جواد - جودت

جواد - جودت

فَتىً تَمَّ فيهِ ما يَسُرُّ صديقَهُ
على أنّ فيهِ ما يُسيءُ الأعادِيا
فَتىً كَمُلَتْ أخلاقُهُ غَيرَ أنّهُ
جَوادٌ فما يُبقي على المالِ باقِيا

هذان البيتانِ من قصيدة للنابغة الذُبياني (536 - 604م) يمدح رجلاً يتحلّى بكل الصفات الحسنة التي تسرّ الصديق والمزايا التي يستاء منها العدوّ كالشجاعة والبأس والمنعة ولكنه، وهذا استدراك لطيف من الشاعر، جوادٌ أي كريم سخيّ يجود بماله حتى يكاد لا يبقي منه شيئاً. وهذا مدحٌ له ومدعاة فخر.

والجواد لغةً هو ذو الجود. والجود الكرم والسخاء في كل أمر حميد. وقد جاد الرجل، يجود، جُوداً، إذا سخا، فهو جواد. ويقال: جاد بماله. وجادَ بنفسه أو بحياته، إذا قدّم حياته في سبيل هدف ما. 
ومن أحسن ما قيل في مدح الرجل الكريم البالغ الجود قول عُبيد الله بن الزُبَير الأسدي في مدح أحدهم:

تراهُ إذا ما جِئتَهُ مُتَهَلّلاً                      
كأنك تُعطيه الذي أنت سائلُ
ولو لم يكنْ في كَفّهِ غَيرُ روحهِ            
لَجادَ بها فليتقِّ اللهَ سائلُهْ
هو البحرُ مِن أيِّ النواحي أتَيتَهُ           
فَلُجّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحِلُهْ


والجواد من الخيل هو السريع العدو النجيب يقال: جاد الفرسُ، إذا كان سريع العدو، فهو جواد. وقد سمّت العرب أبناءها بأسماء مشتقة من الجود،مثل جواد، وجُود، وجُوديّ نسبة إلى الجود، وجُوَيّد تصغير جواد.

ويُجمع جواد على جُود، وأجاوِد، وأجاويد، وأجواد. وأجواد العرب كثيرون، وأشهرهم حاتم الطائيّ الذي يُضرب به المثل في الجود والكرم فيقال: فلان أجوَد من حاتم. وكان حاتم شاعراً وسيّد قبيلة طَيّء، تروى عن جوده أخبار كثيرة وله في الجود قصائد مشهورة. من ذلك ردّه على زوجته التي كانت تلومه على إفراطه في بذل ماله حيث يقول:

ذَريني يَكُنْ مالي لِعِرضِيَ جُنّةً               
يَقي المالُ عِرضي قبلَ أن يتَبدّدا
أريني جواداً ماتَ هَزلاً لَعلّني               
أرى ما تَرَينَ أو بخيلاً مُخلّدا
يقولونَ لي أهلكتَ مالَكَ فاقتَصِدْ         
وما كنتُ لولا ما تقولونَ سَيّدا

وقد اتفقوا على أن الجود صفة تحمل صاحبها على بذل ما ينبغي مِن الخير مِن غير مِنّة ولا غَرض ولا عِوَض. وهو ما يستحقّ عليه المرءُ أكبر الثناء وأفضل المدح. ومن أحسن المديح ما قاله بَشّار بن بُرد (714 - 784م) في خالد بن جَعفر البرمكي وزير هارون الرشيد قبل أن ينقلب على البرامكة:                                         
لَعَمْري لقد أجْدى عليَّ بنُ بَرْمَكٍ          
وما كلُّ مَن كانَ الغِنَى عِندهُ يُجدي
لَمَستُ بِكَفّي كَفّهُ أبتَغي الغِنى            
ولم أدرِ أنّ الغِنى مِن كَفّهِ يُعدي
فلا أنا منهُ ما أفادَ ذَوو الغِنى             
أفَدتُ وأعداني فأتلفتُ ما عِندي

وأقبح ما يكون الرجل أن يجود بالكلام من دون الفعل، فإنه يوصف عندئذٍ بما وصف به المتنبي كافوراً الإخشيدي حيث يقول:

أمسَيتُ أروحَ مُثرٍ خازِناً ويداً            
أنا الغَنِيُّ وأموالي المَواعيدُ
إنّي نَزَلتُ بكذّابينَ ضَيفُهُمُ                    
عَنِ القِرى وعنِ التَرحالِ محدودُ
جودُ الرجالِ مِنَ الأيدي وجُودُهُمُ            
مِنَ الِلسانِ فلا كانوا ولا الجُودُ

والجوّاد مبالغة الجواد وهو الكثير الجود. والجوّاد من أسماء الله الحُسنى. وعبد الجوّاد اسم مركّب بالإضافة.

وجَودَتْ اسم علم مشترك بين الذكور والإناث إلا أنه في الذكور أكثر. وهو في الأصل جَوْدَة ولكن لما شاع في العصر العثماني جُعِلت التاء المربوطة مبسوطة وسُكّنت لتلائم اللسان التركي وهذا النمط شائع في جميع الأسماء المأخوذة من مصادر الأفعال على هذا الوزن فَعلتْ مثل حِكمتْ، شَوكَتْ،مِدحتْ الخ.

وجودة مصدر الفعل جادَ. وقد جاد َ الشيءُ أو العمل أو القول، يجودُ جَوْدَةً وجُودَةً، فهو جَيّدٌ، والاسم الجَودَة.

ويقال: جاد الرجلُ، أو المرأة، إذا أتى أحدهما بالشيء الجَيّد، فهو مُجيد وهي مُجيدة. والجَودة منتهى الإتقان في كل فعل أو قول أو عمل أو صنعة أو سَجِية.  ومن الأسماء المركّبة: جادَ الله، وجادَ الحق، وهما بصيغة الجملة الفعلية. 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان