ترك البكالوريوس واستدرج "فريسكو" أجدادَه لمقاومة الأزمة

"الفريسكو حرفة متوارثة في عائلتنا"، يقول عماد، ويضيف أن "والدي وهو يعلمني صناعتها يردد على مسامعي المثل المشهور لا تطعمني سمكة اليوم، بل علمني كيف أصيد". 

  • عماد حمود مواليد 1989، تخرج من الجامعة حاملاً شهادة الإجازة في إدارة الأعمال والتجارة
    عماد حمود مواليد 1989، تخرج من الجامعة حاملاً شهادة الإجازة في إدارة الأعمال والتجارة

ينطلق عماد حمود متجولاً في ناقلته على ثلاثة دواليب، يحركها محرك يعمل على طاقة نفطية، حاملة قناني ومستوعبات لأصناف المشروبات بألوان مختلفة تشعشع تحت أنوار الشمس الحارقة صيفاً، ويردد نادهاً للجمهور "تع بورد من هنا وبس"، وعلى العربة مستوعب لقالب ثلج كبير مغطى بحرفية منعا لذوبانه السريع، وجاروفة (مبرشة) يد صغيرة من معدن الزنك، مسننة في مقدمتها، ولها غطاء متحرك يتيح نقل الثلج المجروف فيها.

تمكن الجاروفة عماداً من جرف قبضة من الثلج تملأ كباية قبل أن يصب فوقها كمية محددة من أساس المشروب الذي يختاره الزبون، فتتحول بيده إلى وسيلة تبريد على القلوب الظمأى، والتي أشعل حرارتها حر الصيف اللاهب. 

عماد حمود مواليد 1989، مثل آلاف الشباب الفلسطيني، تخرج من الجامعة حاملاً شهادة الإجازة في إدارة الأعمال والتجارة، وبحث كثيراً عن عمل باختصاصه، لكنه لم يعثر على عمل في هذه الظروف، وفي خيارات الوظيفة الضيقة المتاحة للفلسطينيين في لبنان، يروي للميادين نت إنه "اشتغل في جمعية خيرية هي جمعية "الفرقان" في مخيم برج البراجنة، وأمضى فيها وقتاً طويلاً حتى سنة 2018، واعتمد تصنيع وبيع "الفريسكو" بعد توقف عمله في الجمعية.

يعرف عماد "الفريسكو" بأنه سلسلة من المشروبات ذات المصدر الطبيعي، وترتكز أساساً على الثلج، ومن أنواعها شراب الورد، والجلاب، أو مزيج منهما، وفيها منكهات منها ما يصنعه بيده، وتصنع من الماء، والعصائر الطبيعية، ومنكهات مختلفة، وهي مشروب صيفي لأن الثلج هو العنصر الأساسي فيها، أما شتاء فيقول إنه "لا نستطيع بيعها لأن الثلج يسبب المرض في فصل البرد”.  

"الفريسكو" حرفة متوارثة في عائلتنا، يقول عماد، ويفيد أن "جدي كان يشتغل "الفريسكو"، وبعد وفاته اعتمدها عمي، ثم والدي، وأنا تعلمت منه كيف نصنعها، وما هي المواد التي نستخدمها، كما علمت اخوتي عليها، وكان والدي وهو يعلمني صناعتها يردد على مسامعي المثل المشهور: "لا تطعمني سمكة اليوم، بل علمني كيف أصيد". 

يقول عماد إن "الفريسكو باتت شائعة جداً، ومطلوبة في مخيم برج البراجنة، وحارة حريك، وعين السكة، وهناك طلب كبير عليها ربما لأنني الوحيد الذي أصنعها، وأبيعها في بيروت، لذلك، كثيرون يتصلون بي ويطلبون الفريسكو،  فأتجه إليهم، وأبيعهم ما يحتاجون، مع العلم أن لي خط معروف أسير عليه طوال النهار".

ولأن "الفريسكو" يعتمد أساساً على الثلج، فـ"أنا لا أستطيع أن أقف بعربتي في نقطة واحدة، وعلي التجوال طوال فترة العمل وإلا تعرض الثلج للذوبان السريع".

يقصد عماد كثيرون من المناطق البعيدة كالحدث، والشويفات بعد أن يتصلوا به، كما قال، مضيفاً "المهم في الفريسكو أنها تغطي حاجتنا الحياتية، وتغطي مصاريفنا، في ظل الأزمة الخانقة التي نعيش". 

يذكر عماد كيف كان يبيعها سابقاً بأسعار تراوحت بين 250 ليرة، أو خمسماية، أو ألف ليرة بحسب الحجم، ويضيف: "لكن في ظل هذا الغلاء، باتت تتراوح بين ثلاثة آلاف، وثمانية آلاف ليرة، ويعتمد ذلك على أحجام الكبايات التي اضطرتني الظروف لأن أعتمد على أحجام مختلفة منها تلبية لحاجة، وطلبات الزبائن، خصوصاً الأولاد، والأطفال، فلا يمكن أن تبيع طفلا بثمانية آلاف، بل ألبي طلبه بحجم صغير". 

عرضت بعض الشركات على عماد أن تبيعه المواد الأولية الجاهزة، ويقول إنه رفض العروض، وأصر على تصنيعها بيده "حفاظاً على المهنة المحببة على قلوب الناس، وحفاظاً على إرث الأجداد"، كما أنهى قصته.