"بيروت منكسرة".. عن عواصف المرفأ والإعلام "الكاذب"

تحت عنوان "بيروت منكسرة؟"معرض يجسد انفجار مرفأ بيروت في 12 ثانية.. ماذا في التفاصيل؟  

  • "بيروت منكسرة".. عن عواصف المرفأ والإعلام "الكاذب"

تحت عنوان "بيروت منكسرة؟"، يستضيف "مركز مينا للصورة" المعرض التجهيزي الذي يجسد فنياً انفجار مرفأ بيروت في 12 ثانية مخلفاً مئات الضحايا وآلاف الجرحى فضلاً عن المفقودين.  

وتكون المعرض من عملين تجهيزيين مركبين، الأول فيديو جامع لمختلف الفيديوهات التي سجلت تلك اللحظات، من مختلف الزوايا والمشاهد، إضافة إلى جدارية ضخمة كأنها تصلح شعاراً لتاريخ الشرق الأوسط، لما تجسده من تاريخ متكرر لقرن أو أكثر من الزمن.

بيروت منكسرة

  • "بيروت منكسرة".. عن عواصف المرفأ والإعلام "الكاذب"

بين العملين منصة صغيرة تعرض عليه كتب بأكثر من لغة عنوانها "بيروت منكسرة؟"، أو "Beirut Kaputt؟".

نسق العمل ستيفان سيسكو محاولاً اقتراح تأملات في دوامة الأخبار المزيفة، والشائعات التي تلخّص الأحداث العنيفة من خلال اللعب على مشاعر الخوف.

في الكتاب "بيروت منكسرة؟" ينبعث صوت من بين الحروف والسطور، كثير التساؤل، هو "نصٌ الهدف منه بأن يقال، ويسمع أمام لوحة أنقاض، بلا شك أمام أنقاض حرب، والتعليق على عمل من أجل استدعاء، وإثارة المزيد من التعليقات"، على ما ورد في النص.

ويضيف: "بينما يفعل النسيان فعله في هذا العالم المضطرب دوما بزوبعة العواطف- ها نحن نعود إلى بيروت- نعود إلى هذه المدينة الساحلية بحسب علم الكائن، ونطرح سؤالا بحرية كيف تؤثر على اهتمامنا عواصف "الإعلام الكاذبة"، والشائعات، ونظريات المؤامرة التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي".  

ثم يعلن أن أمراً ما "سجل ونقل مراراً وتكراراً باللغة الفرنسية - ثم باللغة العربية - أمام كل ما تبقى! دقيقة صمت استراحة بين البث والآخر- بمثابة دقيقة صمت". إعلان كأنه يجمع ما في داخل غرفة التجهيز الفيديوي من مشاهد متواصلة ومتكررة، وثقت انفجار المرفأ من زوايا، ومناطق، وأشخاص مختلفين، ربما بعضهم قضى في الانفجار وهو يوثقه، تاركاً خلفه كاميرا هاتفه تشتغل، من جهة، وقبالة منصة الغرفة منصة أخرى مرتفعة لخمس درجات، فصالة فسيحة، علقت على جدار نهايتها جدارية فنية ضخمة تحمل عنوان "كل ما تبقى".

التسجيل داخل غرفة التجهيز يمكن وصفه بالبركان. الحدث البيروتي لم يعد هنا 12 ثانية، بل بات زلزالاً لدقائق تبث الحدث المذهل والمرعب. وما الذي يبقى بعد زلزال لدقائق!! 

مثال عن القليل مما يعرضه التجهيز يظهر غاليري مفروشات على بعد كيلومتر من الانفجار، وآخر في محل للثياب، وفي فيديو آخر يظهر كيف ضربت نافذة الأولاد والأطفال بينما كانوا يحاولون مراقبة ما يحدث -الانفجار- من خلال النافذة، وبعد حدوث الصدمة، يظهرون كيف بدأوا بالهروب من الغرفة. 

في هذه اللحظات، وضعت سيدة طفلها لحظات قبل وقوع الانفجار، بينما أصيبت المستشفى، وقطع التيار عنها، ولوحظ أحد الرجال يحاول إنقاذ زوجته. الأم وطفلها جورج أنقذا من أضرار الانفجار، بينما كانت العتمة تفصل بينهما. 

وفي مشهد يفترض أن يكون الأقرب إلى المرفأ، يظهر الانفجار الأصغر والأول، وسحب الدخان الكثيفة تتصاعد منه بقوة قبل وقوع الانفجار الثاني الأكبر والشامل الذي غطى المنطقة كلها. 

في مستشفى القديس جاورجيوس في الأشرفية، يبدو العصف والرعب يعم الموقع، والأشياء تتكسر وتتطاير بالترافق مع وقوع الانفجار الثاني المرعب مظهراً كتلة نارية ضخمة، ترتفع في قلب سحابة هائلة من الدخان الكثيف.

من بين المشاهد عروس تنتظر دخول الكنيسة للقاء عريسها ويقع الانفجار ليغير كل شيء.

أحداث مذهلة في حدث واحد يجسم تكرارها هول المأساة، حيث لا يستطيع المرء ملاحظة الانفجار بكل تداعياته من موقعه الشخصي، فإذا التجهيز يقدم الصورة من مواقع مختلفة على امتداد المدينة الكبيرة، ليدرك هول ما جرى، متسائلا: هل نحن أمام أبراج 11 أيلول، أم أمام هيروشيما ثانية؟ ليأتيه جواب بارد، من الرئيس الأميركي في حينه معلناً أنه "يبدو كأنه هجوم رهيب".

الجدارية

  • جدارية "كل ما تبقى"

المفارقة تقع في جدارية طولها 6 أمتار، وارتفاعها 2.5 متر - أكريليك على قماش- يعود تاريخها إلى 2014-2016، ما يطرح التساؤل عن كيفية رسم دمار المرفأ قبل سنوات من حصوله.

الجواب الافتراضي مقيم في بديهية تاريخ المنطقة المأسوي، في قرن من الصراع، والحروب منذ وفد المستعمر الأوروبي إلى الشرق، حيث بات الدمار والركام سمة تاريخ المنطقة.

  • أيمن بعلبكي
    أيمن بعلبكي

لكن حقيقة الجدارية يعرضها معدها الفنان أيمن بعلبكي* (1975)، ذاكراً أنه رسم هذا العمل لمعرض سنة 2016 قبل انفجار المرفأ، وهو جزء من معرض 2016 تعبيراً عن الدمار الذي حل بمدينة حمص في سوريا جراء الحرب، موضحاً: "رسمت بالتوازي أكثر من عمل على فكرة الدمار، وهذا المعرض استغرقني بين 2014 و2016". 

ويفيد في حديث مع الميادين الثقافية أنه لم يقصد المرفأ بالدمار، ذلك "أنني أركز كل شغلي على الخراب، وأشكال الخراب. إنه تراكم العمل. ربما كانت صدفة أن يأتي العمل متشابهاً مع ركام المرفأ".

وقال: "بدأت أشتغل مبكرا على ذاكرة الحرب منذ العام 2000، كذلك على كل الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، والمشرق العربي، ويمكن القول إنه جزء من الشغل على ذاكرة الحرب التي تتالى أحداثها".

* أيمن بعلبكي متخرج من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، ويحمل الدكتوراه في الفنون المعاصرة من جامعة باريس الثامنة. تعود أولى معارضه إلى سنة 1996، أقام وشارك في معارض كثيرة في مختلف أنحاء العالم، ويحمل جوائز عدة فرنكوفونية وعالمية. 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت