العناية التلطيفيّة.. ليس بالدواء وحده يشفى الإنسان

بين مطرقة المرض وسندان الرحمة، هل يسعى الجيش الأبيض إلى تلبية آخر طلبات المريض؟ أو يتمسك بقواعد الوقاية ويوصد كل الأبواب أمام فيروس كورونا الذي يتسرب إلى رئة الإنسان حتى آخر نفس؟

  • ممرض يرعى مريضاً أصيب بفيروس كورونا في بورتيماو (أ ف ب).
    ممرض يساعد مريضاً أصيب بفيروس كورونا في بورتيماو (أ ف ب).

في إحدى البلدات الجنوبية في لبنان، أصيبت سيدة بفيروس كورونا. حالتها الصحية الصعبة استدعت نقلها إلى المستشفى، بعدما تربّص الفيروس برئتيها. عادت بعد فترة لاستكمال العلاج في المنزل، نظراً لوجود حالات أكثر خطورة. لدى هذه السيدة "ابن لطيف"، اعتاد أن يزورها كل يوم، ويحدّثها من شرفة المنزل، ويحضر معه أكثر ما يعيش في ذاكرة والدته؛ رسائل كان والده المتوفى قد أرسلها إليها قبل أن يموت بحادثة سقوط طائرة كوتونو في العام 2003، والتي خلّفت 140 ضحية كانوا عائدين من أفريقيا إلى بيروت.

شيء ما لطيف في القصة. بعد شفاء هذه السيدة تماماً، حكت لكل من قام بالسؤال عنها كيف أثر فيها كثيراً ما قام به ابنها، وقالت مراراً: "هالرسايل بس عطتني أمل". كان اختيار الابن "لطيفاً" جداً لمريض يحتاج إلى ذكرياته وأمله الخاص كي ينسى ويتخطى ويعيش.

لم يستطع أحد أن يوقف عداد كورونا حتى اللحظة. إصابات، ثم وفيات، فإصابات جديدة. على الرغم من ذلك، لم يقتصر هول الفيروس/ الأحجية على الأرقام. ووراء كل إصابة أو حالة وفاة، قصة حزينة وموجعة. وحدها العناية التلطيفية بالمرضى خففت عن هذا العالم ثقل المأساة، فلكلّ منّا معتقدات وموروثات وذكريات يحتاج إلى التمسّك بها عند كل منعطف يعتقد أنه الأخير.

الرعاية التلطيفية... كيف تخفف آلام المرضى؟

الرعاية أو العناية التلطيفية هي أحد أنواع الرعاية الصحية التي تهدف إلى تحسين جودة حياة المرضى الذين يواجهون المصاعب المصاحبة للأمراض المهددة للحياة. سابقاً، كنّا نتخذ السرطان مثالاً. بعد كانون الثاني/يناير 2020، أصبحنا نقول: مثل "كوفيد-19".

الممرضة المتخصصة في الأخلاقيات الطبية، مريم حجازي، تعرّف العناية التلطيفية بأنها نوع من العناية المخصصة للمرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة، وقد وصلوا إلى المراحل المتقدمة والأخيرة. وتقول إن مصطلح "التلطيفية" جاء من اللطف والرفق والرقة.

تشرح حجازي في حديثها إلى الميادين نت معنى العناية التمريضية، وتقول إنها مجموعة حزم في التعامل وقواعد ومعادلات طبية تهدف إلى تقديم علاج طبي للمساعدة في تحسين حالة المرضى، لكن في العناية التلطيفية الهدف واحد، وهو تحسين جودة حياة المريض ليموت بسلام، وبأقل ألم ممكن، وأن يكون محاطاً بعائلته ويمارس كل ما يحبه، بصرف النظر عن حالته.

تعطي حجازي مثالاً عن التدخين الممنوع بطبيعة الحال، لكنّ المستشفى تسمح للمريض في الحالات الحرجة أن يدخّن، ويُسمح لعائلته بزيارته في أي وقت، بخلاف الأوقات المحددة للزيارة في الحالات الطبيعية.

طبيعة الأسئلة الموجّهة إلى المريض تختلف في العناية التلطيفية. بحسب حجازي، تصبح الأسئلة اللطيفة: "هل تشعر بالألم؟ هل تريد أن نقوم بأي شيء لأجلك؟ هل تريد أن تقول شيئاً". وتضيف: "وكأننا نتحول إلى فانوس سحري. علينا أن نحقق كل ما يطلبه المريض منّا". جزء من هذه العناية "أن يسمح للمريض بأن يطلب قدوم رجل دين، ليمارس طقوسه الدينية في آخر لحظات حياته، بصرف النظر عن ديانته".

عادة ما تسعى المؤسسات الصحية، بحسب حجازي، إلى تدريب الأهل أيضاً على مبدأ العناية التلطيفية وكيفية التعامل مع المريض لهدفين؛ الأول أن يعيش المريض أيامه الأخيرة في مكان محبب إليه، وغالباً ما يكون بيته، والآخر هو إتاحة مجال في المستشفى لمرضى آخرين يعانون من حالات "مرضية" وليس "تلطيفية".

حجازي اعتبرت أن "احترام هذه اللحظات في حياة الإنسان قد تكون أكثر أهمية من الاهتمام به في حياته، لأن هذه اللحظات تسمح له بأن ينتقل من الحياة إلى الفناء من دون عذاب". 

وأشارت أيضاً إلى أن هذا النوع من العناية يسمح للأهل برؤية أحبائهم راضين قبل الموت، وهو ما يسهّل الصدمة (trauma) عليهم، ويساعدهم على تخطّي مراحلها الخمسة، وهي "الإنكار، والغضب، والمساومة، والاكتئاب، والتقبّل". كما أن أهمية تنفيذها تكمن "في تعزيز صورة الطب والعناية كصورة إنسانية بعيداً من الاختلاف الثقافي والديني، وتقوية الرابط الإنساني والقدرة على التسامح في اللحظات الأخيرة".

بعض المرضى يقومون بالصلاة بشكل دائم إذا ما تحسسوا خطراً حقيقياً، وآخرون يكثرون من التضرع والدعاء أو يطلبون من الرجل الذي يمثل ديانتهم أن يكون قريياً إليهم في اللحظات الأخيرة أو الخطرة، وهو ما رأيناه بكثافة في ظل انتشار فيروس كورونا.

عادةً ما يحتاج الإنسان إلى أن يُعامل بلطف، لكنه بحاجة إلى اللطف المطلق بعد أن مرّ عليه عام حمل اسم "عام الفيروس" و"عام الوباء" و"عام الموت"، وتغيّرت فيه العادات والتقاليد والثوابت، وتسبب بالموت والحزن والمأساة والبطالة في العالم.

أحد أفراد الصليب الأحمر في تولوكا في إحدى ضواحي مكسيكو، قال الشهر الماضي: "هنا، للحصول على سرير، لا بد من الانتظار حتى يموت أحد أو يغادر.. الأمر صعب، لكن هذا هو الواقع!".

ألا يكفي كلّ ذلك ليخترع العالم أدوات ووسائل كي يبدو لطيفاً بحق؟ فكما "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ"، ليس بالدواء وحده يشفى الإنسان.