عذراً زياد الرحباني على التقصير في الدفاع عن حق قدرِكَ

زياد المناضل الإنسان يشبه الكثير من المناضلين الشرفاء الذين عصف بهم الوهن والقهر والأحلام المبتورة، في انهيار البلدان وذبح البؤساء وتدمير الحضارة. لكن ثورة زياد الانسان لم تتحطم ولم تتغيّر.

زياد الأيقونة العصية على فهم بسطاء النقد الفني ينام ملأ جفونه عن شواردها

إنكفاء لأكثر من سنتين ونصف عن الفن والعمل والناس، لم يُطفىء جذوة التمرّدة في زياد الإنسان الذي شبّ ثائراً على القهر والظلم فتجسّدت ثورته في فنّ يشبهه ولا يشبه أحداً سواه.

عبقرية زياد الفنّان تموّنت من معين الأخوين رحباني والسيدة فيروز في بيت تغمره مدرسة الرحابنة من الموسيقى والمسرحيات والفن، لكن زياد مال يافعاً إلى اقتباس شخصيات الناس العاديين في مطعم أمين الشعبي على زاوية شارع الحمراء وفي أزقّة الأحياء الفقيرة التي كانت في السبعينات من القرن الماضي تنضح بالثورة ضد نظام كان على ما هو عليه وقت لا يُصلح العطّار ما أفسد الدهر.

في هذا السياق بدا زياد الرحباني نقيض مدرسة الرحابنة الكلاسيكية في مسرح يعكس ثقافة النظام التقليدية وقتها بشأن أهزوجة الغرباء الفلسطينيين الذين يتدخّلون بالفتنة بين اللبنانيين. وقد عبّر زياد عن الاستهزاء الهزلي في مثل هذه الأهازيج التبسيطية في مشاهد خطف الجرّة مدعاة الانقسام الحاد بين أهل القرية الواحدة وأحيائها.

زياد المنتمي بجوارحه إلى الناس الفقراء هوية ثقافية ومعتقداً، تباين في ذلك الحين مع الحركة الوطنية ومع الحزب الشيوعي اللبناني الذي يحبذه، في مقولات إصلاح النظام التدريجي من فوق عبر ما كان يُعرف بالبرنامج المرحلي في المراهنة على إصلاح سلطة الحكم. فما أخذه زياد الرحباني في مسرحياته وفنّه تعبيراً عن فقراء الناس العاديين، هو رفض نظام التبعية الخدماتية العاجز عن تأمين الكرامة الإنسانية "مسرحية بالنسبة لبكرا شو" والتطلع للنضال الوطني والاجتماعي ضد النظام في رفض الفقر والقهر "فيلم أميركي طويل ــ وشي فاشل".

زياد المناضل الإنسان يشبه الكثير من المناضلين الشرفاء الذين عصف بهم الوهن والقهر والأحلام المبتورة، في انهيار البلدان وذبح البؤساء وتدمير الحضارة. لكن ثورة زياد الإنسان لم تتحطم ولم تتغيّر. فثورته بين هذا الركام من الحطام تتقد من انتصارات حزب الله والمقاومة في غزة، ومن انجازات الدولة السورية ومحور المقاومة وروسيا في الانتصار ضد الارهاب الاقليمي والارهاب الدولي. وعلى قدر ما يمثّل نضال زياد الرحباني من تعبير عن جذوة ثورية ضد الاحتلال والتبعية الغربية والظلم الاجتماعي، يتخذه أصحاب أميركا والسعودية والمعارضة السورية هدفاً دائماً لحملة شعواء في التحريض والتدليس والنقد اللاذع.

يكبو زياد عن جواده كبوة في استراحة قصيرة، لكنه مفعم بروحه الناقدة المتمردة لا يترجّل إنما يعود منتصب القامة متخلّياً بقدرة قادر عن انحناءة الظهر ما أن تستقبله جموع مشتاقة لتحيته تتجاوز عشرة آلاف في بيت الدين ومريدين غصّت بهم الشرفات والأسطح المجاورة بعد أن نفدت التذاكر من الأسواق. هذه الجموع غنّت مع زياد آلامها في أغنية "شو هاالإيام اللي وصلناها" وغنّت معه آمالها في أغنية "تجار المال هربوا" وغيرها.

زياد الأيقونة العصية على فهم بسطاء النقد الفني ينام ملأ جفونه عن شواردها ويسهر القوم من جرائها ويختلفوا. فهو الموسيقي العبقري والمسرحي الفذّ والمؤلف الاستثنائي، يخطو بقدمه فوق سفسطة الفن للفن. إنما يطمح بفنّه التعبير عن الحياة التي يناضل مع المقاومة والشرفاء والأحرار من أجلها. ففي حفل "ع بيت الدين" يستهزأ بما يُشاع عن السياسة التي تعادل في خطاب الطبقة السياسية التزلّف والتملّق والدجل. فيردد زياد عبارة "ممنوع السياسة" لعلّها تخرق مسامع بعض الحاضرين في الصفوف الأولى من الطبقة التي يصوّب عليها زياد.

يسخر زياد على طريقته من طقس النشيد الوطني "كلنا للوطن للعلا للعلم"، الذي يوظّفه كثير من تجار الوطن وفاسدي ثرواته لتبرئة الذمم على وقع موسيقى قد لا تكون في مصاف النشيد الوطني للأمم الأخرى. فيفتعل زياد نسيان النشيد بعد الافتتاح بخمسين دقيقة. لكنه ذهب "ع بيت الدين" للتعبير عن النضال والمقاومة من أجل الحياة والفرح بالموسيقى والمرح. فعلى شاشة كبيرة خلف الفرقة الموسيقية أضاء صورة الفنان المسرحي والمقاوم الشيوعي رضوان حمزة الذي يفتقده زياد بعد أن أصابته المنيّة.

وبمناسبة الذكرى الثانية عشرة لانتصار حزب الله على العدوان الاسرائيلي، يقدّم زياد نشيده "صمدوا وغلبوا" إهداء للمقاومة بصوت الفنانة السورية منال سمعان "لو ما هالناس ما كان في وطن ولا بلاد/ أولادهم ماتوا حتى يبقى عنّا ولاد"، وقد وعد بأن تغني السيدة فيروز هذا النشيد في وقت قريب. وفي نضاله من أجل الحياة تخطّى زياد في أضخم فرقة في تاريخ المهرجانات الصيفية، الجنسيات المقيّدة للتضامن بين الشعوب. فضم موسيقيين عرب من مصر وسوريا ومن الارجنتين وهولندا وأرمينيا وروسيا إلى جانب أعضاء من المعهد الوطني اللبناني للموسيقى. وخصّ مصر أكبر بلد عربي بنشيد خاص من تأثير الشيخ إمام فقام بأدائه حازم شاهين "هاتلي يا بكرة صفحة جديدة/ حطلي مصر في جملة مفيدة" ونشيد "أميركا مين".

الفنان زياد الرحباني تتفوّق قدرته الموسيقية على عتاة الموسيقيين في العالم كما أثبت في مقطوعات "بيانو ــ جاز" ومعزوفات النصف نوتة الشرقية. ولا يبدو أن زياد يطمح إلى هذا المصير إذ أن طريقه في الغرب وليس في بلادنا وهو يقول أنه كالسمكة لا يعيش خارج بيئته في الماء. وفي خياره النضالي الانساني يشبهنا فدفاعنا عن زياد في خياره هو دفاع عن خيارنا.