طرابلس: مدينة الحقب التاريخية

سلطت الأحداث المتعاقبة في السنوات الماضية الضوء على مدينة طرابلس اللبنانية، ثاني أكبر مدينة في البلاد بعد العاصمة بيروت. هنا إضاءة على المدينة من زاوية تاريخية من خلال تركيبتها، وتشكلها المناطقي.

  • طرابلس: مدينة الحقب التاريخية
    خارطة تقريبية توضيحية لطرابلس

طرابلس مدينة عريقة في التاريخ، تطعن في أعماقه لما ما قبل الحقبة الفينيقية. ومرت عليها شعوب وأمم كانت تغير هويتها حتى استقرت اليوم على ما هي عليه، مدينة تجمع القديم، مع الوسيط، مع الحديث، في مزيج لا يمكن حصره، ووصفه ببساطة.

وتمتاز المدينة بامتدادها المنبسط، فهي على شكل سهل خالٍ من الارتفاعات، مما جعل مناطقها الحديثة الواسعة، تنمو وتتطور بترتيب هندسي، وتقسيم مُدُني منتظم بصورة تلقائية.

ويمكن النظر إلى طرابلس من زوايا مختلفة، لكن التقسيم الذي يخدم توضيح هويتها التاريخية وفق الحقب المختلفة التي مرت بها، يفضل تصنيفها في ثلاثة أقسام: القسم التاريخي القديم، ينتهي بالحقبة العثمانية، ويعود إلى الوراء بلا حدود معينة، والوسيط، وهو الممتد من الحرب العالمية الأولى، وسيطرة الفرنسيين والبريطانيين على المنطقة، وتمتد حتى أواسط القرن الماضي، والحديث، وهو ما يغطي المدينة منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم. يضاف إلى الأقسام الثلاثة منطقتان تعلوان المدينة، وتقعان على تلتين ترتفعان ما بين ١٠٠-١٥٠ مترا عن سطح البحر، وتطلان عليه، وهما أبو سمراء والقبة الحديثتي العهد، ويمتدان شرق القسم القديم.

القسم القديم

  • سوق البازركان: من أحياء طرابلس القديمة
    سوق البازركان: من أحياء طرابلس القديمة

وهو القسم الشرقي من المدينة، يمتد من طرفها الجنوبي من منطقة تعرف بالبحصاص، ويعبر في الأسواق الداخلية القديمة، مرورا بباب الرمل، حيث كانت بوابة قديمة في السور الذي كانت تقوم المدينة داخله وفق البناء الذي اعتمدته المدن قديما للحماية، ويمتد زهاء أربعة كيلومترات، وينتهي في باب التبانة، عند الطرف الشمالي للمدينة.

ويمتد هذا القسم من جهة الشرق من موقع قلعة طرابلس، على رأس تلة كانت تعرف بتلة الحجاج، نسبة إلى والٍ فاطمي حكم المدينة في الفترة الفاطمية قبل احتلالها من قبل الصليبيين. ويمتد غربا وصولا إلى الأحياء الأكثر حداثة، مثل النجمة والسراي العتيقة، والتل، والزاهرية في خط متعرج.

  • طرابلس: مدينة الحقب التاريخية
    قلعة طرابلس

يطلق على القسم القديم من المدينة صفة المملوكية، وذلك لأن المماليك هم الذين بنوا الجزء الأكبر من هذا القسم، ولا تزال المدينة المملوكية قائمة بصورة شبه تامة، بمساجدها، ومدارسها، وحماماتها، وخاناتها، وتكاياها، وبيوتها التراثية، ودورها وقصورها، وهي كتلة أثرية كاملة تمتاز بأنها ما زالت مأهولة بالسكان. ومن هنا تعتبر طرابلس ثاني مدينة مملوكية من حيث الضخامة والحجم بعد القاهرة، بيوتها متلاصقة، وممراتها ضيقة، وفي نقاط كثيرة، ما تزال بعض معابرها مسقوفة كما غالبية المدن القديمة.

  • طرابلس: مدينة الحقب التاريخية
    الجامع المنصوري الكبير

القسم الوسيط

  • منطقة التل
    منطقة التل

في أواخر القرن التاسع عشر، وقبل نهاية الحكم العثماني، بنى العثمانيون سراي المدينة خارج النطاق المملوكي القديم، في فسحة واسعة قريبة من تل رملي، فأسميت الساحة ب"التل" نسبة له. ومن السراي، بدأت المدينة تخرج من نطاقها القديم، وتتأسس خارج أسوارها.

من ساحة التل، راحت الأبنية والبيوت تنتشر بالتدريج، باتجاهات مختلفة، فنشأت حارات وأحياء أكثر حداثة، امتدادا ل"التل"، فنشأت الزاهرية شمالا، وساحة النجمة شرقا، وبين الاثنين، شارع الراهبات، وشارع الكنائس، والدباغة، وصولا إلى اوائل باب التبانة، ومن ساحة التل ايضا، راح التوسع يتجه غربا نحو شوارع عزمي والمطران والكيال والمصارف والجميزات.

  • طرابلس: مدينة الحقب التاريخية
    ساحة التل وأبنية تراثية فيها

أواسط الستينات، شُق بولفار عبر المدينة من أقصى شمالها إلى اقصى جنوبها، يؤمن عبورها بسهولة للتوجه من وإلى بيروت، ويمكن اعتباره الخط الفاصل بين المرحلة الوسيطة، والمرحلة الحديثة.

أوائل الحقبة الوسيطة، كان ثمة والٍ عثماني على طرابلس يعرف بعزمي بك. وقف على التل الرملي، وشاهد البحر على بعد أربعة كيلومترات تقريبا، وتحته كانت ما تزال بساتين الليمون تغطي المنطقة من المدينة حتى شاطيء البحر غربا في مدينة الميناء. فأمر بشق طريق مستقيم يصل المدينة الناشئة بالميناء، حيث مرفأ تاريخي، وحمل الشارع اسم الوالي وما يزال أحد أهم شوارع المدينة ويعرف باسم شارع "عزمي".

ويمكن اعتبار المنطقة الوسيطة من طرابلس هي التي تمتد بين خط المنطقة القديمة، وخط البولفار . 

  • طرابلس: مدينة الحقب التاريخية
    شارع عزمي المستقيم

 

القسم الحديث

  • بولفار طرابلس يشقها من شمالها إلى جنوبها
    بولفار طرابلس يشقها من شمالها إلى جنوبها

يمتد من البولفار ويغطي المنطقة كلها التي امتدت غربا، واتخذت شكل مربعات، ذلك لأن الشوارع التي شقت طوليا فيها، اتبعت خطا موازيا لشارع عزمي، من جهة الشرق حتى الغرب، والطرق التي وصلت هذه الطرق باتجاه شمالي جنوبي، تمت بطريقة مستقيمة، فتشكلت المدينة الحديثة على شكل مربعات متوازية، وطرق واسعة، وعريضة، جعلت منها مدينة حديثة نموذجية. وقد ساهمت سهولة منبسطاتها بتشكلها على هذا النحو، حيث غابت التعرجات.

ويعتبر هذا القسم الأكبر حاليا، والأكثر تطورا وحداثة، وانضم إليه في العقدين الأخيرين منطقة مستقيمة أيضا، في بساتين المدينة الجنوبية-الغربية، تعرف بمنطقة الضم والفرز، حيث جرى استملاك البساتين، وضمها ثم فرزها من أجل بناء منطقة أكثر حداثة، وتحمل رسميا اسم شارع عشير الداية، رئيس بلديتها السابق.

الميناء

  • كورنيش الميناء
    كورنيش الميناء

عند الساحل الغربي للمدينة، قامت تاريخيا مدينة عتيقة على مرفأ طرابلس، هي مدينة الميناء، وحتى ثمانينات القرن الماضي، كانت ما تزال منفصلة عن طرابلس بمساحات واسعة من بساتين الليمون، لكن الامتداد العمراني للمدينتين باتجاهات متعاكسة، جعل المدينتين متصلتين، وتبدوان مدينة واحدة، بينما تظهر الصور لمشهدها العام الأقدم حتى السبعينات انفصالا بين المدينتين.

تتسم الميناء بكورنيش بحري جميل، وتجمع طابع المدن القديمة الضيقة الممرات، والمتواصلة الأبنية، حتى أواسط القرن الماضي عندما بدأ العمران الجديد يمتد خارج النطاق القديم، وبات الطابع الجديد للميناء هو الأكبر، متشكلا حول طريق مستقيم من الشرق حتى البحر غربا، يعرف بشارع بور سعيد بطول كيلومترين تقريبا، وهو موازٍ في اتجاهه لشارع عزمي وبقية الطرق المستقيمة في طرابلس.

البداوي

  • بركة البداوي التراثية
    بركة البداوي التراثية

شمال المدينة، نشأت مدينة جديدة منبثقة من حارة صغيرة، تعرف بالبداوي، وكانت الحارة قائمة حول بركة للمياه، وقربها مسجد اثري، وعين ماء غزيرة. تطورت البداوي بالتدريج، وأصبحت مدينة مستقلة تبدأ من أول باب التبانة، وحتى مصفاة طرابلس لتكرير النفط المتوقفة.

القلمون واتحاد بلديات الفيحاء

  • ساحة القلمون
    ساحة القلمون

ونشأت مدينة القلمون خمسة كيلومترات جنوبي طرابلس، وقامت على زراعة الليمون، والرمان، وفاكهة مختلفة، واعتمدت اسلوب تصنيع المنتجات الزراعية، وكان خط طرابلس- بيروت الأول يمر في سوقها، لكنه تحول مع شق بولفار طرابلس بيروت أواسط ستينات القرن المنصرم.

ونظراً لرائحة زهر الليمون التي كانت الأجواء تعبق بها، عرفت طرابلس بالفيحاء، وتشكل اتحاد بلديات للمدن الثلاث: طرابلس، والميناء، والبداوي، عرف باتحاد بلديات الفيحاء، وما لبثت أن انضمت القلمون إليه في السنوات القليلة الماضية ليضم الاتحاد المدن الأربعة التي تكاد تشكل مدينة واحدة بتواصلها.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت