"باتريارشي برودي".. حكاية بُركة تاريخية ألهمت بولغاكوف

في الأزمنة الوثنية أغرق الكهنة ضحاياهم فيها إرضاء للآلهة، وحضرت في رواية بولغاكوف "المعلم ومارغريتا".. تعالوا لنتعرف على "بُركة البطريرك".

  • "لا تتحدَّثوا أبداً إلى الغُرباء"

أوّل مشهد ستلحظه عند زيارتك للبركة البطريركية أو باتريارشي برودي كما يُسمِّيها أهل روسيا، لافتة كُتِبَت عليها الجملة التالية: "لا تتحدَّثوا أبداً إلى الغُرباء".

هذه العبارة التي بدأ بها ميخائيل بولغاكوف روايته الشهيرة (المُعلِّم ومارغاريتا) تعني لسكان موسكو رمزاً أدبياً يستحق ان يفخروا به. حيث يتخيَّل بولغاكوف قصّة زيارة الشيطان إلى الاتحاد السوڤياتي آنذاك عندما كان "الإلحاد" هو السائد كما يرى البعض. وقد كانت الرواية قطعة هجائية طويلة وجَّهها الكاتب للنظام السوڤياتي آنذاك وكان لها أثر كبير في أعمالٍ أدبيةٍ أخرى. 

لا تتحدَّثوا أبداً إلى الغُرباء 

في اللغة الروسية يُعرَّف هذا المكان ب патриаршиепруды في صيغة الجَمْع، وباللغة الفرنسية L’étang du Patriarch، وفي الواقع لا توجد سوى بركة واحدة في الحديقة تقع بين شارع كتلوي برونّوي من الجهة الشرقيّة وبولشيم باتريارشيم بيريلوكم من الجنوب.

"ذات يوم ربيعيّ لم يُعرَف لحرِّه مثيل ظهر في منطقة (باتريارشي برودي) في موسكو مواطنان: أحدهما ، ويرتدي بدلة صيفية رمادية اللون ، كان أصلع الرأس قصير القامة ، مُكْتَنِز الجسم، يحمل قبَّعته الأنيقة بيده كما تُحْمَل فطيرة، وعلى وجهه الحليق بعنايةٍ توضَّعت نظَّارة هائلة الحجم ذات إطار أسود معقوف، أمّا الثاني فكان شاباً عريض الكتفين، لونه ضارِب إلى الحُمْرَة، قبَّعته مُربَّعة مطويِّة في مؤخَّرة رأسه، كان يرتدي قميص رُعاة البقر، وبنطالاً مُكرْمشاً أبيض اللون وينتعل خُفَّين أسودين".

بهذه الكلمات تبدأ رواية المُعلِّم ومارغريتا، عندما كان يتحدَّث الكاتِب الشهير بيوليوز رئيس مجلس إدارة أحد أضخم الجمعيات الأدبية في موسكو، التي تُدعى اختصاراً (ماسوليت)، ورئيس تحرير مجلّة أدبية رفيعة، وصديقه الشاب إيفان نيكولاييڤيتش بونيريف وهو الشاعِر الذي يكتب بإسمٍ مُستعارٍ بيزدومني.

أثناء جلوسهما على مقعد، يتجادلان حول وجود يسوع عندما انضمَّ إليهما شخص ثالث، وقدَّم نفسه في وقتٍ لاحقٍ أنّه الأستاذ رولاند، وتوقَّع أن تقطع امرأة روسية وهي عضو في كومسومول، رأس بيرليوز في ذلك الوقت بالذات.

كان الأمر لا مفرَّ منه ؛ لأنّ "أنوشكا اشترت بالفعل زيت عبَّاد الشمس الذي انسكب في الحديقة على بيرليوز" .

عندما غادر بيرليوز الحديقة على عَجَلٍ انزلق على الجليد بزيت عبَّاد الشمس الذي سكبته أنوشكا، انزلق خلف قضبان الترام ، مُستديراً حتى طول الخط الذي تمّ وضعه حديثاً من إرمولايفسكي إلى برونايا، هناك ارتمى جسم داكِن مُستدير تحت الشبكة على مُنْحدرٍ مرصوفٍ بالحَصى ، هذا كان رأس بيرليوز المقطوع .

هذه العبارة هي مفتاح هذا العمل - المُعلِّم ومارغريتا -  ولاند هو الشيطان نفسه، الذي وصل مع حاشيته إلى موسكو لعدَّة أيّام، وهو ما يصفه بولغاكوف في الرواية.

لهذا السبب يُقدِّم لنا بولغاكوف نصيحة جيّدة خُطَّت على مدخل مُنتزه باتريارشي "لا تتحدَّثوا مع الغُرباء".

عرفت بُرَك البطريرك منذ القرن السادس عشر وسُمّيت آنذاك بمُستنقع الماعِز، كما ارتبط إسم هذه البُرَك بالقوى الخارجية التي سادت فيها حسب الأساطير، وأقامت العديد من المؤامرات الشرّيرة للسكان المحليين، كإختفاء الإوز والبط  والحيوانات الأليفة الأخرى باستمرارٍ من دون أيّ أثرٍ في المياه، ثمّ غرق الناس في المُستنقعات من دون أيّ أثرٍ لأجسادهم مع أنها لم تكن بُرَكاً عميقة والأسماك لا تعيش فيها والبجع يسبح فيها فقط خلال النهار ويطير إلى حديقة الحيوانات القريبة ليلاً . 

في بداية القرن السابع عشر انتقل مُستنقع الماعِز إلى حوزة البطاركة وأطلقوا عليه إسم (البطريرك نيس سلوبودا)، وفي عام 1683 أمر البطريرك يواكيم بتنظيف البُرَك وحَفْر الأحواض وتربية الأسماك فيها من أجل المائدة البطريركية. 

بجانب هذه البركة الكبيرة المُحاطة بجسرٍ طويلٍ من المقاعد والأشجار عاش بولغاكوف، وكان هناك وقتها ثلاث بُرَك كما يوحي إسم الشارع المجاور للبركة (تريخ برادنوڤا) وتعني المُستنقعات الثلاثة، وفي عام 1918 جرى تغيير إسم البُرَك إلى بايونيرسكي.

 باتريارشي عام 1913

  • ميخائيل بولغاكوف

على إحدى جوانب باتريارشي بُنيَ البيت الذي وُلِدَت فيه الشاعِرة الروسية مارينا تسڤيتايڤا، وتحدَّثت عنه في مُذَكَّراتها، تقول إنّها بدأت في هذا البيت بكتابة أولى قصائدها حتى جُمِعَت في أوّل ديوان لها بإسم (الألبوم المسائي)، وأثناء الحرب العالمية الأولى سلَّم أخوها أنديه بيتهم هذا للصحة حتى جعلوا منه مُستشفى. وفي سنوات الحرب الأهلية تمّ تفكيك بيت مارينا واسْتُخْدِم خشبه للتدفئة.

وعاش أيضاً في هذا الحيّ الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي وصديقه المحامي الشهير كامورسكي صديق بولغاكوف المُقرَّب.

كما جاء ذِكْر باتريارشي في أعمال ليف تولستوي، حيث يصفها في قصَّته "ليلة الكريسماس" رحلة إلى الغجر: "فجأة توقَّفت مِزْلقة الزلاَّجة.. إلى يساره يمكن رؤية مكان كبير فارغ للمدينة، مُغطَّّى بالثلج وعدَّة أشجار عارية"، سأل المُدرِّب: "ماذا، هل نحن خارج المدينة؟ مُستحيل، بُرَك البطريرك".

اختار بولغاكوف عن قَصْدٍ مكان لقاء شخصيّاته (بيزدومني) و(بيوليوز) في البطريرك، حيث لم يكن هناك في ذلك الوقت مكان في موسكو أكثر ارتباطاً بالتصرّف من المستوطنة البطريركية سابقاً، وكان يُطلَق عليها (مُستنقع كوزمي).

في الأزمنة الوثنية أغرق الكهنة هنا ضحاياهم؛ لإرضاء الآلهة القديمة، وفي المناسبات المُهيبة قطعوا الرؤوس ورموها في البركة، ورُبّما لهذا السبب عانى بيرلويز من هذا النوع من الموت. 

حتى نهاية القرن السادس عشر كان هذا المكان خالياً، وفي بداية القرن السابع عشر تمّ إنشاء مقرّ إقامة البطريرك هيرموجينوس.

علا شحود

كاتبة من سوريا وباحثة في الدراسات النقدية