كوبا المحاصرة تملك مؤشرات صحية تضاهي أغنى البلدان

لا تتمتع كوبا الفقيرة والمحاصرة بمؤشرات صحية أفضل من الولايات المتحدة فحسب، بل إن جهودها الطبية الدولية وبعثاتها التضامنية تنقذ آلاف الأرواح سنوياً حول العالم.

  • رجل يقود سيارة أميركية قديمة أمام ملصق للزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو في هافانا (أ ف ب).
    رجل يقود سيارة أميركية قديمة أمام ملصق للزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو في هافانا (أ ف ب).

على الرغم من الحصار والعقوبات الأميركية التي تعاني منها كوبا منذ حوالى الـ60 عاماً، فإنه لمن الملفت حقاً أن هذه الجزيرة الصغيرة الفقيرة لديها مؤشرات صحية أساسية تساوي أو تفوق مؤشرات أغنى البلدان في العالم.

تتمتع كوبا بأعلى كثافة للأطباء في العالم، نسبة المهنيين الطبيين أعلى بثلاث مرات تقريباً منها في الولايات المتحدة. يوجد في كوبا أكثر من 100 ألف طبيب نشط، وهي بذلك أعلى مؤشر في العالم بنسبة 9 أطباء لكل ألف نسمة.

مع بداية كل عام، تكشف كوبا عن معدلات وفيات الرضّع فيها وهو الأدنى في قارة أميركا اللاتينية. في نهاية عام 2020، وهو العام الذي تمّ فيه اختبار القدرات الصحية للحكومات في جميع أنحاء العالم، تشير إدارة السجلات الطبية والإحصاءات التابعة لوزارة الصحة العامة في كوبا أن البلاد سجّلت معدل وفيات أطفال بلغ 4.9 لكل ألف مولود حي، وهي نسبة متقدمة جداً على مستوى العالم.

متوسط عمر الفرد في كوبا هو 99 عاماً، 78 عاماً للرجال، و 80 عاماً للنساء، وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي المعقد الذي تعيشة الجزيرة، والنقص الذي تعانيه في العديد من المواد الأساسية بسبب الحصار والعقوبات الأميركية، لكن الكوبيون يقولون "نعيش مثل الفقراء، لكننا نموت مثل الأغنياء"، حيث أن الدولة الكوبية تؤمن الحاجيات الأساسية للأطفال وكبار السن.

في العام 2015، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن كوبا هي البلد الأول في القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) من الأم إلى الطفل.

تنتج كوبا 8 لقاحات من أصل 11 لقاحاً، تُعطى للأطفال وفق برنامج خاص، و تقوم بتصدير الفائض منها إلى أكثر من 30 بلداً في العالم إضافةً لمنتج دوائي خاص بسرطان الرئة.

الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والبحث العلمي، كان له الفضل الأكبر في ما نراه اليوم، حيث يملك هذا البلد الصغير 31 معهداً بحثياً، 62 مصنعاً للأدوية يعمل فيها 20 ألف خبيراً وأخصائياً.

بالنسبة لكوبا، فإن المساعدة الطبية سمة مميزة للثورة: مساعدة ضحايا زلزال عام 1963 في تشيلي؛ مساعدة النيكاراغويون والهندوراسيون بعد إعصار ميتش في عام 1998؛ ضحايا تسونامي في إندونيسيا عام 2004؛ الهايتيين بعد الزلزال الكارثي عام 2010 وما تلاه من تفشي الكوليرا، بالإضافة إلى إرسال فرق طبية كوبية إلى ليبيريا وغينيا وسيراليون لمكافحة الإيبولا عام 2014، وأخيراً وليس آخراً أرسلت كوبا أكثر من 38 لواء طبي لمساعدة أكثر من 26 بلداً حول العالم في منع تفشي فيروس كورونا.

لا تقوم كوبا فقط بتدريب أطبائها؛ بل تمتلك برنامج لتدريب الأطباء من جميع أنحاء العالم، هذه الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة فقط هي موطن لأكبر كلية طب دولية في العالم، وهي المدرسة الأميركية اللاتينية للطب (ELAM)، حيث و منذ تأسيسها في عام 1999، تخرج من هذه المدرسة أكثر من 35000 شاب من 138 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة.

تقول مجموعة "قساوسة من أجل السلام"، وهي المجموعة التي تختار الطلاب الأميركيين الذين يأتون من المجتمعات "الأكثر تواضعاً واحتياجاً"، إن المنح الدراسية تشمل رسوماً دراسية كاملة، وسكناً، وثلاث وجبات في اليوم، وكتباً مدرسية، وزيّاً مدرسياً، وراتباً شهرياً صغيراً. و في حين أن خريجي كليات الطب الأميركية مثقلون بدين من 6 أرقام.

إن الدين الوحيد الذي يتحملّه طلاب الطب في كوبا هو الالتزام بممارسة الطب في المجتمعات منخفضة الدخل المحرومة، هم ينطلقون من واجبهم الثوري والانساني المتمثّل في مساعدة المجتمعات الفقيرة وعندما تسألهم عن تبني هذا النهج الإنساني يرددون ما قاله الـ تشي غيفارا: "إن حياة إنسان واحد تساوي مليون مرة كل الخصائص التي يمتع بها أغنى رجل على وجه الأرض".

شكّل وصول ترامب إلى البيت الأبيض تحدياً كبيراً للبرامج الاجتماعية الكوبية، حيث قامت الإدارة الأميركية السابقة بشن هجوم شرس في محاولة تخريب التعاون الطبي كوبي، كان المتعصبون المناهضون لكوبا في إدارة ترامب يحرّضون الأطباء الكوبيين العاملين في الخارج على الانشقاق، و يضغطون على الدول التي تستقبلهم من أجل طردهم.

كان جوهر الهجوم هو تصوير البرنامج الطبي الكوبي كشكل من أشكال العبودية الحديثة، أن الأطباء يتلقون فقط حوالي ربع الأموال التي تدفعها البلدان مقابل خدماتهم. لكن الحقيقة أن المهنيين الصحيين الكوبيين يتطوعون للقيام بهذه المهام: يريدون الخبرة، ويكسبون أكثر مما يكسبون في بلدانهم، وهم يعلمون أن باقي الأموال تذهب لدعم النظام الصحي الوطني في كوبا.

نجحت إدارة ترامب في إقناع الحكومات اليمينية التي وصلت إلى السلطة في بوليفيا والبرازيل والإكوادور منذ عام 2018 بالتخلي عن حوالى 9000 متعاون صحي كوبي، ولكن حالياً نجد هذه البلدان في وضع مأساوي، هي نفسها غارقة الآن في فيروس كورونا وتحزن على فقدان المهنيين الكوبيين ذوي الخبرة.

وفي السياق الدولي المعقّد الذي يشهده العالم بسبب جائحة كورونا، تعتبر كوبا أول بلد في أميركا اللاتينية، تمتلك لقاحين في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية (سوبيرانا 02 و عبد الله) من أصل خمسة لقاحات تطورها الجزيرة ضد هذا المرض.

إذاً نجحت اللقاحات الكوبية ضد كورونا والتي تتقدم بخطوات ثابتة وتظهر فعالية ودرجة أمان عالية، فسيكون باحثيها قد تغلبوا على عقبات وتحديات تتمثّل في نقص المعدات، الأجهزة والتكنولوجية اللازمة لذلك، والسبب يعود للحصار الأميركي المفروض على الجزيرة.

يمكن أن يؤدي تحصين جميع سكان كوبا وتقديم هذه اللقاحات للسياح إلى تعويض الجزيرة عن الانخفاض الكبير في عائدات السياحة خلال الوباء، وتعزيز النفوذ الدبلوماسي لهافانا.

كل التوقعات تُشير إلى أن كوبا على أعتاب تحقيق إنجاز طبي جديد، لافت وفريد من نوعه في العالم، وأن الحلم الذي تسعى إليه كوبا والمتمثّل في تحصين جميع مواطنيها، سيصبح واقعاً ملموساً قبل نهاية العام الحالي.