عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع

في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الأديب الأردني إلياس فركوح، تعالوا نتعرف إلى سيرة شخص أغنى المكتبة العربية بعشرات الأعمال الروائية والترجمات.

  • عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع
     إلياس فركوح

أعتبر نفسي كاتباً سلحفائياً من حيث البطء بالكتابة، وأيوباً في الصبر الطويل على إنضاج الانتقالات والخطى الكاتبة للنصّ. لستُ متعجلاً أو ملهوفاً؛ فالعالم لا ينتظرني بناءً على موعد، وأنا لا أملك ما أمنحه ويستحق الانتظار. نحن ننتظر من الكاتب ما هو جديد حقاً وما يحترم ذائقتنا وذكاءنا فعلاً، وهذا لا يمكن توفره بالتسرُّع، إنْ بالكتابة أو بالنشر. ليس كلّ ما يُضاف جديراً بأن يوصف بالجِدَّة، فما بالك بالجديَّة؟".

بهذه العبارات التي وردت في أحد حواراته، لخَّص الأديب الأردني الراحل إلياس فركوح (1948-2020) رؤيته وأسلوبه في العمل كقاص وروائي ومترجم وناشر. ومع ذلك، استطاع أن يترك للمكتبة العربية 8 مجموعات قصصية، و4 روايات، وخامسة غير منتهية، إلى جانب ترجماته العديدة، ونشره مئات العناوين المهمة من خلال "دار أزمنة" التي أطلقها في العام 1992 امتداداً لدار "منارات" التي شارك في تأسيسها مع صديقه الشاعر طاهر رياض، من دون أن ننسى مئات المقالات والدراسات في الدوريات الثقافية العربية.

على الرغم من كلّ ذلك، بقي فركوح حتى نهاية حياته يُصِرّ على أنه ليس كاتباً محترفاً، ولا يريد أن يكون كذلك. يُجرِّب باستمرار، ويراهن على التغيير، ويُخاتِل في سردياته من دون أن يُعير أيّ انتباه للتجنيس الأدبي. ولهذا، تراه يجمع السرد بروح الشعر، ويُوزِّع بُؤر قصصه القصيرة في مرايا رواياته الطويلة، فهو "من المتحمسين للكتابة الهجينة ما دامت تمنحه إحساساً بالجمال، وتبرهِن له أنَّ تجنيساً معروفاً ومألوفاً ومعتاداً لا يصلح لأن يكون بيتاً لها"، كما عبَّر في أحد حواراته.

ويضيف: "تمثّلُ الهجنةُ والخلاسيات أمثلة جميلة وجذّابة على قيمة الاختلاف والتعدد، في النصوص كما في الحياة، عندما ينتهي انصهارها الطوعي الواعي إلى إغناء حياتنا. إنّنا، في عملنا هذا، إنما نشهد على أنّ القانون الوحيد الجدير بالاحترام هو حرية الاختيار بين الطروحات، وإننا، في الوقت نفسه وأيضاً، لنا حرية إدارة الظهر لجميع الطروحات واجتراح طرحنا الخاصّ". 

هذا بالضبط ما جعله جديداً في كل مرة، ومتأنياً، وشديد الحرص في توضيب عمارته السردية، ومُنشئاً بينه وبين شخوصها وحالاتهم المأزومة حوارات مديدة، كانت كافية للتقليل من مساحة الحوار الهادفة إلى تقشير الشخصيات، فالأهم عند صاحب "من يحرث البحر"، هو الحفر في الطبقات التي تُنتج تلك الحوارات. لذا، التزم في جميع ما كتب بإزالة أي فاصل بين الشكل والمضمون.

ورغم تعدد الأشكال التي اشتغل عليها، سواء في القصة أو الرواية، فإنه ظلَّ مُخلصاً لذاته، مسخّراً في سبيل ذلك طاقته كلها في التأمل ورسم مسارات حياة شخصياته وهندسة مصائرهم، بحيث إن هناك من رآه كمفردٍ بصيغة الجمع، يكتب ذاته في كل مرة على اختلاف الشكل، ويعاين هواجسها الحياتية باستمرار من هويته المتعددة، إذ إنه من أصول يونانية، مع جذور سورية، وطفولة قضاها بين عمّان والقدس، إلى حماسه القومي وعشقه الصادق للقدس الذي دفعه في شبابه إلى الانتساب إلى فصائل التحرير الفلسطينية، ولكن قوبل طلبه بالرفض، ثم معايشته الحروب على مدار أكثر من 40 عاماً منذ هزيمة حزيران والحرب الأهلية اللبنانية و"أيلول الأسود" واجتياح الكويت، وليس انتهاءً بــ "الربيع العربي".

عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع

  • عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع
    عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع
  • عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع
    عام على غياب إلياس فركوح.. مفرد بصيغة الجمع

كل ذلك ترك بصماته في تكوين إلياس فركوح الإبداعي على صعيد تعدد هويات الأنساق البنائية التي اشتغل عليها ضمن الرواية على وجه الخصوص، وأيضاً على مستوى المضامين التي جعلت الحروب مادة أساسية في ما كتب، ومنها في روايته "أعمدة الغبار" (1996)، التي يلتفت فيها إلى مآلات المثقّف العربي عقب سلسلة إخفاقات متتالية عاشها مع انهيار المقولات والأيديولوجيات الكبرى إثر هزيمة حزيران 1967، وأيضاً "أرض اليمبوس" التي يشير فيها البطل/ الراوي إلى أنه في قراءته للحروب التي شهدها، فإن "ابنه الصغير تعلّم منها معرفة الوقت"، كما لم تغب الحرب عن روايته "غريق المرايا" (2012)، فكانت النافذة التي ينظر من خلالها إلى مدينته عمّان وغيرها. 

أما القاسم المشترك في جميع ما كتب، فهو أنه لم يتخل للحظة عن أطروحته الفلسفية العتيدة بخصوص "سرابية الواقع، وسرابية اليقين، وسرابية الخلاص"، فقد بقي فركوح متمسكاً بها حتى النهاية، ووسمت جميع أعماله، حتى إنه دوّن ذات مرة عبارة تعكس منظوره لفعل الكتابة، قائلاً: "لا زلت لا أعرف. لا زلت أكتب".

هكذا كانت الكتابة بالنسبة إليه عملاً غير مكتمل، وبنهايات مفتوحة على الدوام، حيث لا إجابات، بل مجرد طرح أسئلة ناتجة من تفكُّر عميق. استمر هذا النهج بالنسبة إليه كناشر في "دار أزمنة" التي قال في تقديمها: "إذا كانت الغاية تجارية استثمارية خالصة، فلا يحتاج صاحبها سوى إلى رأس مال معقول يبدأ به، مع امتلاكه طبعاً عقلية السوق وذكاءه في التصرف وسط الفوضى العارمة المتحكمة في آليات العمل في تفاصيله. أما إذا كانت الغاية تتمثل في تحقيق مشروع ثقافي محدد يهدف إلى إثارة مكامن الجمال والمعرفة المكبوتة داخل الإنسان العربي، لظروف خنقه المختلفة واختناقه، ومشاركته لُجَّـة الأسئلة التي تحاصره في حاضره الراهن؛ فإن ذلك يتطلب عدّةً أخرى بمواصفات في غاية الاختلاف"، وهو ما جعله يواصل اجتراح كتابة واعية ومسؤولة، وينتخب عبر قراءته المتأنية المناسب للنشر، بغضّ النظر عن كون الكاتب معروفاً أم لا. وتعد سلسلة "تباشير" المختصّة بنشر باكورة إبداعات أصحابها، والتي شكلت بصمة خاصة للدار، خير دليل على ذلك.

النص هو من يفرض نفسه. كما أن المراجعة المستمرة التي قام بها إلياس فركوح، سواء لأعماله أو كتابات غيره، صقلت فكره وأسلوبه، وكانت أحد الدروس التي تعلمها من الترجمة التي أبدع فيها، فكما قال في أحد حواراته: "المراجعات المتكررة للفقرات المنجزة أمرٌ لا مهرب منه وضرورة لازمة. من دون هذه المراجعات أثناء الكتابة، يتعرض النصّ للتضعضع، أو الوقوع في التناسخ الخبيث غير المُدْرَك، أو التزيُّد والاسترسال بلا إحداث إضافات تغنيه وتوسع فضاءاته. الترجمة تجبر ممارسها على التدقيق في كلية النصّ تدقيقاً. إذا استهان أو تكاسلَ برصد كلّ كلمة فيه، فإنّ خللاً ما سيحدث".

  • غالب هلسا
    غالب هلسا

لكن فركوح، ورغم كل النجاحات والجوائز التي حققتها سردياته قصةً وروايةً، ثم ترجماته المدغمة مع المقام الفكري الذي انتهجه ومختاراته في النشر، قال لصديق عمره الناقد فيصل الدراج في آخر لقاء بينهما يوم وفاته في 15 تموز/يوليو 2020: "أنا عازم على إعادة تأسيس دار أزمنة وأنا في الثانية والسبعين". كان يملك عزيمة لا تلين في نقد الذات وتصويب المسار، ولم يكن يهمه إلا أن يكون صادقاً أميناً مع نفسه.

ولعلَّ هذا ما يفسر اختلاس فركوح النظر في أواخر لحظات حياته إلى صورة الروائي الأردني غالب هلسا على مكتبه، والمذيَّلة بعبارة "رحل ليبقى"، فجُلّ ما اشتغل عليه صاحب "أسرار ساعة الرمل" أن يُدوزن مفاصل حياته بتؤدة وتأنٍ لا مثيل لهما، ليواصل تزويد المكتبة العربية بالجميل والبَهيّ والفريد، كما حصل معه أواخر أيامه، عندما أُغلِق أحد الشريانين المغذيين لقلبه، فاتسع الآخر ليسمح لعضلة القلب بأن تُتِمَّ نبضها الجميل، ولو إلى حين.

بديع صنيج

صحافي من سوريا