الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن الكتابة؟

"مأزق الورقة البيضاء" أو الصمت.. لماذا يخشاه الكتاب؟ وماذا يعني لهم أن يتوقفوا عن الكتابة؟

  • الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟
    الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟

"مأزق الورقة البيضاء" كما يقول الشاعر ملارميه هو هاجس الشعراء جميعهم. ربما يعتبر الكثير من الشعراء أن التوقّف عن الكتابة الشعرية هو مأزق أو أزمة ما، وربما يعتبرها آخرون جزءاً من الكتابة نفسها.

قد يُعيد ذلك من التفكير بعلاقتهم بها بعد توقّف طويل. البعض قد ترك الشعر للأبد كما حدث مع الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، الذي ذهب بالتأكيد إلى مكان آخر وابتعد عنه ليختبره ربما.

يخشى الشعراء هذا الصمت الذي نُسمّيه أحياناً بالورقة البيضاء، وقد يتجاوزونه بالعودة إلى الكتابة كما فعل بول فاليري الذي صمت قرابة 15 عاماً وعاد مُجدَّداً ليكتب قصيدته الرائعة الطويلة "بارك الشابة".

يصمت الشعراء أحياناً لتأمّل عوالم أخرى فيتّجه بعضهم إلى الفن والسينما وأحياناً إلى كتابة الرواية. لكل شاعر عالمه الخاص الذي يرى فيه هذا الصمت ويتأمّله. هذه الأسئلة طرحتها الميادين الثقافية على مجموعة من الشعراء والشاعرات بمناسبة "اليوم العالمي للشعر" وهذه كانت إجاباتاهم.

أنطوان أبو زيد (شاعر وأكاديمي من لبنان): التوقف عن الكتابة موت 

  • الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟
    الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟

بالنسبة لي التوقّف عن كتابة الشعر نهائياً هو أقرب ما يكون مُستحيلاً، بل هو إعلان ذاتي عن الموت الفكري النهائي المُمهِّد للموت الجسماني.

أما التوقّف المؤقّت عن كتابة الشعر فهو أقرب ما يكون حالاً من الكبت أو الحرمان على حدّ قول فيليب روث، أو هو حال من الفراغ القِيَمي والفكري والجمالي الذي يستدعي التمهّل في الكتابة ريثما يستعيد الشاعر تذخير مواده من أجل تجديد استلهاماته.

وفي هذا الشأن يقول شيخ قصيدة النثر بودلير إنه لا توقّف نهائياً عن الكتابة، فإن نضب مَعِين الشعر لا ينضب مَعين الكتابة بعامة، كتابة المقالات. أما التوقّف النهائي عن كتابة الشعر والكتابة بعامة فهو حال موت معنوي وفكري لا يسعني التفكير فيه من هذه اللحظة.

في الواقع، لم أمرّ بهذه التجربة، أي تجربة التوقّف نهائياً عن الكتابة. ذلك أنني بقيت طوال أربعين عاماً منشغلاً بالكتابة في مجالات متبادّة في الظاهر، ومتكامِلة في مآلها الأخير. ولأني بدأت في العشرينيات من عُمري في كتابة القصص، رأيتني أنتقل، من دون قرار عقلاني إلى كتابة الشعر، ومن ثمّ انتقلت إلى تجربة الترجمة التي استغرقت مني وقتاً طويلاً ترجمت في خلاله ما يقارب 30 كتاباً من الفرنسية إلى العربية، ومن ثمّ احتجت إلى الكتابة الأكاديمية لإعداد أطروحتين في الدكتوراه، عامي 1987، و2003، ولكن كتابة الشعر ظلّت الخيار الأكبر بين أنواع الكتابات، إلى أن انتقلت إلى كتابة القصص والرواية.

أما تجربة التوقّف المؤقّت عن الكتابة فقد أضافت العديد من الدروس، أولها أنّ الكتابة تخضع دوماً لإعادة نظر وتقويم لاحق، وأنّ الكتابة ليست عملاً مجّانياً من دون مواد ومُكتسبات يومية، وأنها أحوج ما يكون إلى القراءات المُعمَّقة، والمُتنوّعة، واستخلاص الزبدة المعرفية منها وتحويلها إلى توجّهات جديدة في الكتابة تكون قابلة للتجريب لاحقاً.

بهذا المعنى فإن الكتابة الشعرية هي نتاج الموهبة والمعارف المتراكمة، إضافة إلى الوعي اللغوي والأسلوبي بسائر الكتابات الشعرية المجايلة من أجل أن تأتي الكتابة الشعرية الخاصة بي مبتكرة ومجدّدة. انتهى زمن الوحي الشعري والموهبة المُطلقة والمفردة.

خلود الفلاح (شاعرة وصحافية من ليبيا): كل توقّف عن الكتابة هو دافع للسؤال

  • الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟
    الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟

أنا منذ فترة متوقّفة عن كتابة الشعر، وأعتقد أنها حال مؤقتة بسبب انشغالي بالعمل الصحافي الذي يتطلّب مني هذه الفترة التزاماً بعدد من المواد شهرياً، وفي ذات الوقت هناك نداء داخلي يطالبني بكتابة الشعر وأن أنهى ديواني الجديد وأدفعه للنشر.

ليست هذه المرة الأولى التي أتوقّف فيها عن كتابة الشعر ولكنها الأطول، وفي نفس الوقت أختلس من الوقت للقراءة والبحث عن الكتب التي أحب.

تقول الشاعرة لوكس دوريان "يمكن أن نواجه هذه الحال بكتب الشعر، الروايات، الأفلام، وأصناف جديدة من الطعام، السفر، العلاقات، الفنون، الاعتناء بالحديقة، المدرسة، الموسيقى. في هذه الأثناء استرخِ واكتب بقدر ما تستطيع حتى لو كان ما تكتبه خالياً من الأحاسيس، انتظر بعدها حتى يصفو ذهنك وتصل إلى حال الثراء الفكري وعندما يتحقّق ذلك سيعود الشغف وكذلك القصائد".

في فترة توقّفت عن الكتابة ويمكن اعتبارها جزءاً من الكتابة نفسها أو المحافظة على الشعر. عندما وجدت أن نصوصي بدأت تقترب من بعضها في الفكرة والمفردات، توقّفت عندما لم ألحظ أن هناك تطوراً أو تغييراً في تجربتي الشعرية. كنت أريد أن أقدّم تجربة مختلفة بحُكم التجربة الحياتية والقراءات.

أعتقد أن التوقّف عن الكتابة حال عامة تصيب الجميع، مثل ما يحدث أن يتوقّف قارئ عن القراءة.  

كل توقّف عن الكتابة هو دافع للسؤال، ماذا سأقدّم في المرحلة المقبلة؟ هل سيلاحظ القارئ أن هذه الكتابة الجديدة أكثر معرفة فيها رؤيا وأفكار جديدة؟

سمر عبد الجابر (شاعرة من فلسطين): باب مفتوح للقصيدة

  • الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟
    الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟

التوقّف عن الكتابة بالنسبة لي هو حالة غير إرادية في معظم الأحيان. أي إنّ الكتابة تفرض نفسها عليّ ثمّ تنسحب من دون قرار منّي، لكنّي أرى أيضاً أنّ ذلك مرتبط بعوامل عدّة أهمّها عدم تخصيص وقت للكتابة، والتوقّف عن القراءة. إذ إنّها أحد الحوافز الأساسية للكتابة.

وحين أتوقّف عنها لفترة طويلة، أبتعد عن الكتابة تماماً. لا شكّ أنّ روتين الكتابة والتوقّف عنها يختلفان من كاتبٍ إلى آخر، فبعض الكتّاب يتعاملون مع الكتابة على أنّها جزء من روتينهم اليومي، ويحدّدون وقتاً لذلك، حتى وإن لم يكن ذلك مثمراً دوماً، إلا أنّ التمرّن بشكل دائم أو العمل على مشروع كتاب معيّن بشكل متواصل ينشئ علاقة وطيدة بين الكاتب واللغة.

لقد عشت تلك التجربة أثناء العمل على كتابي الأخير "بين قارّتين"، وقد كان عبارة عن مجموعة شعرية مشتركة مع الشاعرة الأميركية نيكول كاليهان. كنت حينها أكتب بشكل يومي تقريباً وبقرار إراديّ بحت. لكنّي حقيقةً أرى أنّ القصائد التي تأتي إليّ أقوى من القصائد التي أسعى خلفها، ولذلك يشغلني سؤال الكتابة الإرادية كثيراً.  

لا شكّ أيضاً أنّ كتابة الرواية أو القصة القصيرة تختلف عن الشعر، فالأولى أشبه بضيف يُطيل الزيارة، بينما القصيدة ضيفٌ خفيفٌ سريع الرحيل.

حين أتوقّف عن الكتابة لفترة طويلة، أظنّ أحياناً أنّي فقدتها إلى الأبد، وقد يكون ذلك جزءاً من الكتابة نفسها، إذ إنّ فُقدانها هو ما يصنع تلك النشوة حين أستعيدها مُجدّداً. لا أعرف إن كنت سأتوقّف عن الكتابة ذات يوم إلى الأبد فعلاً، لكنّي لا أشغل نفسي بذلك كثيراً، أحاول أن أترك الباب مفتوحاً للقصيدة القادمة، وإن طال غيابها.

محمّد دريوس (شاعر من سوريا): جزء من الكتابة

  • الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟
    الصمت أو الورقة البيضاء.. لماذا نتوقف عن كتابة الشعر؟

إن الإجابة على سرّ التوقّف عن الكتابة يكشف سرّ لماذا نكتب أصلاً؟ وماذا يعني أن نجلس أمام الورقة البيضاء ونكتب؟ لا أظنّ أن أحداً يمتلك إجابة حتمية ومؤكّدة.

هي حالة إرادية وذاتية تماماً كالكتابة، تتضمّن أفعالاً إرادية و"تصنيعية"، رغم ما تثيره كلمة "تصنيعية" من فكرة "السلعة". لكن لا يتوقّف شاعر عن كتابة الشعر، مثلما لا يتوقّف الذئب عن مطاردة الفريسة. يقبض عليها أحياناً وأحياناً تفلت منه. ربما يقبض على فريسة كبيرة وربما يرضى بطائر ضئيل الحجم، المهم ألا يبات جائعاً، ما يتوقّف عن فعله هو "تبذير" روحه في صناعة كتاب.

الشاعر يتفرّق في نصوصه، يوزّع ذاته الحيّة على شكل أسطر وكلمات، وهي ذات تتناقص يومياً وقد تتلاشى، وبنفس الوقت، الشعر كائن متردّد، قلق وهشّ، وقد يقرّر الابتعاد لفترة، أو الانزواء في ركن دافئ ومنسي إلى الأبد.

توقّفت عن كتابة الشعر لمدة تزيد عن ست سنوات وحتى الآن، بعد كتابي الأخير "لا شيء مسلٍّ في الحرب" في عام 2015، ربما بسبب التعجرُف، أو لسبب أكثر جدية وهو محاولة التحرّر من اللغة. المأزق الحقيقي لأيّ شاعر هو علاقته باللغة.

ربما يكفّ العازف عن حب آلته الموسيقية، لكن أن تجد نفسك بمأزق مع لغتك وفَهْمك الشخصي للمفردات وعلاقتها ببعض فهو شيء قاتل، أيضاً مع فجاجة الواقع وقسوته، الحرب والموت والطغيان، تزداد هشاشة الكلمة وهشاشة صاحبها، فيسيطر الإحساس بالانكسار والزوال واللاجدوى.

عموماً، الشاعر لا يتوقّف. هو يتخلّص من قِناع ليرتدي قِناعاً آخر. يطلق وَهْمه ويربّي وَهْماً آخر في القفص. الكتابة هي أساس "اقتناص فرحتي"، هي "هبتي الشقية". لم أنقطع عن الترتيب الجديد للأوقات والمسافات في اللغة، ولا أظنّ أني سأتوقّف عن الكتابة، مهما كان شكلها، والصمت أيضاً هو نوع من الكتابة التي لا تظهر للجمهور، وبالتالي التوقّف عن الكتابة أيضاً جزء من الكتابة، قارئها ومُتلقّيها الوحيد هو الذات والله، بغضّ النظر عن الإيمان أو عدمه، خصوصاً ما ينشأ في العزلة واليأس. 

تغريد مروان عبد العال

كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان