تفاقم العنف شمالي مالي.. ما أبرز خلفيات التمرد المستجد؟

ما هي جذور التمرد المستجد في مالي، وكيف سيؤثر على قتال الجماعات الإرهابية في مالي ومنطقة المثلث؟ وهل من الممكن أن يتطور إلى حرب أهلية في ظل وضع البلاد الهش؟

  • تفاقم العنف شمالي مالي.. ما أبرز خلفيات التمرد المستجد؟
    تفاقم العنف شمالي مالي.. ما أبرز خلفيات التمرد المستجد؟

خلّفت الهجمات المسلحة وأعمال العنف شمالي مالي، أكثر من 70 قتيلاً وعشرات الجرحى، خلال أقل من أسبوع تهور فيه الوضع الأمني في البلاد بشكل ملحوظ، مع فقدان الحكومة المركزية في باماكو، بقيادة المجلس العسكري الحاكم، سيطرتها على أجزاء مهمة من جغرافيا المناطق الشمالية.

وجاء إعلان القادة السابقين لـ"جبهة تنسيق حركات آزواد"، في شمالي مالي، أنّهم في "حالة حرب" مع المجلس العسكري الحاكم في البلاد، ودعوة جميع سكان منطقة آزواد الشمالية إلى "الذهاب إلى الميدان للمساهمة في جهود الحرب"، الإثنين، ليفاقم الأزمة في البلد الأفريقي الذي يعاني من تراكم للمشاكل على مستويات عدة.

فما هي جذور هذا الخلاف، وكيف سيؤثر على قتال الجماعات المسلحة في مالي ومنطقة المثلث؟ وهل من الممكن أن يتطور إلى حرب أهلية في ظل وضع البلاد الهش؟

مشكلة متجددة: تمثيل الطوارق في الحكم

تعود جذور الخلاف في مالي، بين المتمردين في الشمال وبين العاصمة باماكو، إلى أسباب وعوامل قديمة، سبقت تسلم المجلس العسكري للسلطة في البلاد عام 2021.

فالمتمردون الحاليون مجملهم من الطوارق، والطوارق هم من شعب الأمازيغ، وهم شعب من الرحّل يقطنون في مساحة شاسعة من الصحراء الأفريقية، تمتد من موريتانيا في الغرب إلى تشاد شرقاً، وتشمل الجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو ومالي، وسبق أن دخل الطوارق أكثر من مرة وفي أكثر من بلد في صراعات مع السلطة، منها النيجر ايضاً في عام 2007.

وفي العام 2012، سيطر الطوارق على شمالي مالي، ولكن تمّ توقيع اتفاق سلام في الجزائر في عام 2015، تنازل فيه الطوارق عن الحكم الذاتي، مقابل إشراكهم في السلطة المركزية في باماكو.

ولكن بعد الانقلاب العسكري، وتسلم المجلس العسكري الحكم، عاد الخلاف لعدة أسباب أبرزها أنّ المجلس العسكري أقصى الطوارق من المشاركة في صياغة شكل الحكم الجديد، وحتى من المشاركة في الحكم.

والسبب الثاني بحسب الطوارق، هو خرق الحكومة لعدد من الاتفاقات الأمنية الموقعة في اتفاق الجزائر عام 2015.

والسبب الثالث أنّ الهجمات الارهابية للتنظيمات المتطرفة توسعت كثيراً، وشملت مواقع للمتمردين، لاسيما مع انسحاب القوات الفرنسية والأممية من البلاد، الأمر الذي وجد فيه الطوارق استهدافاً لسلطتهم، فهم باتوا يخسرون أراضٍ مهمة أمام هجمات الإرهاببين، التابعين للفرع الأفريقي من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، وغيرها من الجماعات.

الغرب يدفع باتجاه الانفجار الداخلي

وعلى الرغم من تحميل الطوارق المسؤولية للحكومة في عدم التمكن من دفع الإرهابيين عنهم، لا يمكن تجاهل الاتهامات التي توجهها أوساط حكومية عدة في مالي وبوركينافاسو والنيجر، عن الدور الغربي الداعم للجماعات الإرهابية كداعش وغيرها، والداعم أيضاً لتحرّكات للمتمردين الطوارق، والمتحمّس لنسف اتفاقات السلام بينهم وبين باماكو.

وبطبيعة الحال، يصبّ ذلك في مصالح فرنسا والدول الغربية، لأنّ من شأن ذلك أن يورّط المجلس العسكري الذي انقلب على التوجه السياسي الفرنسي للبلاد عام 2021، في فوضى من شأنها زعزعة الاستقرار الذي يسعى إليه المجلس، ويرجّح الكفة لصالح أنّ البلاد في ظلّ الحكم الموالي لباريس كانت أفضل حالاً، مع العلم أنّ الهجمات الإرهابية في ظل الوجود العسكري الفرنسي تضاعفت مرات خلال عقد من الزمن.

وهذا لا يخص مالي فقط، بل النيجر أيضاً ولو بقدر أقل، لأنّ الطوارق في النيجر وعلى الرغم من قوتهم، لكنهم غير موحدين، والحركة التي أسسها غيسا أغ بولا تخصّ بعض الطوارق، أمام البقية فمتفرّقون، وهناك نسبة منهم تدعم السلطات الجديدة في النيجر، على عكس مالي حيث يشكلون قوة كبرى شمالي البلاد بشكل خاص.

انعاكاسات كارثية على جهود محاربة الإرهاب

وستشكل عودة الحرب بين المتمردين في شمالي مالي والمجلس العسكري في باماكو أزمة كبرى، إذ سيكون لها انعاكاسات كارثية على جهود محاربة الإرهاب في مالي، لاسيما أنه مع انسحاب القوات الأممية، تزايدت العمليات الإرهابية في المنطقة بشكل دراماتيكي.

المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية، وفي دراسة له نشرها في آب/أغسطس الماضي، أعلن أنّ مالي "في طريقها لتشهد أكثر من 1000 حادثة عنف تورطت فيها جماعات إرهابية في عام 2023، متجاوزةً بذلك مستويات العنف القياسية المسجلة في العام الماضي، وبزيادة نحو ثلاثة أضعاف عن الوقت الذي استولى فيه المجلس العسكري على السلطة في عام 2020". 

إذ تمّ، بحسب المركز، اجتياح ما يقرب من 6150 كيلومتر مربع من الأراضي المالية، في الأشهر الستة الأولى لعام 2023، مقارنةً بمسافة 5200 كيلومتر مربع، في الأشهر الـ6 السابقة، بزيادة بنسبة 18%.

وأصبحت رقعة كبيرة من شمال البلاد حالياً، تحت الحكم للجماعات الإسلامية المتشددة بالفعل.

وفي النصف الأول من عام 2023، وقعت 16 حادثة من أعمال عنف وإرهاب، على مسافة 150 كيلو متراً من باماكو، وهذا بالمقارنة مع خمسة أحداث فقط في الأشهر الستة الماضية.

كما تزايدت أعمال العنف التي تستهدف المدنيين من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة، بنحو خمس مرات في الأشهر الـ12 الماضية، عما كانت عليه في العام الذي سبق تولي المجلس العسكري للسلطة.

اتساع التمرّد إلى النيجر

ولا بدّ أيضاً من الإشارة إلى أنّ تحركات المتمردين الطوارق في شمالي مالي، امتدت أيضاً إلى النيجر، وهذا إن كان يدلّ على شيء فهو يدلّ على دعم حصل عليه هؤلاء للقيام بأعمال مشتركة في البلدين من شأنها تقويض الأمن الأهلي والاستقرار، حيث يصادف أن كليهما حصل فيه انقلاب مدعوم شعبياً ضد نظام متهم بالفساد ويدعم  المصالح الأوروبية وخاصة الفرنسية.

وبالتزامن مع إعلان وفد الإطار الاستراتيجي، المكون من حركات مسلحة في "أزواد" وقعت على اتفاق الجزائر، استعداده للدفاع عن "حقوقه في الإقليم"، خلال اجتماع له في الجزائر في آب/أغسطس الماضي، تم تأسيس "مجلس المقاومة من أجل الجمهورية"، وهدفه إعادة الرئيس محمد بازوم إلى السلطة في النيجر.

ويتألف هذا المجلس من أبرز قيادات ما عرف بثورة الطوارق في النيجر عام 2007 – 2009، التي انتهت باتفاق سلام مع السلطة حينها، واليوم يدعو الوزير السابق والمتمرد القيادي في الطوارق، غيسا أغ بولا، في خطاب له، "الجنود الذين يحترمون قسمهم والشعب إلى المضي قدماً دون تأخير".

اقرأ أيضاً: حرب مالي ضد الإرهاب.. لماذا احتدمت المعارك؟