هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

ما رصدته قساطلي في زياراتها لطرابلس لا يُشكِّل إلا نموذجاً بسيطاً مما تختزنه المدينة من تراثٍ مُتراكمٍ عبر مختلف العصور.

  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

إنها طرابلس، وهي الفنانة هدى قساطلي. جاءت توثِّق مدينةً عصيّةً على التوثيق لما تزخر به من حقائق، وعوالِم، وتواريخ، مُكعَّبة الأبعاد، فإذا بكاميرتها توثِّق مشاعرها عبر بعض مما التقته في المدينة.

عبرت المدينة مراراً، لكن طرابلس، على الرأس الممتد في البحر، تقبع عليه كألوان الزهر، يجذب جماله الباحثين عن الجمال، والهوى، والشَغَف، فانجذبت إليها كل الشعوب التي مرَّت شرقي المتوسّط، ولم تخرج منها إلا تاركة بصماتٍ كثيفة، وآثاراً لا تُمحى. 

والعبور، كعبور الفنانة، مهما تواتر، لا يكفي لصوغ مدينة طاعِنة في التاريخ بكل حقائبه المؤرَّخة، وغير المؤرَّخة. ربما لم تشأ قساطلي توثيق المدينة، على ما يبدو مما اتّخذته منها مرآة تعكس مشاعرها وهي تتفاعل فيها، ومع مواقعها، ووقائعها.. مع حياتها الصاخِبة بهدوءٍ، حيناً، وبضجيجٍ قاتلٍ أحياناً. 

في تعليقٍ لـــ "غاليري أليس مغبغب" المُنظّم تبريراً لمعرضه، يتحدَّث عن "طرابلس الشرق، المدينة التعّددية"، وهو عنوان المعرض، ويقول: "من الإغريق إلى العثمانيين، مروراً بالرومان، والفرس، والصليبيين، والمماليك، نجح أبرز الغُزاة في تاريخ المشرق في التعامُل مع طرابلس الشام، التي أطلق عليها الأوائل إسم "تريبوليس"، وقد تحوَّلت المدينة على التوالي من مقاطعةٍ رومانيةٍ، إلى عاصمةٍ بيزنطيةٍ، ثّم مرزبة فارسية، فناحية صليبية، فجند مملوكية، ثم ولاية عثمانية".

وقساطلي الشغوفة بفن التصوير، والمولَعة بــــ "لمعات" اللحظة، مرت في المدينة، ولامست بكاميرتها بعضاً من بريقٍ التمعَ في عينيها بلحظةٍ خاطفةٍ، فكان معرضها الذي قبضت له على 41 لمعة، هي اللوحات التي عرضتها على منصَّة الموقع الالكتروني للغاليري، ذلك أن مُنظّمه "غاليري أليس مغبغب" شاءه الكترونياً افتراضياً في مرحلةٍ لم تخرج من الحَجْر.

وقد تبنّى الغاليري الفنانة قساطلي لتكون ضيف عامه الفني 2020، في أربعة معارض فصلية، وكمحطّةٍ من المحطات الأربع معرض واحد واقعي في فصل الشتاء الماضي، بعنوان: "الدالية: الشاطيء المُعرَّض للخطر"، في إشارةٍ إلى رأس العاصمة بيروت في المحلة المعروفة بالروشة، والثاني، افتراضي، في فصل الربيع، راعى إجراءات الحَجْر، وكان موضوعه اللجوء، بعنوان: "مخيّمات اللاجئين في لبنان: عبء العَوَز والحِرمان".  

معرض قساطلي الحالي لم يكن وقعة تصوير، بل جرى في فتراتٍ مختلفةٍ من مراحل المدينة، بين أعوام 1990 و2020، وتُعرَض أعماله للمرة الأولى. وانقسم المعرض إلى ثلاثة أبواب: هندسات جمعية، وحِرَف حيّة، ونكهات مُتمازِجة.

  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

في "الهندسات الجمعية" (Multiple Architectures)، اختارت قساطلي بعضاً من أجزاء مواقع تاريخية في المدينة القديمة، والوسيطة، من مشاهد تُقارب روحية الشرق المُتفاعِلة مع الحضارات المُحيطة، تجسَّدت في بعض شبابيك، وقناطر ثلاثيّة، من مواقع مختلفة أغلبها مُتآكل، لكنه يُعبِّر عن زهوٍ ماضٍ، في مواقع مشهورة من أبرزها سيّار الدرك، وقصر كاتسفليس، ومُختارات من مبانٍ، هي كثيرة ومُنتشرة في مختلف المناطق التاريخية، من قصورٍ ودورٍ منها المملوكي كدار الأمير قرطاي، والعثماني كبقايا سراي بني سيفا الذي أصبح لاحقاً قصر بربر آغا، وبيوت وقصور أكثر حَداثة مزجت العثماني بالحديث، كقصور عدرة، والانجا، والنملي، ومنقارة، والأدهمي،  بلوغاً إلى مباني ساحة التل التُراثية، وغيرها الكثير مما لا يُحصى.

أما في "الحِرَف الحيَّة" (Living Crafts)، فلا يسع الإنسان إلا العبور على الفواخير الميناوية، والحدَّاد العربي مُتّشحاً بسواد دخان الفحم المُذيِّب للحديد باتقاده، والقشَّاش يُقشِّش الكراسي التقليدية الصامِدة بوجه البلاستيك، إلى السنكري، فالحفَّار، والندَّاف، والخيَّاط، بلوغاً إلى ما لا مفرّ منه وهو صناعة الزوارق حيث كانت المدينة مصنع أساطيل بحرية، وتجارية عبرت المتوسّط إلى مرافئه، ومدنه الشاطئية.

  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

ولما تعذَّر الاستمرار في الغَوْص بالتصنيف، شملت قساطلي مجموعة من المُشاهدات ب"نكهات مُتمازِجة" (Multiple Flavors)، كأنها استمدَّت التسمية من عبورها في سوق العطَّارين، وما ينبعث فيه من دكاكين ملأى بالزهور، والنباتات العُطرية التي تُسْتَخْدَم للمُعالجات الصحية المختلفة، والتي اعتمدها الشرقيون قبل ظهور الطب الكيميائي الحديث.  

  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

وتظهر قساطلي في "النكهات المُتمازِجة"، المُخلَّلات، والحبوب المُتنوِّعة، وقد اشتهرت في طرابلس حبوب مسلوقة حد الذوبان، مُنكهَّة بماء الزهر، وللتحبّب أسميت بــــ"الحبايب"، وفيها الحمص، والقمح، والذرة، إلى الترمس المُنظِّم لسكَّري الدم، والمُكسَّرات المُتنوِّعة بنكهاتٍ غير محصورة، فالتوابل، مطحونة أو بلا طحن، تبعث روائح شهيّة حيثما وجِدَت، فبلح النخيل المُترافِق مع تاريخ المدينة.

ولئن كانت هذه اللقطات مُختارات قساطلي في زياراتها، وجولاتها المُتكرِّرة على المدينة، وفيها، فإن ما رصدته لا يُشكِّل إلا نموذجاً بسيطاً مما تختزنه المدينة من تراثٍ مُتراكمٍ عبر مختلف العصور، ما يؤكِّد أن الفنانة كانت تتحسَّس ما في المدينة من جمالاتٍ وثراء، عبَّرت عنها بنماذج بسيطة، ومحدودة، لكنها تعي غِناها.

  • هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان
    هدى قساطلي بكاميرا طرابلسية: مدينة توثق مشاعر الفنان

يختم تعريف الغاليري بالمعرض بالقول: "من هذا الماضي المجيد، احتفظت طرابلس بحيويّتها العالمية، مُتجسِّدة في مدينةٍ تلتقي وتتعانق فيها الديانات، والثقافات، والإثنيات، والتقاليد المُتدفّقة من شواطىء أخرى، واقعة على البحر الأبيض المتوسّط، من داخل بلاد الشام إلى عتبة آسيا الوسطى". 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت