شاهين - نسر - صقر - عقاب

شاهين - نسر - صقر - عقاب

لُبنانُ لا تَعذِلْ بَنيكَ إذا هُمُ
رَكِبوا إلى العَلياءِ كُلَّ سَفينِ
لمّا وَلدتَهُمُ نُسوراً حَلّقوا
لا يقنَعونَ مِنَ العُلى بِالدونِ
الأرض لِلحَشراتِ تَزحَفُ فَوقَها
والجَوُّ لِلبازي ولِلشاهينِ

بهذه العبارات يُواسي الشاعرُ المهجريُّ إيليّا أبو ماضي (1891 - 1957) وطنَه لُبنانَ الذي ما فَتِئَ بَنوه يهاجرون في طلب العيش الكريم كلما ضاقت سُبُلُه في وطنهم، الذي يحملونه في قلوبهم أينما
حلّوا ومهما نأت بهم المسافاتُ عنه.

ولذلك يشبّه الشاعر هؤلاء المهاجرين بالنسور والبُزاة والشَواهِين وهي المشهورة بالقوة وعُلُوّ التحليق في الجوّ والطيران إلى مسافات بعيدة.

ولهذه الصفات أيضاً كان من عادة العرب أن يسمّوا أبناءهم بسِباع البرّ والجوّ  وما خَشُن من الأرض والحجر والشجر، وذلك ترهيباً لعدوّهم وتفاؤلاً لهم بالقوة والشجاعة. 

من باب التسمية بسِباع الجوّ سُمّيَ المولود الذكر نَسراً. والنسر هو أشدّ الطيور الكواسِر وأحَدُّها بصراً وأرفعها طيَراناً وأقواها جَناحاً وليس في سِباع الطير أكبرُ جُثّةً منه. والنسرُ من الطيور التي زعم الشعراء أنها تتبع الجيوشَ لعِلمها أن المعارك تُسفر عن قتلى كثيرين تشكّل جُثثُهم وليمةً دَسِمةً لها.

وفي ذلك يقول الشاعر الفارس أبو فِراس الحمداني (932 - 968 م):

وقَومٌ مَتى ما ألقَهمْ رَوِيَ القَنا
وأرضٌ مَتى ما أغزُها شَبِعَ النَسرُ
وخَيلٌ يَلوحُ الخَيرُ بَينَ عُيونِها
ونَصْلٌ مَتى ما سِمْتُهُ نَزَلَ النَصرُ

قِيل إنّ النسر سُمِّيَ نسراً لأنه يَنسِر لحمَ فريسته بِمِنسَره أي بمِنقاره. ويقال استَنسر الطائرُ إذا صار كالنسر قوّةً. ومنه المثل القائل: "إنّ البِغاث بِأرضِنا يَستَنسِرُ" وبِغاثُ الطيور ضِعافُها، يُضرب للضعيف
يصير قويّاً وللذليل يَعِزُّ بعد الذُّلّ.

والنسرُ في علم الفلك كوكبان يقال لهما النسر الواقع والنسر الطائر. ومن أسمائهم باز مأخوذ من البازي وهو طير من الجوارح يُصادُ به. والجمع بُزاة. وحامل البازي في الصيد يُدعى بازدار وهو اسم فارسيّ.

ومن الأسماء الشائعة اسم صَقْر. والصقر عند العرب هو كل طائر يَصيد من البُزاة والشواهين. وقيل: كل طائر يصيد تَسمّيه العرب صقراً ما خلا النسرَ والعُقاب. والصقر موضع إطراء وإعجاب لقدرته وتمكّنه من الانقضاض على فريسته بخفّة ومهارة.

والصقر يُثير مرآه الخوفَ في بقية الطيور من غير الكواسر. وصقر قُريش لقب عبد الرحمان بن معاوية بن هشام الذي فَرّ من بطش العباسيين إلى الأندلس حيث أسّس الدولة الأُمَوِية.

والصقر من غير الطيور هو عسل الرُطَب، أي التمر قبل أن ينضَج، أو  عسل الزبيب. ومن أسمائهم عُقاب. والعُقاب طائر من الجوارح حادُّ البصر قوي المخالب له مِنقار أعقَف. وتقول العرب إنه سيّد الطيور والنَسرُ عريفُها. والعُقاب اسم لهذا النوع من الطيور يقع على الذكر منها والأُنثى. من ذلك قول مجنون ليلى قيس بن المُلَوّح (654 - 688م) وهو تائه في الفلاة في مكان يُدعى ضَرِيّة:

أيا عُقابَ الوَكرِ وَكْرِ ضَرِيّةٍ
سُقيتِ الغوادي مِن عُقابٍ على وَكرِ
أَبيني لنا قد طالما قد تَركتِنا
بِعَمياءَ لا نَدري أنُصبِحُ أم نُمسي 

وتُسمّي العرب العُقابَ بالخُداريّة لِسوادها. وقيل إنما سًمّيت عُقاباً لشدّتها وقوّتها. وكُنيةُ ذَكَر العُقاب: أبو الهَيثَم، وأبو الحجّاح وأبو حسّان، وأبو الدهر، وأبو الأشْيَم. وكنية الأنثى: أمّ الهَيثم، وأمّ الحَوار، وأمّ الشَعر، وأمّ طَلَبة، وأمّ لَوح.

والعُقاب من غير الطيور اسم كوكب. والعُقاب اسم راية النبيّ محمّد وكانت سوداء.

ومن أسمائهم شاهِين. والشاهين طائر يُصاد به من جنس الصقر، طويل الجناحَين، وليس الاسم بعربيّ ولكن العرب تكلّمت به. الجمع شَواهين وشَياهين. وأصحاب الشواهين هم الذين يربّون الطيور لِلإتجار بها. ومن أطرف ما قيل في هذا الباب هذه الأبيات للشاعر والفقيه عبد الله بن المُبارك (726 - 797م) في فقيهٍ اتخذَ من الدين وسيلةً لِلإثراء:


قد يَفتَحُ المَرءُ حانوتاً لِمَتجَرِهِ
وقد فتَحتَ لكَ الحانوتَ بِالدِينِ
بَينَ الحَوانيتِ حانوتٌ بِلا غَلَقٍ
تَبْتاعُ بِالدِينِ أموالَ المَساكينِ
صَيَّرتَ دِينَكَ شاهيناً تَصيدُ بهِ
وليسَ يُفْلِحُ أصحابُ الشواهينِ

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان