المنزل حصن من الوباء.. عودة إلى عالم بجدران

صار الحَجْر الصحّي في المنازل مسألة حياة أو موت. إليكم بعض تجارب الشباب العربي الذين اكتشفوا ما هو جديد أثناء فترة الحَجْر.

  • المنزل حصن من الوباء.. عودة إلى عالم بجدران
    المنزل حصن من الوباء.. عودة إلى عالم بجدران

"المنزل بكامله هو أكثر من مكانٍ للسكن، إنه كائن حيّ، فهو يُضاعِف ويُحدِّد شخصيّة ساكِنه". (جيلبير دوران، فيلسوف فرنسي).

"ابق في المنزل" قالت إعلانات التلفاز، واللوحات الطرقية، والإشعارات الصحية التي تضاعف عددها خلال الأشهر الماضية. حال طوارئ عالمية، عنوانها الأول: "تفرّقوا! ابقوا في منازلكم! لا تخرجوا من جدران عزلتكم". هكذا دخلت العزلة إلى كُتيِّب الإرشادات الصحية، وصار الانزواء مسلكاً مألوفاً، لا تنغّصه سوى رتابة الحياة المريضة، ومَلَل لزوم الغرف الضيّقة التي كنا نتحاشاها بالأشغال والإقبال على الملهيات.

مفاجأة لا تُداني التوقّعات. وباء يُحاصرنا بشكلٍ سرابي. حتى خُبراء "منظمة الصحة العالمية"، لم يتوقّعوا أن تعود الأوبئة من جديدٍ بعد مئة عام من انتهاء آخرها، إلى الحد الذي دفع المسؤولة عن متابعة مكافحة الأمراض الوبائية في المنظمة الدولية، لأن تضحك من مشروع كتاب جيف مانوغ ونيكولا تويلي "الحَجْر الصحّي المقبل" الذي بدآه قبل فترة من الأزمة الوبائية الراهِنة، ظنّاً منها بأن الحَجْر الصحّي صار مسألة تاريخية.

هكذا إذاً صار الحَجْر الصحّي في المنازل مسألة حياة أو موت، وتحوَّلت اللوازِم المنزلية إلى مادةٍ استهلاكيةٍ سريعةِ النفاد، وتحدَّدت مساحة اشتغالنا بالجدران الخارجية أو الحدائق المُحيطة، وصارت مكاتبنا ومُحترفاتنا فوق الأرائك أو على أسطح مُسْتَحْدَثة. باختصارٍ، دفعةً واحدة بدأ معظمنا باكتشاف عالم آخر في منزله. قد لا يكون لبعضنا عالماً محبوباً –إذ دخلناه بوَجَلٍ ورهبة- لكن على الأقل، صارت معرفة الفسحة التي كان أسلافنا يولونها اهتماماً أكبر مما نفعل نحن اليوم، أيسر. 

ولأن تجاربنا مختلفة ومُتنوِّعة، سننقل إليكم بعضاً من تجارب الشباب العرب الذين اكتشفوا ما هو جديد أثناء فترة الحَجْر، الأمر الذي يساعدنا في التفكير أكثر بما عشناه أو ربما نعيشه هذه الأيام. 

­­­­­­­دروس في الطبخ 

صهيب حجاب- الجزائر

أزمة كورونا كانت الفرصة الحقيقية لأكتشف شَغَفي الكبير بالطبخ. لطالما كان عندي تخوّف وهاجِس من إعداد مختلف الأطباق، لأني كنت أعتبرها أمراً صعباً. عملت على التنافُس مع الأصدقاء من شمال أفريقيا لكي نساهم في إعداد الأطباق. أذكر وقتها، بدأت في البحث عبر الأنترنت عن مختلف قنوات "اليوتيوب" المُختصّة في الطبخ، من قنواتٍ مغربيةٍ وجزائريةٍ وعربية. بدأت أكتب الوصفات في كُتيِّبٍ خاص ثم أكتب مراحل التطبيق في ورقة قصيرة آخذها معي إلى المطبخ. نجحت في إعداد أطباق جزائرية كحساء الخضار، وشوربة فرميسال، وطاجين دجاج قسنطيني، والحميس الحار، شطيطحة دجاج، وأيضاً الحلوى كفلان شوكولاطة وكريمة كراميل بالقهوة، وأيضاً الفانيلا. خرجت بدروسٍ كثيرةٍ في الحَجْر الصحّي.. استثمرت نفسي في الطبخ وهو انطلاقة نحو شغف جديد في المجال.

العمل يكتسب شكلاً جديداً

هديل الطوالبة - الأردن

بالنسبة إلى عملي كصحافيةٍ مستقلّةٍ لم يكن تأثير جائحة كوفيد-19 كبيراً، لاعتيادي العمل من المنزل، لكن ما اختلف قليلاً هو طول فترة العزل المنزلي في الأردن (3 أشهر ونصف الشهر) من دون التواجد في الميدان، وإجراء المقابلات.

 لذا، حاولت التأقلم والاستفادة قَدْر الإمكان من فترة العزل بتطوير وتعلّم المهارات والأدوات الصحفية "أونلاين". وكصحافيةٍ تعمل في المنزل زادت نسبة اعتمادي على مواقع التواصُل الاجتماعي والمصادر المفتوحة بشكلٍ أكبر، وهذا ما لجأت إليه في تركيزي في التقارير ذات الطابع الدولي، وتواصُلي مع المصادر عبر الوسائل المُتاحة والمُتوافرة لديهم بحسب ظروف كل دولة. 

العزل غيَّر مفهومنا للعمل وأعاد تشكيل سوق العمل بطريقةٍ لم نعهدها من قبل، وساهم في تحقيق التوازُن بين الحياة الشخصية والعمل، عدا عن مرونة العمل والقدرة على تنظيم الوقت والتمتّع بقَدْرٍ أكبر من الاستقلالية.

 يوميّات جديدة

أمنية شكر - مصر

منذ حوالى عام، كنت أشعر أنني في سباق مع الزمن؛ أعمل كثيراً وكأني أركض من أجل الوفاء بالأقساط الشهرية. وكان لديّ شعور دائم بالحنين إلى الحياة التقليدية، والاستمتاع بالنوم لفتراتٍ طويلةٍ أو قضاء ساعات أمام التلفاز الذي ألقي عليه نظرة سريعة خلال العطلة الأسبوعية، حتى أصبح البقاء في المنزل أمراً واقعاً بسبب جائحة كورونا.

بعد حوالى أسبوع من العمل في المنزل لم أشعر بالمَلَل كباقي صديقاتي. على العكس تماماً، كان فرصة عظيمة للقيام ببعض ما افتقدته على مدار أعوام وبعض ما تمنّيت، فأصبحت أتناول فطوري مُتعدِّد الأطباق على مهل، وأنام جيّداً وأجلس مع أمّي وأبي، لكن التجربة الأهم هي العودة إلى الطّهي الذي هَجَرته لسنواتٍ حتى أصبحت الفرصة سانِحة لإعداد بعض الوجبات. الطّهي بمثابة وصفة سحرية للقضاء على المَلَل وتحسين الحال النفسية السيّئة، لقد أصبح الملاذ بالنسبة إليّ في أيام الحَظْر الطويلة. "الآن حان الوقت لإعداد كيكة البرتقال الشهيّة"، أصبحت بارِعة في إعداد الكيك بنكهاتٍ مختلفةٍ، وتعلّم أصناف جديدة كان بمثابة تحدٍّ كبير، حيث أتقنت الطّهي وفنونه، ما اعتبرته مكسباً حقيقياً وعلاجاً سحرياً لحال الوحدة وغياب الأصدقاء وصَخَب الحياة الذي اعتدت عليه.

اكتشاف الذات

غفران مصطفى - لبنان 

لم تُعد فترة الحَجْر بالنسبة إليّ فكرة البيت وحسب، بل جعلتني أيضاً أعيد فَهْمَه و"أسكنه" من جديد، كأنني أتعرَّف على هذا المكان الساكِن والدافئ للمرة الأولى. عشت حياتي بحثاً عن معنى البيت وهذه الدهشة الجميلة التي تستيقظ وتعود إليها كل يوم، حتى تعتادها ولا تعود تلتفت إليها لكنها لا تسرّحك من ألفتها. كان لفترة الحَجْر تأثير كبير في إعادة انتمائي لبيتي. بعدما جهدت في الماضي في تعريف هذا المكان، جرّاء ظروف عائلية اضطرتني أن أسكن في منزل جدّي وجدّتي، ولم أكن أفقه مكاناً خاصاً بي وحدي، أنا وعائلتي الصغيرة. 

تأثير فُقدان الانتماء إلى البيت، ينسحب على كل شيء، من تجارب حياتية وقرارات وعلاقات. لكن الحَجْر ساعدني على أن أبقى في بيت عائلتي الجديد الذي انتقلنا إليه منذ 3 سنوات لساعاتٍ أطول، إذ إن ما صعَّب عليَّ أن آلف بيتنا الجديد وأتعرَّف على كيفيّة التعامل معه هو أنني أقضي وقتاً طويلاً خارجه في أوقات العمل. ستكتشف أن البيت فكرة، لا غرفاً ولا جدراناً. هو أن تتعرَّف على نفسك من جديد، أن تخلص أنه المكان النهائي الذي لا تبرّر فيه أيّ شيء. أنك حال اعتدّ عليه ستجد صعوبة في الخروج من جديد لساعاتٍ طويلة، لأن عالمه المُريح يساعدك على أن تهدأ من الداخل، لينسحب هذا الهدوء من جديدٍ على التجارب والقرارات والعلاقات.

محمد مهدي عيسى

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب