عاطف - عطاف - عواطف

عاطف - عطاف - عواطف

غَدَرتِ وجِئتِ الآنَ تَستَغفِرينَني            
لِنَقضِكِ عَهدَ الحُبِّ مِن بَعدِ إبرامِ
دَعيني فلا قَلبي عَليكِ بِعاطِفٍ              
حَناناً ولا دَمعي لَدَى فُرقَةٍ هامي
لقد ضَلٍّ عَقلي فيكِ يَوماً وها أنا            
عَرَفتُ سَبيلَ الحُبِّ مِن بَعدِ تَهْيامي

يبدو أن هذا المُحِبَّ تعرّض لصدمة قاسية ممن كان يحبّها حتى قسا قلبُه فلم يقبل لها عُذراً عندما عادت إليه مُعتَذِرَةً ولم يشعر بالعطف عليها. كما أن عينه لم تغرورِق بالدموع لفراقها. حدثٌ مؤسفٌ
ككل افتراق على لومٍ وخصام نشهده بين المحبين. وهنا نأسف له خصوصاً لأن هذا المُحبَّ المصدوم هو الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود (1913 - 1948) الذي استُشهِد في معركة الشجرة ضد العصابات الصهيونية عام 1948، ولذلك بات يُعرف باسم الشاعر الشهيد.

وبيت القصيد الذي ننشده في هذه الأبيات هو العطف الذي فقده الشاعر تجاه التي غدرت به وهو الأصل الذي اشتُقّت منه أسماء عدة مثل عاطِف، وعِطاف، وعَواطِف.                

والعطفُ هو الحَنان، والمَيل، والشفقة، والرحمة. يُقال :عَطَفَ عليه ،يَعطِفُ،عَطْفاً، إذا أشفقٍ عليه،وحَنا، فهو عاطِف. فالعاطف هنا هو المُشفِق .

والمَيلُ أو الانثناء هو أصل المعنى. وذلك أن المادة اللغوية المؤلفة من العين والطاء والفاء أصلٌ واحد يدلّ على انثناء وعِياج. يقال: عطفتُ الشيءَ إذا أملته، وانعطفَ أي عاج. ثم يُتَوسّع في المعنى فيقال: عَطفَ فُلانٌ على فُلان، إذا حَنّ إليه، وأشفق، ورَحِمَه، لأن العطف فيه مَيلٌ على المعطوف عليه وانحناء.

يقال: عَطَفَت الناقةُ على ولدِها، إذا مالت إليه،وحَنّت عليه،ودَرَّ لَبَنُها، فهي ناقة عاطف. ومن ذلك التَعَطُّف، والتعاطُف. يقال: تَعطّفَ عليه ،أي رَقَّ له وبَرّه. وتَعاطفَ القَومُ إذا عطفَ بعضُهم على بعض.

وفي كل ذلك مَيلٌ وانحناءٌ وانثِناء. والعاطِفُ اسمُ الفاعل من ذلك كلّه. ومنه أُخِذَ اسم العلم المذكّر عاطِف. والعاطفُ أيضاً اسم الفاعل من قولهم: عطَفه عن الأمر إذا صرفه وأماله عنه. والجمع عاطِف وعَواطِف. وعليه في حالتَي الإفراد والجمع قول جميل بن مَعمِر المعروف بجميل بُثَينة نسبةً إلى حبيبته:

أهُمُّ سُلُوّاً عَنكِ ثُمَّ تَرُدُّني                   
إليكِ وتَثنيني عليكِ العواطِفُ
فَلا تَحسَبِنَّ النأيٍَ أسْلَى مَوَدّتي           
ولا أنّ عَيني رَدّها عنكِ عاطِفُ

والعاِطِفُ هو مَن يَعطِفُ على عدوّه، أي يحمِل عليه ويَكُرُّ، أي يهجم، ولا يكون ذلك إلا في المعركة.

وهو عَطّاف على المبالغة، وبه سُمّيَ الرجل عَطَّافاً. والعاطِف أيضاً هو السادِسُ مِن خَيل السِباق.

والعاطِفُ الإزارُ وهو الثوبُ الذي يُحيط بالقِسم الأسفل من الجسم.

ومن الأسماء المشتركة بين الإناث والمذكور اسمُ عِطاف. والعطافُ هو الرِداء، أو الثوب، سُمّي بذلك لِوقوعه على عِطْفَي الرجل وهما ناحِيتا عُنُقه. وهو المِعطَف. والعطاف من كل شيء جوانبه.

ومن أسمائهم عَطوف ومعناه الشَفوق. وامرأةٌ عَطوفٌ أي مُحِبّة لزوجها أو بَنيها.

وعواطف من أسماء الإناث، مأخوذ من جمع العاطِفة. والعواطف عموماً هي الاستعداد النفسي الذي يميل بصاحبه إلى الشعور بانفِعالات مُعَيّنة تجاه شخص أو شيء أو فِكرة.

والعواطف لها نقائصُها إذا لم تقترن بما يؤكّدها من الأفعال الملموسة. وهذا ما يرفضه الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997) منتقداً كثرة الخُطب والمقالات وقلّة الأفعال في المواقف الوطنية التي تتطلّب الجهاد وبذلَ الدماء فيقول:

أكلّما عَصَفتْ بالشَعبِ عاصِفَةٌ                
هَوجاءُ نَستصرِخُ القِرطاسَ والقَلَما
هل أنقذَ الشامَ كُتّابٌ بما كتَبوا                
أو شاعِرٌ صانَ بَغداداً بما نَظَما
فما لِقَلبيَ جَيّاشاً بِعاطِفَةٍ                       
لو كانَ يَصدُقُ فيها لاستَعاضَ دَما
حَسبُ العواطِف تَعييراً ومَنقَصةً             
أنْ لَيسَ تَضمَنُ لا بُرْءاً ولا سَقَم

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان