"بزيزا" اللبنانية.. "مدينة" من مختلف العصور

في مكان يغلب عليه طابع التخفي والانعزال الجغرافيين تقوم منطقة لبنانية تزخر بالآثار.. تعالوا نتعرف إلى تاريخ بلدة "بزيزا".

  • سيدة العواميد في بزيزا
    سيدة العواميد في بزيزا

في منطقة يغلب عليها طابع التخفي والانعزال الجغرافيين، بين قضاءي الكورة والبترون، تقع بلدة تزخر بالآثار من مختلف الحقب التاريخية، فينيقية ورومانية وبيزنطية وسواها، إسمها "بزيزا"، وتبين للمنقبين والباحثين الأثريين أن حضارات عدة مرت على المنطقة واستقرت فيها، حيث تقوم طبقات عدة من آثار العهود المختلفة.

وعلى مسافة كيلومترات قليلة شمال البلدة، تظهر آثار في نقطة بين أعالي بلدة كوسبا الكورانية، وبلدة عين عكرين، تشبه إلى حد بعيد الآثار الظاهرة في "بزيزا"، والظاهر من الآثار في الموقعين يدل على أنها تعود إلى العصور الرومانية، ما دفع بالبحاثة إلى الاعتقاد أن المسافة بين بزيزا وعين عكرين كانت مدينة رومانية واحدة. يعزز هذا الاعتقاد وجود آثار ما تزال مدفونة تحت الأرض بين البلدتين، على ما أظهرت الحفريات والأبحاث.   

تساؤل يفرض نفسه حول تسمية البلدة، حيث أعطي إسم "بزيزا" تفاسير متنوعة، لكن الأكثر توافقاً عليه هو ما أورده رئيس بلديتها قبلان العويط الذي أفاد الميادين الثقافية بأن: "الإسم يختصر كلمتين، فالباء تعني "البيت" في اللغات القديمة السامية، و"عزيز" وهو أحد الآلهة الساميين المعروفين"، كما قال، ما يعني أنه عند جمع العبارتين، مع تحورهما على ألسنة العامة، تصبح الكلمة "بزيزا".

  • جانب من سيدة العواميد
    جانب من سيدة العواميد

حفريات كثيرة جرت في البلدة، منها ما هو في عقارات خاصة، ومنها ما هو في بحث عام مختص بالتنقيب الأثري، وقد أظهرت الحفريات المتتالية بقايا أبنية وآنية من الفخار القديم، وأسرجة للزيت تثبت أن البلدة كانت مأهولة من قديم الزمان. 

وظهرت قرب القلعة نواويس محفورة في الصخر، وعثر على جرة من فخار فيها عظام طفل، وعلى خوابٍ، وجرار من فخار. وكذلك على فوانيس فخارية صغيرة. كما عثر في حفر أساس بيت لأحد أبناء البلدة على حوالى 300 قرميدة حمراء، مستديرة، بسماكة 5-6 سنتمترات، وبقطر 25 سنتمتراً، على ما أورد الدكتور حنا ساسين في كتابه "بزيزا بيت الإله عزيز". 

  • جانب آخر من الموقع
    جانب آخر من الموقع

ومن أبرز آثار البلدة موقع أثري يعرف بــ "سيّدة العواميد"، وهو بقايا بناء يحافظ على شكله العام، لحقت به أضرار كثيرة، وتهدم أحد جوانبه الأربعة، ويشير بناؤه إلى أنه معبد روماني، تظهر في واجهته الأساسية أربعة أعمدة متباسقة تدل بوضوح على هوية رومانية.

مساحة الموقع تناهز 20 متراً مربعاً، جداره الشرقي مستدير، ويرجّح أنه مذبح المعبد، وفيه فتحات كالنوافذ، في باحته تنتشر بقايا أثرية من أجران وحجارة محفورة ملساء متداعية من جدرانه. ويظهر تشكيل بنياني على أحد جوانبه، أعلاه أشبه بمظلة مقعرة، وتحته على مسافة متر ونصف المتر تقريباً، ركائز حجرية، توحي بأن نصبا كان مرتكزاً عليها. 

وفي كلام منقول عن الأب غودار بأن البناء هو "هيكل أيوني صغير، أنيق، ويوضع في مسكنه نصب الإله، وفيه أربع مشكاوات بأعمدة، وصدفات مقعرة. ولم يبق إلا واحدة كان الأهالي يركعون طويلاً ويحرقون البخور" بالقرب منها، والمشكاوات الباقية هي على الأرجح التشكيل البنياني الذي تعلوه مظلة. 

يتحدث ساسين في كتابه عن "سيدة العواميد" التي "ترجع إلى القرن الأول المسيحي، وبنيت زمن الرومان، وتحول المعبد إلى كنيسة في القرن الرابع أو الخامس الميلادي، وأنه بني على أنقاض معبد فينيقي. والملفت أن مذبحها كما مذبح بعلبك ، يتجه شرقاً علامة على خضوعها أو إطاعتها، لكرسي القديس بطرس في روما".

ويتحدث الكتاب عن أربعة أعمدة تضمها السيدة، علو الواحد منها 5,5 أمتار، وبابه ضخم يعلو 6,5 أمتار وعرضه 2,6 م"، ويفيد أنه "أدهش عالم الآثار الألماني بوخاردت الذي قارن النحت الذي يزينه بالنحت الموجود على معابد بعلبك"، مشيراً إلى أن "المستشرق الفرنسي أرنست رينان قال إن تلك الآثار تخفي قصة دير بيزنطي كبير كان مجللاً بصفوف من القناطر، كل صف يحتوي على 24 عموداً".

في كتابه "تسريح الأبصار في ما يحوي لبنان من الآثار" للأب هنري لامانس اليسوعي، يتحدث عن "هيكل روماني حسن البناء، لم تضعضعه حدثان الدهر، ولما تنصر الأهلون جعلوا الهيكل كنيسة وأضافوا إليها حنايا، آثارها بادية حتى اليوم ويطلقون عليها تسمية "سيدة العواميد" لما يزين واجهتها من الأعمدة". 

  • استدارة هيكل
    استدارة هيكل

وتتناول أبحاث تاريخية الحفريات والزخارف على الأعمدة، والجسور الواصلة بينها، وتظهر أن دقة النقوش تدل على الجانب الجمالي الرائع، والأعمدة لا تزال واقفة في قامة متباسقة تبعث على رهبة العظمة، وفيه باحة هي الفسحة التي كانت تجري فيها الطقوس التي مارسها سكان تلك الحقبات التاريخية القديمة.  

توحي الأعمدة، والصيغة الهندسية للموقع بــ "قصر ملكي"، ويلاحظ أنه يختلط فيه عبق الوثنية بأساطيرها، ومعتقداتها، بعبق المسيحية بعدما حول الأهالي الهيكل معبداً مسيحياً على إسم "سيدة العواميد" وذلك في القرن الرابع للميلاد.

ويتداول بعض السكان المقيمين بجوار الموقع أنه منذ القدم، هناك روايات عن وجود دهليز أو سرداب ممتد تحت الأرض، يربط الهيكل ببناء صغير على جدرانه رسوم دينية نادرة، وتبقى هذه المعلومات في إطار الروايات الشعبية.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت