كيف استجابت وسائل الإعلام لـ"الوباء المعلوماتي"؟

طوال عام وأكثر، نال وباء كورونا اهتماماً خاصاً من وسائل الإعلام الجديدة و"التقليدية"، وشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة هذه الوسائل على محاربة المعلومات المزيفة.

  • كيف استجاب الإعلام لـ
    وجدت المؤسسات الإعلامية في الوباء اختباراً حقيقياً لقدراتها 

إن كان وباء كورونا قد كشف هشاشة نظامنا الصحّي وضعف استجابتنا للأزمات التي تهدد البشرية جمعاء، فقد أضاء كذلك على "نقصٍ في المناعة" تجاه الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة، التي لم تحجب الحقيقة فحسب، وإنما ساهمت بطرق متعددة في خسارة الأرواح، وهدر الطاقات اللازمة لتحقيق نتائج أفضل في حربنا على الوباء.    

لا شكّ بأن أمثلةً عدّة عن الأخبار الزائفة لا تزال مطبوعةً في ذهن القارئ حتى الآن؛ "معلومات" عن أهداف الصين في "تصنيع" الفيروس، دور الجيل الخامس من الانترنت في تقليل المناعة، فاعلية بعض الأعشاب والثمار في تشكيل مناعة ضد الفيروس، علاقة الوباء بنظريات الحدّ من الكثافة السكانية، وليس انتهاءً بادعاءات تثير الإعجاب بأن كوفيد-19 ليس إلا وهماً ولا تزيد خطورته عن الإنفلونزا الموسمية.

تقوم بعض السرديات المختلقة ونظريات المؤامرة حول كورونا على قاعدة موثوقة من الحقائق، لكنها سرعان ما تصبح كالأبنية المضعضعة المعلّقة في الهواء. ولأنها تظهر في زمن الخوف والقلق وقلّة الخبرة بالتهديدات الموجودة، تصبح ذات قدرة أكبر على الانتشار.

وكما يُظهر معدّو تقرير مشروع "First Draft News"، المعني بمحاربة التضليل على شبكة الانترنت، فإنّ هذه السرديات لا تقدّم شيئاً جديداً بالضرورة، بل قد تكون إعادة تدوير لنظريات ومعلومات زائفة راجت خلال أزمات أخرى (خلال سنين الإنفلونزا الإسبانية مثلاً)، وكلّ ما في الأمر أنه "أعيد توجيهها لتخدم السياقات الجديدة"، وهي تظهر فوراً وتنتشر كالنار في الهشيم لأن "الطلب على المعلومات بشأن مسألة ما يكون مرتفعاً، لكن المعلومات الموثوقة تبدو محدودة. وبالتالي يظهر العجر في المعلومات، وهذا العجز ستملؤه المعلومات الخاطئة".

أمام ذلك، كانت الوسائل التي تشكّل مصدراً لنقل وتداول المعلومات إزاء تحديات جمّة لا تتعلق فقط بالحدّ من المعلومات الزائفة والنظريات المضادة للأبحاث العلمية، وإنما في تعزيز وإشاعة المعلومات الصحيحة والإرشادات الصحية الضرورية. 

تغطية الوسائل "التقليدية" لأزمة وباء كورونا

كانت مهمة المحطات التلفزيونية والصحف والمواقع الالكترونية شاقّة خلال الظروف التي فرضها الوباء، حيث اضطرت هذه الوسائل إلى التكيّف مع العمل عن بعد، وحرمت من التواصل بشكل مباشر مع الميدان، وصارت ملزمةً بتغطية المواضيع العلمية وتخصيص مساحة أوسع للصحافة الصحيّة المتخصصة، التي باتت تهمُّ طيفاً واسعاً من الجمهور.

لا يمكن إنكار الدور المهم الذي لعبته وسائل الإعلام المختلفة في التحذير من مخاطر الوباء، وبثّ الإرشادات الصحية الضرورية لحفظ السلامة، ونشر أحدث الأخبار حول أرقام الضحايا وتوزّع بؤر الوباء. لكن المخالفات ظلّت موجودة، والتعديات على الحقائق ظلّت واردة. وفي مخالفةٍ للقاعدة، تم تلقف الآراء الشاذة، ما تسبب بشكوكٍ، وإثارة المزيد من اللغط. 

بالإمكان استدعاء مئات النماذج حول العالم عن مقابلات تلفزيونية وأخبار صحفية تضمّنت معلومات زائفة حول الفيروس أو اللقاح، أو على الأقل روّجت لمعلومات لم تكن مثبتة، ونقلت آراء مختصين (أطباء، علماء أوبئة..) غير مخولين بإطلاق أحكام قطعية حول بعض الافتراضات التي تحتاج إلى المزيد من التمحيص.

ومن أجل تصحيح المعتقدات الشعبية حول الوباء، كان من اللافت إقدام منظمة الصحة العالمية على مواجهة ما وصفته بـ"الوباء المعلوماتي"، من خلال نشاطها في تزويد وسائل الإعلام بالمعلومات الصحيحة على مدار الساعة وعبر منصاتها التي تنشر بلغات عدةّ.

كما أطلقت الأمم المتحدة، لهذه الغاية، مبادرة "Verified" المعنية بمشاركة المحتوى الموثوق به حول الوباء، لأنه "لا يمكننا ترك فضاءاتنا لأولئك الذين يتاجرون بالأكاذيب والخوف والكراهية"، وفق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

كذلك لعب الصحافيون المستقلون دوراً بارزاً في ترويج النتائج العلمية، ودحض تلك الأكاذيب، عبر التدوين الالكتروني أو التقارير المصورة ومقابلة الأطباء والباحثين في علوم الوباء. 

وفي هذا المجال، يذكر الصحافي والمدرب على التحقق من المعلومات محمود غزيل للميادين نت أن وسائل الإعلام معنية بشكل أساسي في إعلام المتابعين بالمعلومات الصحيحة، "بخاصة إن كانت تود التطلع إلى التميّز وتبوء أهم المراكز في المتابعات والقراءات ورفع مقدار الثقة بما يتم نشره أمام المستخدمين".

ويتابع: "وعليه، إلى جانب تقصي الحقائق والتدقيق في المعلومات، على وسائل الإعلام أيضاً أن تواكب خطاب الشارع، وما يتم تداوله بين الناس، واستخدام هذا الخطاب إما في تطوير موادها الإعلامية لكي تواكب ما يريده القارئ، أو حتى توضيح المعلومات المغلوطة التي يتناقلها الناس وإعلامهم بحقيقة ما يحصل".

ولأن من المتعذّر على المؤسسات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة تخصيص فرقٍ للتحقق من المعلومات ومتابعة المستجدات الصحية حول العالم، نشطت وكالات الأنباء العالمية في تزويد الوسائل المختلفة بخدمات إخبارية تعتمد على أدوات دقيقة لقياس صحة الأخبار العلمية والتثبّت منها.

وفي هذا السياق، توضح الصحافية العاملة في خدمة تقصّي صحّة الأخبار في وكالة "فرانس برس" جوزيت أبي تامر، في حديث للميادين نت، أنه وفي ظلّ سيل الأخبار المضللة التي تجتاح شبكة الإنترنت، ويصل البعض منها إلى وسائل الإعلام التقليدي، "بات على المؤسسات الإعلامية أن تؤدّي خدمةً من نوع جديد للمتلقي، وهي الذهاب نحو المعلومات أو المواد الزائفة لتفنيدها".

وتشرح طبيعة عمل خدمة تقصّي صحة الأخبار في الوكالة، بالقول إنها "تقوم على إصدار تقارير مفصّلة عن كل خبر زائف أو مضلل على مدونة إلكترونية متاحة للجميع، إلى جانب نشر هذه المعلومات على صفحة (في ميزان فرانس برس) على فيسبوك وتويتر، إضافة إلى مواضيع مختارة أسبوعياً تُبث على نشرة الوكالة".

وتشير إلى أن المصادر التي ينبغي على الصحافيين الرجوع إليها، أثناء تناولهم للمسائل الصحية الخاصة بالوباء، تتمثّل بمواقع المنظمات الصحية العالمية و"مراكز الأبحاث والمجلات العلمية المرموقة، بالإضافة إلى رأي خبراء متخصصين بالموضوع قيد البحث من أصحاب السجلات العلمية والبحثية المعروفة، مع عدم الاكتفاء برأي واحد، بل اللجوء إلى مجموعة من الخبراء".

وسائل التواصل الاجتماعي.. مع/ضد

  • فرض كورونا البقاء في المنازل، ما أدى إلى ارتفاعٍ كبير باستخدام وسائل التواصل
    فرض كورونا البقاء في المنازل، ما أدى إلى ارتفاعٍ كبير باستخدام وسائل التواصل

لا يجري استخدام القضايا الجدلية فقط كمادة للنقاش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أن القضايا العلمية كثيراً ما تصبح وجهة نظر يجري تبنيها أو رفضها، الدفاع عنها أو استهدافها. وهذا ما يمكن ملاحظته في السنة المنصرمة من عمر الوباء.  

لقد فرض الوباء على نحو 2,6 مليار نسمة بالعالم البقاء في المنازل، في وقت واحد، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاعٍ كبير باستخدام الانترنت ووسائل التواصل على وجه التحديد، لتمضية الوقت، وتخفيف الشعور بالوحدة، والبحث عن معلومات حول الوباء.

وتشير دراسات مركز "Global Web Index" لأبحاث استخدام المواقع الإلكترونية أن نسبة 50% تقريباً من المستخدمين في الدول الغربية زادت من استخدام المواقع الإلكترونية، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل البحث عن الأخبار، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر كوفيد-19 وكيفية تجنبه.

وبلغ التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي مدياتٍ غير مسبوقة، وووصلت أحياناً إلى ذروتها، فأصيب تطبيق "واتساب" بأعطال، وتعثر بسبب حجم الاتصالات والملفات المرسلة عليه. كما زاد عدد المستخدمين لهذه الوسائل، ما قدره 166 مليوناً لـ"تويتر" و315 مليوناً لـ"تيك توك"، خلال الربع الأول من عام 2020، على سبيل المثال لا الحصر.

لكن زيادة المستخدمين لا ينعكس إيجاباً بالضرورة، فقد وفّر الوباء "بيئةً خصبة لكل خبير في الاحتيال، وكل بائع قصص مفبركة، وكل مروّج لنظرية المؤامرة، وكل متصيّد للفرص على الإنترنت"، يؤكّد مؤسس منصّة "Global Disinformation Index". وساعد في ذلك اعتماد هذه الوسائل - خاصةً فيسبوك وتويتر - على خوارزميات تحفز المستخدمين على البقاء مدّة أطول على هذه الوسائل، وذلك بالحفاظ على الانقسام بين الآراء الذي يجذب المزيد من اهتمام المستخدمين، وفق ما أوضح تحقيق لـ"Wall Street Journal"، في أيار/مايو المنصرم، حول شركة فيسبوك. 

ولهذا صار بالإمكان ملاحظة تحوّل هذه الوسائل إلى "ساحة حرب" بين مؤيدي الإجراءات الوقائية ومعارضيها، الداعين إلى تلقي اللقاح والرافضين له، مروجي نظرية المؤامرة ومروجي آخر نتائج الدراسات العلمية.

ولمواجهة هذه الفورة في بثّ الآراء، توجّهت معظم وسائل التواصل إلى مساعدة المستخدمين للعثور على المعلومات الصحيحة حول كوفيد-19 وتجنّب تلك المزيفة، فوفّر مركز معلومات فيسبوك أحدث المعلومات التي تصدرها الجهات الرسمية، بما في ذلك عدد الإصابات والوفيات محلياً وعالمياً وآخر الأخبار المتاحة. أما انستغرام فأحال مستخدمي محرك البحث الخاص به إلى مصادر رسمية في حالات البحث عن معلومات حول كورونا، ومنع الإعلانات التي تشير إلى الوباء لاحتوائها ربما على معلومات غير صحيحة. 

بدوره، قام تويتر بنشر رسائل تحذّر المستخدمين من أن بعض التغريدات تتضمن معلومات مضللة بشأن فيروس كورونا، كذلك شرع بحذف المحتوى الذي يروّج لمزاعم غير محددة ومضللة بشأن كورونا، بما في ذلك تسجيل مصوّر نشره الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قال فيه إن الأطفال "محصنون تقريباً" ضد الوباء.

ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق، إلى التعاون بين شركات ضخمة ومهمة كفيسبوك وغوغل ومايكروسوفت وريديت، في مجال محاربة المعلومات المضللة، والتي نشرت إعلاناً مشتركاً، في آذار/مارس الماضي، تتعهد بنشر "المضمون الصادر عن السلطات المعنية، وتشارك التحديثات المهمة بالتنسيق مع وكالات الرعاية الصحية الحكومية حول العالم".

الوباء ليس النهاية.. إنما إنذار 

تعالت، إثر تفشي الوباء، الأصوات الداعية إلى إصلاح الأنظمة الصحية في مختلف الدول، والتنبّه أكثر إلى الأزمات التي تهدد مستقبل الجنس البشري، فيما رأى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن الوباء هو "إشارة إنذار لنا جميعاً". وهو إنذار لا يستثني وسائل الإعلام والتواصل، التي ينبغي أن تكون اكتسبت المزيد من "المناعة" والحنكة في مواجهة الأزمات الإنسانية الطارئة.