جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية

يعتقد أن "المُتخيّل العِلمي" أثّر فيه كثيراً.. كيف قدّم جوزيف حوراني تجربة نحتية مختلفة عمّا نعرفه؟

  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية

في التنوّع الهائل الذي تزخر به الحياة، يصدف أن تخرج إلى العلن حالات غير مسبوقة التصميم. أحياناً، يُعايش شخص حالاً فنية - نحتية مثلاً - يمسك إزميله ومطرقته، ويبدأ العمل، فتخرج من بين يديه أشكال كثيرة، وغالباً ما يكون لها معنى "ما" لمَن يستطيع إدراك كُنْهها.

وأحياناً، لا يكتفي شخص بظواهر الأمور، ويشعر بداخله أن ممارسته ينقصها المزيد غير المرئي، وغير المُدْرَك. يلجأ إلى التجربة، وقد لا يكتفي بحرفيّته، وتجربته، فيلجأ إلى التعمُق، والدراسة، بالترافُق مع الممارسة، ويظلّ على نَهَمِه باحثاً عن المزيد، ولا يكتفي.. وفي لحظةٍ يعيش متاهة سؤال: ما العمل؟ 

هذه هي حال النحات جوزيف حوراني (1974)، الذي عرض لأول مرة مجموعة من أعماله في غاليري صالح بركات في بيروت. مُتعدِّد الرؤى والمواهب، لا يكتفي بما يتيسَّر بين يديه. في كل مجال، يتدخَّل مُجرِّباً، مازِجاً بين فكر وثقافة وخبرة وفن وعِلم، ويبحث عن المزيد حدّ التيه.. والضياع.

فحوراني يحمل شهادة الهندسة المدنية، مارس عمله، وانتقل إلى التعليم، وحمل شهادتي الإجازة في الفلسفة والموسيقى، ودخل في عالم النحت، وشارك في"سمبوزيومات" مُتعدِّدة، منها سمبوزيوم عاليه الشهير، مُستخدِماً الحَجَر والمعدن والخشب في مختلف أعماله ومُساهماته. 

ويرى نفسه دائم الإلحاح للمزيد.. ولا يكتفي. فتوجَّه إلى الدراسات العُليا جامعاً بين تجاربه، وخبرته، ليرتقي بها إلى مصافي العِلم، وإدراك تجارب الآخرين، فنال الدكتوراه التي حاول عبرها تلمّس وفَهْم تطوّرات العصر، مُركِّزاً فيها على العالم "السيبراني".

كان حوراني ينحت ويشتغل ويدرس، وفي كل ممارسته يجمع مختلف التجارب، ويربطها بعضها ببعضها الآخر، مُثابراً، غير مُكتفٍ، ولم يشعر أنه بات عليه إقامة معرض لأعماله النحتية بعد مرور 25 سنة من العمل المتواصل، المُتعدِّد الرؤى، والمواهب، والتجارب.

  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني

يقول حوراني لـــ الميادين الثقافية: "كنت أنحت من ضمن الرؤى التي تختلج في فكري. بعد 25 سنة، وجدت نفسي بين مئات القطع كثمرةٍ من ثمار ما أفكِّر فيه، وما يُراودني من تساؤلات خصوصاً ما يتعلَّق بالجانب "السيبراني" من عصرنا. صدف أن طُرِحَ عليَّ إقامة معرض. وقفت بين المنحوتات مُتسائلاً عمّا يمكن أن أعرضه، وما لا يمكن. كيف أفرز المجموعات، والأصناف. كان تراكُم 25 سنة مُحيِّراً بحد ذاته، ولم أستطع بسهولة تحديد أية الأعمال تمثل شخصيّتي، بعد مرور كل هذا الوقت".  

ثم يتابع تجربة إقامة أول معرض ويضيف: "في النهاية، وجدت من الأنسب أن أقسِّم الأعمال إلى أربعة موضوعات، هي: الأجسام بلا أعضاء التي تنفذ، وتتبع فلسفة "جيل دولوز" بمُقاربة الإنسان في العصر السيبراني الذي يتطلَّب أن كل زيادة، أو نُقصان من الجسم، هو مُحاكاة لهذا الواقع "السيبراني" الذي نعيش".

الموضوع الثاني هو الأعضاء بلا أجسام، وهي تصوّرات عضوية توضَع كأنها أنماط "باروك"، بحسب حوراني، مُرْدِفاً: "عندها جمالية مرتبطة بحساسيّة، وجمالية أعضاء الإنسان، لكنها هي مُساءلة للإنسان بحيث ندرك ما يُحكى عن تجارة الأعضاء، بخروج العضو من الجسم، ودخول أعضاء أخرى إليه، لمواكبة الرَكْب التكنولوجي الذي نشاهده في الأفلام".

ويعتقد حوراني أن "المُتخيّل العِلمي" (Science Fiction)، أثّر فيه كثيراً، مُتسائلاً: "كيف نستطيع خلق السوبرمان- الإنسان القوي بزيادة أعضاء له؟ من هنا، اشتغلت أشكال أعضاء جرّبت إعادة تشكيلها لتصبح نموذجاً نحتياً فنياً بقالبٍ جديد".

بالنسبة إلى الوجوه، ركَّز حوراني الشغل على أنواع الخشب، ويُفيد أنه وضع تصميماً سابقاً لكل منحوتة: "كل القطع رسمت قبل نحتها، ولكن الخشب له خصوصية، ولكل صنف لغته، فخشب الجوز يختلف عن "الفراكيه"، وعن خشب الزين. اضطرني ذلك لأن أعيد تنظيم التصاميم لكي تتماشى مع نوعية الخشب المُسْتَعْمَل، وهذه التجربة كانت تجربة خاصة بمُساءلة شخصية بين الخشب وتطوير التصاميم-المنحوتات، ومع المنحوتة بحد ذاتها، وكيف ستتحاكى مع العالم الخارجي، خاصة وأن المادة الخشبية هي التي تتحكَّم بالرسم، أو بالتصميم السابق للمنحوتة".

  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
  • جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية
    جوزيف حوراني.. نحتٌ فلسفي يعالج الإشكالية السيبرانية

يتحدَّث حوراني بلغة الصراع الذي أنتج تجربة مختلفة كلياً عمّا نشاهده عادة، فهذه التجربة قدَّمت خصوصية، وهوية جديدة للمنحوتات التي قدَّمها خاصة الوجوه، والأشكال.

ينتقل حوراني إلى نقاش آخر، مُتناولاً مفهومه للنحت: "النحت بحد ذاته مدرسة فنية، عُرِفَت تاريخياً بحرفيّتها، والعمل الحِرَفي لم يسبق أن أرتقى ليكون عملاً فنياً في التاريخ المعاصر. كانت المنحوتات المعاصرة تبحث عن موضوعات جديدة حتى تتلافى الحِرَفية، باعتبار الحِرَفية تهبط بالفن من فنٍ راقٍ، إلى فنٍ حِرَفي شعبي. لكن هدفي أن أرتقي بالمنحوتة ضمن العمل الحِرَفي لعملٍ فني مُتكامِل ليُحاكي العصر والحداثة التي نعبر". 

إشكالية طرح حوراني لا يتّفق عليها كل النُقّاد، ويقول: "بالنسبة لي فقد كان ذلك من التحديات التي أحببت أن أجرّبها، لكي أجعل المنحوتة ترتقي بالعمل الحِرَفي كعملٍ فني مُتكامل".

تحدٍ آخر في المعرض، هو أنه كله مصنوع من خشب صلب مُتماسك من دون إلصاق، ذلك "لأن الخشب كجسمٍ متكامل لا يُتيح لنا اعتماد الأجسام الكبيرة كالحجر أو الصخر. الأحجام الصغيرة نتجت من أحجام الخشب المُتداولة، وهذا بحد ذاته تحدٍ آخر بالنحت". 

ويختم: "حتى الأقسام المُتبقية من كل منحوتة عُرِضَت ليكون في سيرورة العمل عندي مراحل العمل النهائي، ومراحل تطوّر كل منحوتة بحد ذاتها". 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت