلّ هذا البرج موجوداً حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر على الأقل. أقيمت مكانه مُنشآت السكك الحديد ولم يُعرَف مَن هو بانيه ولا تاريخ بنائه.

ثم برج الشيخ عفان ويعرف أيضاً بإسم بانيه الأمير طرباي، ويُنسب إلى شيخٍ صالحٍ أقام فيه عُرِف بالشيخ عفان، ولم يبق من معالم البرج شيء سوى بعض حجارة مُبعثرة على الشاطىء، والضريح الذي نقل من موقعه بضعة أمتار.

ثم برج الديوان، وعُرِف أيضاً ببرج السراي وببرج البنط. بُنيَ بين سنتي 1434 و1438، ودمّر في أحداث سنة 1958 حيث كان يُستخدَم مقراً لعدّة دوائر رسمية منها مخفر للدرك، وحراس البلدية، ودائرة الهاتف، والكرنتينا أو دائرة الحَجْر الصحي، ورئاسة الميناء، وأقيم مكانه في وقتٍ لاحق جامع عمر بن الخطاب. ضمّ الطابق الأرضي منه قاعة مستطيلة الشكل بُنيت جدرانها بالحجارة، وفي الجهة الشمالية درج يفضي إلى الطابق العلوي وفيه غرف عدة. 

  • المبنى الذي يعلو برج عز الدين
    المبنى الذي يعلو برج عز الدين

أما برج عز الدين فيقع في نقطة تتوسط خط شاطىء الميناء، قبالة جزيرة البلان، ويقوم تحت مبنى حديث ضخم مؤلّف من عشرة طوابق، حمل إسمه، ويُعرف المبنى ب"البرج"، وفيه مطعم بالإسم عينه. وعندما كان الأمير سيف الدين جلبّان والياً على طرابلس سنة 1434م،  أقام هذا البرج على أنقاض برج الصالحي، وقد أقيم فوق برج عز الدين سابقاً، بناء سكني عبارة عن محلات تجارية لصناعة القوارب. وتفيد وقفية البرج أنه كان موقوفاً  ليكون مسجداً وحصناً  للمرابطين والمجاهدين. 

وامتاز هذا البرج بجمال بنائه، وسماكة جُدرانه، والعقود الداخلية العالية فيه، وفي كثيرٍ من جدرانه توجد نقوش جميلة تزيّنها الفُسيفساء، ولا تزال معالمه موجودة بوضوحٍ أسفل مبنى البرج.

  • بقايا من سور المدينة المُدمَّر
    بقايا من سور المدينة المُدمَّر

أما برج البحصاص، الذي يبتعد عن المدينة أكثر من بقية الأبراج، حيث يقع زهاء خمسة كيلومترات جنوباً بعيداً عن آخر برج وهو برج عز الدين في نقطةٍ تُعرَف ب "أبو حلقة"، وتقوم مكانه مُنتجعات سياحية ضخمة. آخر ذِكر لاستمرار وجوده هو سنة 1627م، وكان الأمير فخرالدين الثاني قد دخله في سنة 1620م.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت