"مخدومين": عن العاملات المنزليات والعبودية وصراع الهويات في لبنان

"الخادم أو الخادمة يللي بيعرفوا يشتغلوا شغلُن هنّي اللي بيشتغلوا عالسكت".. ماذا يكشف لنا فيلم "مخدومين"عن العبودية الحديثة وواقع العاملات المنزليات في لبنان؟

  • فيلم
    برناديت حديب وعاملة منزلية في لقطة من الفيلم 

بهذه الكلمات البسيطة والمعبّرة تعكس الممثّلة برناديت حديب في دورها في فيلم ماهر أبي سمرا الوثائقي جانباً من مأساة العاملات المنزليات في لبنان: "الماما كانت تقول إنّو الخادم أو الخادمة يللي بيعرفوا يشتغلوا شغلُن هنّي اللي بيشتغلوا عالسكت، ما مِنْحسّ بحضورُن، بيصير وجودُن خفي".

إنها ومضة مؤثّرة، تليها في الإعلان عن فيلم "مخدومين" كلمات لصاحب مكتب إستقدام عاملات منزليات يؤمّنهن من دولٍ آسيوية وأفريقية: "بتحكي عربي، شاغلة بالسودان، خلّيني شوف (...) بدّو مسيحية تكرم عينو، وإذا مسلمة بدّو يحدِّدْلنا سنّية ولاّ شيعية".

الإعلان اللمّاح والمُلتمِع عن الفيلم لا يجسّد تراجيديا "الخادمات" فحسب في هذه الرقعة الجغرافية ومحيطها وفي البلدان التي يأتين منها بحثاً عن لقمة العيش هنا، بل يختزل أيضاً الخَلَل الفادح في الذهنية المعوَجّة لدى عددٍ من اللبنانيين في النظرة الفوقية للطبقة المسحوقة، وفي الطائفية والمذهبية البغيضتين اللتين تُعَدَّان أيضاً وحتماً شكلاً مُتمادياً من أشكال العنصرية بين اللبنانيين أنفسهم أوّلاً، وفي تعامل جزءٍ كبير منهم مع الآخرين ونظرتهم إليهم وإلى العالم بالتالي؛ الطائفية بوصفها شكلاً للنظام السياسي (ومُرتَكزاً أساسياً له) القائم على مضمونٍ عنصريّ. 

الفيلم عُرِض من 10 إلى 16 حزيران/يونيو الجاري على الموقع الذي يحمل اسم الفيلم أيضاً، ويتضمن نصوصاً تفصيلية بشأن محاوره وشخصياته وقصصها، فضلاً عن الكشف عن الجانب الحقوقي المتعلق بالعاملات المنزليات وتاريخ ما يعرف "سوق الخادمات" و"نظام الكفالة".

وتتبدّى في الفيلم مسائل فرعية أو مُتفرّعة يلتقطها المُشاهد مُحلِّلاً أبعادها: مشكلة الهوية المأزومة في لبنان (مقرونةً بسؤال الهوية الإشكاليّ) على سبيل المثال، والانتماء المُشتَّت والوعي المغلوط القائم على فرضية تفوُّق الغرب في محاولةٍ جزئية محلّية للتماهي معه. وذلك كأنما في تبنّي النظرة الاستشراقية والاستعمارية لدى عددٍ من اللبنانيين على الأقلّ في مرحلةٍ سابقة لم تَمَّحِ آثارها حالياً. هذا ما نراه من خلال ما تبوح به حديب قائلة: "بالبيت كان ممنوع نحكي غير فرنساوي، حتى مع الخدم".

  • فيلم
    لقطة من فيلم "مخدومين"

ثمّة بطء مُتعمّد أحياناً في الفيلم الذي كتبه وأخرجه ماهر أبي سمرا، وثمّة معالجة ذكية وحسّاسة للتفاصيل الواقعية كأن يختار الزبائن والعملاءُ الخادمات تبعاً لأشكالهن في الصوَر، كأنهم يختارون اعتباطياً بطّيخاً من سوق الخُضَر، فلا يعرفون إذا كانت البطّيخة قرعاء أم عذبة المذاق! 

يُمرِّر ماهر أبي سمرا (1965) في الحوار  بين "زين" (صاحب وكالة استقدام العاملات ) وأحدِهم- الحربَ الأهلية اللبنانية عبر flashback الذاكرةِ وظاهرةَ تشغيل "السريلانكيات" في تعبئة أكياس رملٍ للمقاتلين اللبنانيين، ويجيب زين بالإضافة إلى ذلك: "كان هناك سريلانكيون قاتَلوا هنا".

في هذا السياق يروي زين حكاية سريلانكي يدعى Gamminet وقد أصبح صاحب ثروة هائلة لاحقاً نتيجةً لقتاله في الحرب اللبنانية لصالح حزب سياسي معروف، علماً بأنه قاتَلَ في فترة الاجتياح الإسرائيلي. وبين عامي 1984 و1985 بدأ Gamminet باستقدام سريلانكيات وسريلانكيين إلى لبنان.

كذلك يستعرض الفيلم بعض مشاكل التواصل والتفاهم بين الخادمات والمخدومين فيما الكاميرا الموضوعة داخل المكتب تُوثِّق التفاصيل، ويأتي على ذِكر هروب بعض الخادمات من المكتب.

ضمن مجريات الأحداث ينقل "مخدومين"، من خلال التلفاز في المكتب، الواقع اللبناني المُركَّب والمُحتدم والمُتَخَرِّق بمشاكله الأمنية واختراقاته وهشاشته المُفرطة وثقله. كما يمرّ من خلال الدردشة العفوية بين زين والعملاء ببعض مشاكل بنغلاديش السياسية وتأخُّر وصول الخدم من هناك بسبب التظاهرات فيها والقتلى في الشوارع آنذاك: "نَفْس الحال العامة"، يقول زين شارحاً ومُعقِّباً، في تشبيهٍ عناهُ، وهو من مفارقات القدَر، بين العديد من بلدان ما يعرف بــ "العالم الثالث". 

في المُقدّمة الافتتاحية لموقع "مخدومين" يُستهلّ التعريف - الذي يبدو بصورةٍ جليّة أنّه أُنشىء على نَوْل فكرة الفيلم- بأنّ "العمالة المنزلية شكّلت سوقاً حقيقيةً في لبنان حيث يقيم حوالى 250 ألف عاملة منزلية من أفريقيا وآسيا، مقابل أربعة ملايين لبناني ولبنانية. السوق هذه بدأت بالتوسّع في الستينيات مع تشريع الدولة "مكاتب الخدم"، التي عملت على استقدام الفتيات العاملات من الدول المجاورة، لتزدهر أكثر مع بدايات الحرب الأهلية (1975)، مع قدوم المزيد من الآسيويّات أو الاتّجار بهنّ في سوق العمالة المنزلية في البلد". 

  • ماهر أبي سمرا
    ماهر أبي سمرا
  • ملصق فيلم
    ملصق فيلم "مخدومين"

ويقول المُعلِّق في الفيلم إنهم عندما يستمعون إلى قصص تعذيب وقتل العاملات (أي الخادمات) في الأحياء أو المباني التي تعشن فيها، يحزنون ويشعرون بتميّزهم عن اللبنانيين الآخرين، فهم لا يعاملون الخادمة بهذا الأسلوب الرديء، بل يسمّون خادمتهم "عاملةً" ويسمحون لها بالتظاهر ضدّ عقد العمل غير المُنصِف أو "الكفالة".

ما يعكس في المقابل الميل الإنسانيّ لدى العديد من اللبنانيين ورقيّهم وتحضّرهم في نظرتهم إلى الإنسان وحقوقه، وفي معاملته معاملةً حسنة، علماً بأنّ القوانين تصبّ في مصلحة المخدومين اللبنانيين. يُبيّن الفيلم أنّ ثمة عاملة أجنبية تنتحر كل أسبوع بمعدَّلٍ عام ومعظمهن في بيروت، وهنّ يصبحن مرئيات في الصحافة من خلال حدثٍ ما: الهرب، السرقة، الجنون، الانتحار أو القتل.

يروي الفيلم انتحار العاملة "راحيل" Raheel نموذجاً، وقد قرّر المخدوم، الذي كانت تعيش في منزله، الاستعانة بطبيبٍ نفسيّ لتجاوز الصدمة والتخلّص من الشعور المُكَلِّف بالذنب. 

بسبب طوله النسبيّ وجديّته الموغلة في الجوهر والعمق، يحتاج "مخدومين" إلى صبرٍ استثنائي في أيامنا هذه من قِبَل المُشاهد اللبناني الذي يعاني حالياً من واقعٍ مُضنٍ ومُهترىء وصَدِىء في بلدٍ ينهار تباعاً. 

أهمية الفيلم أنه يحضّ، ولو نسبياً، على تحرير غالبية العاملات المنزليات هنا من هذه العبودية المؤقتة في القرن الحادي والعشرين. في التعريف المعاصر الواسع للعبودية إذا كان المرء ينفق راتبه بأكمله من أجل الطعام ومكانٍ للنوم ففي هذه الحال لا يمكن اعتبار العمل فرصةً للتطوّر الاجتماعي، بل مجرّد وسيلة للاستمرار والبقاء على قيد الحياة، ما يُعَدّ عبوديةً من نوعٍ جديد. بهذا المعنى، بعد إفقار معظم الشعب اللبناني، فإنّ الكثيرين منه صاروا بدورهم، للأسف، مؤطّرين ضمن هذه الصورة أيضاً!  

تجدر الإشارة إلى أنّ فيلم "مخدومين" نال "جائزة السلام" في البرليناليه  Berlinale، وصولاً إلى جائزة أفضل فيلم غير روائي في "مسابقة المهر الطويل" في "مهرجان دبي السينمائي الدولي" (2016). 

هالة نهرا

ناقدة موسيقية وفنية وكاتبة وشاعرة لبنانية