عام على "كورونا".. ثأر الطبيعة الذي خَلْخَل المجتمعات

غيَّر "كورونا" علاقاتنا داخل الأسرة وفي العمل ومع الأصدقاء والأقرباء. ترى أي شكل ستكون عليه العلاقات الاجتماعية بعد الوباء؟

  • عام على
    عام على "كورونا".. ثأر الطبيعة الذي خَلْخَل المجتمعات

غيَّر كورونا معالِم العلاقات الاجتماعية، في الأسرة الواحدة، وبين زملاء العمل، وبين الأقارب والأصدقاء، بحيث تنطبق عليه مقولة "ما اجتمع إثنان إلا وكان كورونا ثالثهما". فقد أرخت الجائحة بظلالها على العَقْد الاجتماعي برُمَّته، بما فرضته من ظروف العزلة والحَجْر الصحّي، وتغيير البنية النفسية للأشخاص. لكن إلى متى سيستمر هذا التأثير والنفوذ على النظام الاجتماعي والنفسي للناس وعلاقاتهم؟ وأيّ شكلٍ يمكن أن يكون للعلاقات الاجتماعية بعد "كورونا"؟ وكيف تأثَّرت السياسة بذلك؟ هذه النُقاط سيحاول هذا التحقيق تفنيدها والإجابة عنها.

****

يقول المغربي إدريس هاني في تصريح لــ الميادين الثقافية: "بعد عام من تفشّي كوفيد 19، نواجه حالاً من استيعاب الصدمة. فقد حصل تكيُّف مع إجراءات الحَجْر الصحّي، ودرجة التوتّر تراجعت، كما تراجع مُعدَّل الرّهاب من مصير المجموعة البشرية، ما يعني أنّ المجتمعات تجاوزت حال الهَلَع.

لكن "كورونا" أحدث تحلُّلاً في البنيات النفسية والاجتماعية والسياسية داخل المجتمعات، وأحدث أثراً دخل منطقة اللاّوعي، وهنا يكون للتأثير نمط مختلف عن التأثيرات الواعية المباشرة التي حصلت في بداية الصدمة. فاللاوعي الجَمْعي العالمي تلقَّى صدمة كبيرة عزَّزت انطباعاً بعدم وجود ضامِنٍ عِلمي حاسِم يحول دون تعريض الصحة العامّة لوباء. تماماً كما كان يُصيب البشرية في القرون السابقة.

لقد ضُربت البشرية في كبريائها الحضاري، ما أعاد للطبيعة سلطتها، وأصبحت فكرة "بيكون" عن السيطرة على الطبيعة محلّ رَيْبة، فالطبيعة أكَّدت بأنها تحتفظ بأسلحةٍ فتّاكةٍ لا زال العِلم يُسجِّل أمامها حيرة تشبه حيرة القُدامى أنفسهم".

ثأر الطبيعة

يوضِح صاحب كتاب "فيلو كورونا" قَيْد الطبع، أن ثأر الطبيعة وارد هنا، وهو يُعزِّز من الشعور البطرياركي لمفهوم الدولة والسلوك السياسي. ذلك أن ثأر الطبيعة يتجاوز في حِدَّته ضمن أزمنة الوباء، الشروط الأكثر هدوءاً لإقامة عَقْدٍ اجتماعي على قاعدة التطلّعات المثالية التي سنجدها عند فلاسفة العَقْد من أمثال روسو.

ويقول: "هنا يمكن استحضار مفهوم حجاب الجهل الذي تحدَّث عنه "جان راولز" مُعزِّزاً فكرة العَقْد الاجتماعي، وهو الذي يجعل أشكال التعاقُد الأبوية في عصر الوباء، التي خضعت لاختبارٍ كبير، تقوم على تعاقُد طبيعي تقدحه الحاجة البشرية العامة للصحة. ففي عملية تدبير الصحة وحتى لما نتحدَّث عن تدبير اللقاح، سيكون للدولة دور كبير، إذ نحتاج إلى عدالةٍ صحية، تأمين اللقاح وتوزيعه، ضمانات وسياسة اجتماعية. هذا يعني أنّ العََقْد الاجتماعي سيتصالح مع الطبيعة وسيرضخ لقوانينها، وسيُدرك البشر بأنهم لم يكونوا يوماً سادة الكون والطبيعة، فلا بدَّ من التعاقُد على أسُس أخرى، وعادة التعاقُد مع الطبيعة هنا يأخذ مفهوم عقود الإذعان".

وحينما يصبح للصدمة أثر في اللاّوعي الجَمْعي للأمم، فهذا حتماً سيترك أثراً على العلاقات الاجتماعية، كما يؤكِّد هاني، وسيستمر البشر في الحَذَر من القُرب لفترةٍ طويلة، فعام كامل من الإجراءات الصحية ستجعل الناس في حال حذر إلى حين.

سيتطلّب الأمر سنوات لكي تعود الأمور إلى طبيعتها بفضل النسيان الجماعي. ربما يتعلَّق الأمر بجيلٍ جديدٍ لم يشهد يوميات الوباء، ويضيف المُفكِّر المغربي: "لذا نحتاج إلى إعادة قراءة الواقع الاجتماعي والنفسي بعد "كورونا"، لأنّه لن يكون استمراراً طبيعياً لما سبق. وربما سيزداد كبرياء البشر متى تمكَّن اللقاح من أن يخرجهم من حال الوباء، وسيتحدَّثون في المستقبل عن ذاكِرة الوباء الفتَّاك، ستكثُر أقاصيص وربما أساطير مُستقبلية حول كوفيد 19، هناك صوَر موثَّقة وآراء وقضايا ستشكِّل مساحة للآداب والفنون، سيقرأ جيل المُستقبل عن "كورونا" في الآداب القادمة تماماً كما قرأنا عن الطاعون في رواية ألبير كامو".

وَهْم التفوّق البشري

اللبنانية سناء الجميل المُجازة في عِلم الاجتماع وعِلم النفس الاجتماعي والمُعالجة النفسية التحليلية تقول في تصريحٍ لــ الميادين الثقافية: "لقد أسقط فيروس "كورونا" وَهْم التفوّق البشري بالسيطرة على المرض والطبيعة، وأصاب في الصميم النرجسيّة الجماعية العِلمية. كما أسقط الفيروس الصوَر النمطية للمجتمع الغربي على أنه الأرقى والأكثر عدالة، ومن الأمثلة على ذلك مَنْع المساعدة الطبية لمُصابي "كورونا" بعد عُمرٍ مُعيَّنٍ في بعض البلدان أو مساعدة كوبا الإنسانية والطبية للدولة الإيطالية (وهي دولة خارج حلبة الليبرالية والديمقراطية الغربية)، في حين تناهشت الدول الأوروبية المجاورة على المساعدات. ما جعل الغرب عموماً والدول الأوروبية تحديداً المعروفة بدول الرفاه والخدمات الاجتماعية تُعيد قراءة ذاتها. لطالما بقيت هذه الدول المعروفة بالديمقراطيات العريقة بعيدة عن هذا التساؤل في التاريخ المُعاصِر كون أنظمتها الاقتصادية قامت على نَهْبِ دول العالم الثالث بشكلٍ مُمَنْهَج وخفيّ إلى أن أظهر الفيروس هشاشتها وطبعاً سقوط صورة الدولة "الأمّ" في الوعي الجَمْعي للأوروبيين. أضف إلى أن هذا الوضع الاقتصادي المُتفاقِم على دول الغرب زاد من حدَّة تحكّمها وهيمنتها على الدول الأكثر فقراً". 

ومن التحديات التي فرضها "كورونا"، بحسب الجميل، الانعزال داخل الأسرة الواحدة، والخوف الدفين من الآخر، وفي الوقت ذاته الخوف عليه لأننا نحبّه، وأقصى أشكالها تجسَّدت في حالات الموت بعزلة كاملة، وخاصةً لدى المجتمعات ذات الدفء الاجتماعي المُتجذِّر فيها.

ويُضاف إلى تلك التحدّيات الخوف المُتبادَل ما بين الجهاز الطبي وعلاقته مع المريض، وبين المجتمع عموماً مع الجهاز الطبي، وكل ذلك، كما ترى الجميل، زاد من الضغط النفسي ومن منسوب العُنف والغضب، بناءً على النظرة التحليلية الفرويدية، لا سيما في ظلّ الخوف من الموت، وعدم الأمان، والارتهان للمجهول، التي تتفاقم في مجتمعات يسودها القلق أساساً، بحُكم الحرب والتدهور الاقتصادي الكبير والسريع. 

شيزوفرينيا جماعية

وتضيف الجميل: "بسبب "كورونا"  ارتفعت نسبة الاعتماد على الأدوية المُهدِّئة، إذ زادت حدَّة الوسواس القهري وزاد عدد المُصابين به، لا سيما لدى أولئك الذين حُجِروا طويلاً. كما تمّ تلمُّس المزيد من عوارِض عقدة الاضطهاد والشيزوفرينيا، إذ زاد الخوف من الإصابة بالفيروس، وبات هناك رُهاب جماعي فيما إذا كان "كورونا" فيروساً طبيعياً أم مُصنَّعاً؟ وإن كان اللقاح المُكتَشف هو للمُعالجة الحقيقية أمْ للاستثمار الاقتصادي؟ وهو ما يزيد حال الانفصال عن الواقع، بحيث نصبح ضمن ما يشبه "شيزوفرينيا جماعية": دول العالم الأول خائِفة من إشكالية اللقاحات وجدواها، ودول العالم الثالث خائِفة من أن تتحوَّل رعاياها إلى فئران تجارب". 

أما على الصعيد الاجتماعي فتوضِح الجميل أن: "العائلات لديها إشكالياتها بالأساس، وعندما يُفرَض عليها الحَجْر ضمن مساحة ضيِّقة لوقتٍ طويل، ترتفع نسبة الاحتكاك العلائقي ويخرج معظم المكبوت من تحت السيطرة، ويصبح الغضب المُتبادَل واقعاً مُعاشاً بشكلٍ مُتكرِّر. فما كان يمكن تجاوزه بالخروج من مساحة الاحتكاك الانفعالي العائلي القريب إلى العائلي الأبعد أو الاجتماعي أصبح مع "كورونا" خارج النقاش. أما بالنسبة إلى الشباب والمُراهقين فليجأون إلى العالم الافتراضي كمُتنفَّسٍ أخير، وهنا عدَّة طبقات للمشكلة، أولاً أن هذا الجيل مُتغرِّب عن محيطه، بمعنى أنه متماهٍ مع الغرب، ويبني عالماً وهمياً له من خلف الشاشة، لدرجة أن ذاك العالم بات حقيقته أضف التعليم عن بُعد، واللعب عن بُعد (gaming)، ومجموعات المواعدة، وحتى العلاقات الجنسية باتت أونلاين، بمعنى آخر انتقال الفرد من العيش في الحياة الحقيقية إلى معاشٍ وَهْمي حقيقي، وما يزيد الشَرْخ عن الجيل الأقدم هو أن التطوّر أسرع من قُدرتنا على اللحاق به، وجاء "كورونا" ليزيد الغُربة والعُزلة ويخلق نمطاً جديداً من العلاقات لا نستطيع تلمّس جميع ملامحها بعد، كوننا في قلبها مباشرة.

وتردف المُعالجة النفسية التحليلية: "مع كل ذلك لا نستطيع أن نقول عن "كورونا" بأنه شرّ مُطلَق، فمن حسناته أنه أعطانا الوقت لنُعيد النظر بمشاعرنا وخوفنا وأولويّاتنا في الحياة، وحُكماً تبعاته ستنتهي عاجلاً أم آجلاً. فالإنسان يميل إلى التعاطي مع الآخر بشكلٍ مباشر، لاسيما في مجتمعات ما قبل الصناعة الثقيلة كمجتمعاتنا، حيث كل فرد مُرتبط بعائلته بالدرجة الأولى، وليس بالنقابات والأحزاب والدولة بشموليّتها، ولذا فإن سؤال: هل ما بعد "كورونا" هو غير ما قبله، غير جائِز في مجتمعاتنا، إذ إن هذا الفيروس سرَّع الأمور ولم يُغيِّرها جذرياً. وأخيراً وليس آخراً يبقى أن أكثر مَن تأثَّر هم أولئك الذين فقدوا عزيزاً عليهم، إذ اختلفت طبيعة حياتهم بالمُجْمَل".

اللوياثان المُعاصِر

من جهتها تُعيدنا هلا أحمد علي، الحائِزة على دكتوراه في العلوم السياسية والاجتماعية من جامعة إيرلانغن نيورنبرغ الألمانية، تعيدنا في حديثها مع الميادين الثقافية عن المستقبل ما بعد "كورونا"، إلى توماس هوبز وتعريفه للعَقْد الاجتماعي في كتابه "اللوياثان". إذ طرح مفهوم الدولة كتعاقدٍ اختياري يقومُ به الناس من أجلِ تشكيل نظام يُحقِّق لهم الحماية والأمن وتنظيم المجتمع، ولو تخلّوا في سبيل ذلك عن حقوقهم وحريّاتهم لصالح الدولة.

وتقول: "إذا أجرينا قياساً بسيطاً على ما تقوم به الدول بعد "كورونا"، سنجد كم تعرَّض العَقْد الاجتماعي إلى تهديد خطر في ظلّ الوباء والسياسات الدولية حياله. وسنجد أن الدولة تحوَّلت إلى أداة تقريع ولوم للأفراد على نحو يُلقي بالمسؤولية كاملة على عاتقهم، من أجل بَسْطِ سيطرة أكبر وقمع أكبر. لذا بات اليوم عادياً أن تقنعنا الاستراتيجية اللاأخلاقية العالمية أن الحل سيكون عبر التضحية بالفئة الهشَّة غير المُنْتِجة، من الطاعنين في السن، الذين ينتمي أغلبهم إلى المُتقاعدين، الذين يُعدّهم بعض خُبراء الاقتصاد مُجرَّد مجموعة غير نشيطة تُثْقِل كاهل الموازنات المالية، وتُمثّل عبئاً على مؤسَّسات الحماية الاجتماعية والصحية، وعلى المؤسَّسات المالية العالمية". 

ثم تتساءل هلا: "هل يرى النظام العالمي اليوم في الأفكار التي طرحها توماس مالتوس قبل قرنين حلاً منشوداً، ليس لأزمة "كورونا" فحسب، بل للأزمات الاقتصادية التي اجتاحت العالم أجمع. ألم يُحذِّرنا مالتوس في كتابه "مقالة حول مبدأ السكان" من الوصول إلى الكارثة الحتميّة؟ والتي ستتجلَّى في اختلال التوازُن بين عدد السكان وحجم الموارد الغذائية، ما يُنْذِر بمشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة من فقرٍ وجوع، وبروز لظواهر مجتمعية سيِّئة كالتشرّد والتسوّل واحتراف النَصْب والسرقة. ويرى مالتوس أن هذا سيحدث لا محالة إلا إذا تمكَّنت الحروب والمجاعات والأوبئة، وكوارث الطبيعة من تقليص ذاك الاختلال. وهنا يُقدِّم مالتوس حلاً لتتدارك المجتمعات نفسها، يتجلَّى في أن تتوقَّف الدول عن مُساعدة الفئات غير المُنْتِجة، فما تعجز عنه قوانين الطبيعة عبر تفشّي الأمراض والمجاعات وكثرة الحروب ستتمّمه الدول لردم الهوَّة وإصلاح الخََلل. لكن كيف يمكن للدولة أن تُسهم في إنقاص الأعداد البشرية؟

هذا ما يعود بنا إلى هوبز ولوياثانه المُخيف الذي يرمز إلى الدولة، أو بحسب الأدبيات الغربية، إلى كل كيان هائل من الكيانات التي تسيطر على حياتنا والتى لا قِبَل لنا بها كالبنوك والأعلام والبورصة وغير ذلك. ألم تكن كل تلك الكيانات المُساهِم الأكبر في تفشِّي الهَلَع من "كورونا"؟ ألم يطرح ترامب علناً أن الدولة لن تقوم بمُساعدة المُصابين بفيروس "كورونا" من المُسنّين والضُعفاء والمُعوّقين وأن أمرهم متروكٌ لمناعتهم، في حين أن العِلاجات ستكون مُخصَّصة للفئات المُنْتِجة التي لا زال دورها في المجتمع حاضِراً ومؤثّراً. 

تهديد الديمقراطية

وتتابع الدكتورة المُحاضِرة في "جامعة تشرين" السورية: "استطاع "كورونا" أن يُصيب مفهوم العَقْد الاجتماعي في الصميم عبر تهديده الديمقراطية. وهذا ما نبَّه إليه نعوم تشومسكي مُعتبراً أن الإجراءات الاستثنائية التي تُطبِّقها الحكومات من إغلاق للحدود الداخلية والخارجية، وحَظْر التجوال في بعضها، واستخدام الجيش في تطبيق إجراءات العَزْل، كما حدث أو يحدث في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا ودول أخرى عديدة، سيتسبَّب بتدهور الديمقراطية والنزوع إلى الاستبداد في كثيرٍ من مناطق العالم. ومهما كان الوضع الراهِن خطراً، فإن العالم ما بعد "كورونا" أشدّ خطراً".

 

بديع صنيج

صحافي من سوريا