القموعة: سِحر قاوم قساوة الطبيعة وعدوان المستعمر

بيئة من السحر قلّ نظيرها.. ماذا تعرفون عن "القموعة" في لبنان؟

  • سهلة القموعة تحت الثلوج
    سهلة القموعة تحت الثلوج

اتّشحت "القموعة" بالثلوج، وأظهرت سحراً مُتَجَدِّداً فيها يُضاف إلى سحرها المُتنوِّع، والمُتعدِّد الوجوه، والمُتغيِّر في كل فترةٍ زمنيةٍ من اليوم، أو الشهر، أو السنة. حالٌ نادرة، يتمتَّع بها لبنان، لكنها ما تزال مغمورة مُقارَنة مع بقيِّة المناطق اللبنانية الأكثر شُهرة.

تجمع "القموعة" جمال الطبيعة، وتنوّع طبيعتها الجيولوجية، وأشجارها، ونباتاتها، النادِر منها، والشائِع، وفَرادَتها أنها تحتوي كل ذلك التنوّع في بيئةٍ من السحر قلَّ نظيره.

تعريف

  • ثلوج تُغطِّي القموعة
    ثلوج تُغطِّي القموعة
  • مطعم راتِب عُمران تحت الثلوج
    مطعم راتِب عُمران تحت الثلوج
  •  بُحيرة القموعة وقد تغطَّت بالثلوج
    بُحيرة القموعة وقد تغطَّت بالثلوج

"القموعة" محميةٌ زراعيةٌ، تخضع لقوانين حماية الغابات العامة، ولم ترقَ إلى أن تكون محمية بيئية خاصة لها قوانينها الصارِمة، وهيئة إشراف تُنظِّمها، وتُحافِظ عليها شأنها شأن الكثير من المناطق النائية التي لم تصلها عناية السلطات المُتعاقِبة، وإلا لتحوَّلت إلى إحدى أهمّ وأجمل المواقع السياحية، إن لم يكن في الشرق فحسب، ففي العالم.

وهي تنوّع جبال في أقصى الشمال لسلسلة لبنان الغربية في أعالي عكار. تتميَّز بسهلها الواسع المُنْبَسِط الذي يفوق الثلاثة كيلومترات طولاً، ومثلها عرضاً، على ارتفاع يُناهِز الألف وأربعماية متر عن سطح البحر، قبل أن تتصاعد المنطقة نحو المُرتفعات بلوغاً 2800 متر بالتدرّج.

تحفُّ بالسهلة الجبال من كل الجهات، فتُحوّلها إلى سهلةٍ شبه مُقْفَلة عند الأطراف رغم انفتاحها المليء على الفضاء. لذلك، تتحوَّل السهلة إلى مُنْْبَسطاتٍ فسيحة، مُتمادية بكافة الاتجاهات، ومروج خضراء يانِعة ربيعاً، لكنها في الشتاء تتعرَّض لموجات ثلوج كثيفة فتتغطَّى الجبال والسهلة بالثلوج، وعند ذوبانها تتجمَّع في السهلة حيث لا تتوافر مصارِف للسيول، وتُشكِّل بحيرة واسعة طوال فصل الشتاء، بلوغاً للربيع، حتى أواسطه حيث تكون أرضها قد امتصَّت المياه لتغذية ينابيع المنطقة المُنتشرة حولها إلى مسافاتٍ بعيدة.

أواسط الربيع، وبعد توقّف الهطولات، تجفّ البحيرة، وتتحوَّل إلى مروجٍ خضراء من الأعشاب الطبيعية، فتصبح السهلة قُبلةً لألعاب الخيول، والسباقات، وأنواع من الرياضة المُتنوِّعة المُسْتَحْدَثة في العقدين الماضيين من قِبَل سكان المحيط.

تتمدَّد القموعة من الهرمل شرقاً، إلى الضنية جنوباً، فجبال الرويمة – كرم شباط في القبيات شمالاً، إلى بلدات عكار الجُردية غرباً، وتُطلُّ على آفاقٍ بعيدةٍ في نصف دائرة تجمع المناطق السورية البعيدة شمالاً، حتى أواسط لبنان جنوباً في مشهدٍ ساحرٍ يطلّ من الفضاء على آفاق الأرض وسط الأشجار الخضراء اليانِعة، والطقس البارِد الخفيف، والسكينة شبه المُطْلَقة في عالمٍ آخر قلَّ نظيره.  

تنوّع القموعة

  • غابة العزر في الثلج
    غابة العزر في الثلج
  • غابة العزر في الربيع
    غابة العزر في الربيع
  • سهلة القموعة وقد تحوَّلت بحيرة قبل الثلوج بأسبوع
    سهلة القموعة وقد تحوَّلت بحيرة قبل الثلوج بأسبوع

وصعوداً من السهلة نحو المُرتفعات الأعلى، تنتشر أصنافٌ من الغابات، والأشجار، والنباتات الصغيرة، مُتفاوِتة الأعمار والأحجام، قلَّما تكثَّفت في منطقةٍ أخرى. 

من الغابات النادِرة هي غابة "العزر"، الفريدة من نوعها أقلّه في منطقة الشرق الأوسط. أشجار مُتباسِقة ومُتلاصِقة، تتعرَّى شتاء، وتكتسي بأوراقٍ برَّاقةٍ مُذهَّبةٍ مُتَعدِّدة الألوان، ويعتقد بعض خُبراء النباتات أنها تحوّر وراثي تاريخي لشجرة السنديان، لكنها لم تعد تشبه السنديان في شيء. 

في الغابة أيضاً أشجار، ونباتات، وزهور مختلفة، منها ما هو نادِر بحسب بحَّاثة بيئيين زاروا المنطقة، ومنها ما هو معروف، وُمنْتَشِر في أمكنةٍ أخرى.

أبرز الغابات الموجودة بكثافةٍ في جبال القموعة هي غابة شجر الأرز الكيليكي، وهي غابة مُعَمِّرة وصل عُمر بعض الأشجار فيها إلى 1500 سنة، كما هو ظاهِر في إثنتين منها، نجت من التقطيع لتجاورها و"مقام النبي خالد" القائم للجهة الجنوبية من الغابة. 

وتنتشر أشجار الشوح في مختلف أنحاء القموعة، بطرابينها الثلاثية المُتناسِقة، تغطِّي كافة الأغصان بنَسَقٍ واحدٍ مُتَكَرِّرٍ. جلّ هذه الأشجار حديثة العهد، لا تزيد على المائة عام، لكن سالِفاتها من  الأشجار الضخمة قُطِعَت في مجازر بيئية على يد الجيش الإنكليزي في فترة غزوه للشرق، حيث عَمَدَ إلى تقطيع الأشجار الضخمة، ووظَّف جذوعها في قواعد سكَّة الحديد التي بناها على طول شاطىء شرق المتوسِّط بين تركيا ومصر، ولا تزال بقايا المنشرة التي استُخْدِمَت في التقطيع موجودة في ناحية السهلة الشمالية.

روى حطَّابون مُخَضْرَمون طريقة عملهم في تقطيع الأشجار الضخمة زمن الإنكليز، حيث كان يستغرق إنجاز قَطْع الجذع يوماً كاملاً، باستخدام مناشير طويلة تزيد على الستة أمتار طولاً، يُمسِك حطَّابٌ بطرفٍ منها، وقُبالته حطَّابٌ آخر على الطرف الثاني، لكن الإثنين لا يشاهدان بعضهما طوال النهار بسبب ضخامة الجذوع التي كانت سبباً في عدم سقوط الشجرة عند انتهاء نشر جذعها، فينتظر الحطَّابون حلول الليل حاملاً نَسَماته، تُساعدهم في إسقاط الشجرة أرضاً، وهم يشدّونها في حبالٍ طويلةٍ مُسْبَقة الرَبط من أعالي الشجرة.  

من أشجار الغابة "الكوكلان": شجر مجمم، جميل، نادر، قليل الارتفاع ينتشر في أماكن مختلفة من القموعة وعلى مختلف الارتفاعات بين السهلة والمُنحدرات. 

و"اللزَّاب" هو الشجرة الوحيدة القادِرة على الحياة عند ارتفاع يبلغ ال2400 متر، لا زال كثير من أشجاره مُنتشراً في سهلة القموعة وتلالها، لكن التقطيع طاوَله لاستخدامٍ مختلف، أبرزه استخدام أغصانها الطويلة، والقوية دعائم في سقوف المنازل العتيقة، حيث يتعذَّر دقّ مسمار فيها لقساوِتها، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام العام كأثاث البيوت، أو الأبواب، والشبابيك.  

نشاط مُسْتَجِد  

  • سهلة القموعة صيفاً
    سهلة القموعة صيفاً
  • الطريق العابِر إلى السهلة
    الطريق العابِر إلى السهلة
  • القموعة: سِحر قاوم قساوة الطبيعة وعدوان المستعمر
    القموعة: سِحر قاوم قساوة الطبيعة وعدوان المستعمر

بدأت القموعة تشهد نشاطاً سياحياً في العقدين الماضيين، ويُفيد راتِب عُمران، صاحب مطعم فيها، أن "سكان المنطقة أنشأوا مطاعم، ومقاهٍ، وبُنيت فيها ألعاب الأطفال، كما تأسَّست فيها ملاعب رياضية، أبرزها ميادين سباق الخيل، كما بدأ العمل بمهرجانٍ سنوي لها قبل دخول البلاد أزماتها، فتوقَّف المهرجان، وظلّ الأمر مُقْتَصِراً على المطاعم"، مؤكِّداً أن "مطعمه يفتح صيفاً شتاء غير مُبالٍ بثلوج الشتاء". 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت