ريبال ملاعب: تكامُل الفن صوتاً ولوناً

يحاول ملاعب الدعوة إلى حياةٍ مُغايرةٍ للسائِد.. ماذا قدم في معرضه أيضاً؟

  • من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز
    من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز
  • من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز
    من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز
  • من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز
    من معرض ريبال ملاعب في غاليري جانين ربيز

يفتح المعرض التشكيلي "فيينا. زوريخ. بيروت" في "غاليري جانين ربيز" في بيروت للفنان اللبناني ريبال ملاعب، على آفاق إنجازٍ فني مُتراكم، ومُتطوّر، وما المعرض إلا محطة صغيرة فيه.

يتضمَّن المعرض مجموعة من الأعمال التشكيلية، التجريدية، تزدان جدران "ربيز" بألوانها المُتناغِمة بين الزهوّ والصمت، تكسر رتابة بعض مساحاتها اللونية حيناً ضربة ريشة في زاويةٍ من زوايا لوحة، أو مساحة لونية من زاويةِ لوحةٍ أخرى. 

يغلب على الأعمال نوع من الاتّساق، والتوازن، كأنها تدعو إلى الاسترخاء في ظلّ ظروفٍ مُضطربةٍ تحيط بالإنسان في كل مكان. 

يحاول ملاعب من خلال معرضه الدعوة إلى حياةٍ مُغايرةٍ للسائِد، وتقديم نماذج ألوان تنطق تناغُماً صامتاً، في روحيّتها تألّق فني مُتكامِل، يطرح مادة تساؤلية عما يريده الفنان من تقديمِ مشهدٍ ظاهرٍ، وواضحٍ، وما في خلفيّته من كوامِن غير مسموعة.   

وإذا شئنا معرفة المقصود من المعرض في طبقتيه الظاهرة والمخفية، تلمّسنا تمازُجاً روحياً في أصنافٍ مختلفةٍ من الفنون، حيث جمع ملاعب بين الموسيقى والرسم كصدفةٍ عابرةٍ للغايات الفنية المُحدّدة لدى فنانين آخرين.

فتح ريبال ملاعب عينيه على الفن في منزل والده الفنان التشكيلي المعروف جميل ملاعب. نمت أحاسيسه على تناغُم الألوان، المُتوازية مع طبيعة بلدته الجميلة بيصور الجبلية، ومع أصوات الطبيعة العازِفة على أوتار النسيم، وزقزقة العصافير، ورَقْرَقة أوراق الأشجار. شعر في لاوعيه أن الذوق اللوني، حتى ولو لم يمارسه، ينقصه الصوت، فاتّجه نحو الموسيقى، وبدأ تعلّمها على الكمان وهو لمّا يزل في السادسة من العُمر. 

وفي عُمر ال16 سنة، يفيد ريبال الميادين الثقافية أنه سافر إلى ألمانيا لينتقل بعدها إلى "جامعة موزارت" في سالزبورغ، ومن ثم إلى جامعة الموسيقى والفنون في ڤيينّا "حيث درستُ لمدّة 8 سنوات قبل أن أستقرّ في مدينة زيورخ السويسريّة".

  •  ريبال ملاعب بين لوحاته
     ريبال ملاعب بين لوحاته

بين ألوان الوالِد المُتوهّجة، وذوقه الفني الخاص، راح ريبال يتأرجح بين الإثنين، يجني من الألوان ما يُغني الألحان، و"نوتاتها"، ويحصد من الموسيقى ما يُثري عينيه من تناغُمٍ لوني واتّساق.

اعتاد الفنان على التأرجح بين الإثنين، غير مُكتفٍ بعنصرٍ واحد، وراح يبحث في العالم عمّا يزيده متعة فنية، موسيقىً وتشكيلاً، وما يُرضي نَهَمَه الفني المُتفاقِم، والمُتطاير بما لا يمكن اللحاق به، ولا يمكن البلوغ معه مبلغ الاكتفاء، فتنقَّل بين ثقافات العالم، وحضاراتها، وفنونها ينهل من ألوانها وأنغامها، ويسعى دائما إلى المُزاوجة بينها، ويوظِّف الألوان في موسيقاه، والموسيقى في ألوانه. 

يقول: "جلتُ حول العالم مع الموسيقى، سافرتُ إلى الصين، إلى أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية، وإلى جميع بلدان أوروبا الغربية، بعدها وجدتني مأخوذاً إلى عالمٍ آخر أغوص في الألوان وتشكيلها. هذه طبيعة تزاوجي مع الرسم والموسيقى"، مُضيفاً: "لا أفضِّل فن الرسم على فن الموسيقى. ولا العكس. اتنقَّل بينهما كالذي يتنقَّل بين لغات مختلفة. الهدف هو دائماً التواصُل والمُشاركة والتعبير، إنْ كان بالرسم أو بالموسيقى أو بالكلام".

وبينما أتاحت أوروبا - فيينا وزوريخ - له مجالات الموسيقى الكلاسيكية، فإن حنينه إلى مسقط رأسه، ولما اعتاد عليه من طبيعته، كان يشدّه إليه من جديد، رافضاً الإنسلاخ عن الجذور. 

من هنا، يمكن للمُتحّسس للوحات إدراك ما تختزنه من كوامِن لحنية مُتجلّية في اتّساق الألوان. 

يقول ملاعب لــ الميادين الثقافية: "عدتُ إلى الرسم كالذي يعود إلى بيت أهله في قريته مثل الذي يستعيد جذوره. أعمل حصريّاً بمادّة الزيت على القماش، أقرب مادّة لونية إلى طبيعتي وإلى الأرض"، مُردِفاً: "كان أجدادنا لا يشعرون بالراحة إلا بعد أن يغرسوا أيديهم في التُراب، ويزرعوا الأرض، ويستمتعوا  بالإنتاج، وأنا لا ترتاح نفسي إلا بعد أن أغرس يدي في الزيت لتنبت لوحة". 

وعمّا يجمع فيينا بزوريخ ببيروت كعنوانٍ واحدٍ ثُلاثي لمعرضه، يقول: "هو معرض لأعمالٍ رسمتها بين عام 2017 وعام 2021 في ثلاثة بلدان مختلفة. هذه المدن التي درستُ فيها، وأثَّرت بشكلٍ مباشرٍ على مساري وذوقي الفني".

ويردف: "تشرّبت جدّية الحياة الموسيقية في ڤيينا. الموسيقى الكلاسيكية لا هزل فيها، جدّية المسؤولية وجدّية النصّ فيها جعلتني أتوق إلى الرسم وفن الألوان، لمنبع الإبتكار والحرية".

"بعد سنوات طويلة من التعمّق لاحتراف آلة مُعيّنة، يُتقن العازِف الكلاسيكي فن اللحظة، فن الصوت الذي لا يُلمَس"، بنظر ريبال الذي يعتقد أنه "لا يمكن مُمارسة الموسيقى الكلاسيكية بالمستوى الحالي إلا في أوروبا"، فزوجته أيضاً موسيقية معروفة في سويسرا، ويقيمان حفلات معاً، ولديهما جمهورهما المُشترك، لذلك "سنعيش ببساطةٍ بين البلدين"، كما قال.

أما الوطن، بنظر الفنان، فقد يكون شعوراً، وليس بالضرورة أن يكون مكاناً، و"الوطن علاقات، وصداقات، وانسجام طاقات، وغايات"، كما قال، "وأصنع في لوحاتي وطناً بديلاً، وعملية إنتاج الفن، هي عملية إنتاج وطن بديل". 

أما عملياً، فبرأيه إن "أوروبا جارة لبنان، ولبنان يزوّدنا بالطاقة والإنتماء، وأوروبا للإنتاج، والعمل الجدّي، لذلك، سنعيش بين القارّتين".

  • ريبال ملاعب عازِفاً على الكمان
    ريبال ملاعب عازِفاً على الكمان

ولا بدّ من التنويه إلى أنه في العام 2015، تأسّس "متحف ملاعب للفنون" وتشكّل فيه "مهرجان ملاعب لموسيقى الحجرة والفنون الجميلة"، المُتوقّف حالياً بسبب الظروف الراهنة، لكنه قدَّم منذ تشكّله العديد من الاحتفالات الموسيقية والفنية في المتحف في بيصور، وفي صالاتٍ لبنانيةٍ أخرى، استضاف فيها موسيقيين من مختلف الدول، إضافة إلى معارض الرسم والنحت.

ويختم ملاعب: "نؤمِن بالموسيقى والفنون كطريق حياة، فيها التّوق والطموح، وهدف مهرجاننا الاحتفاء مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، بالجمال في قلب الجبل اللبناني". 

يستضيف غاليري "جانين ربيز" معرض "فيينا. زيورخ. بيروت" حتى 25 حزيران/يونيو الجاري. 

 

 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت