"11 سبتمبر".. هكذا استغلت أميركا الضحايا في القتل ونهب الثروات

الولايات المتحدة اتّخذت من القتل ذريعةً للحرب. وبسبب "خضَّةٍ" اقتصادية، دمّرت اقتصاد بلدين، ونهبت ثرواتهما، وفكّكت بنيتيهما الاجتماعيتين المتنوعتين.. لكنْ، ما الذي حقّقته الولايات المتحدة بعد عقدين على هجمات 11 أيلول/سبتمبر؟

  • تسبب الغزوان ضد أفغانستان والعراق في حالات تفكك للبنية الاجتماعية
    تسبّب الغزوان ضد أفغانستان والعراق بحالات تفكّك البنية الاجتماعية

يمكن اعتبار ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر من عام 2001 "زلزالاً" ضرب العالم، بالنظر إلى ارتداداته وتأثيراته الممتدة حتى اليوم، بعد 20 عاماً بالضبط من الضربة، بحيث تزامنت الذكرى هذه السنة مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان، ليعود هذا البلد بسرعة قياسية إلى سيطرة حركة "طالبان"، كما كان قبل الغزو الذي هَدَفَ، بصورة أساسية، إلى إطاحة هذه الحركة، باعتبار حكمها حاضناً لـ"التنظيمات المتشددة"، وفي طليعتها "القاعدة".

 أمّا ما حدث في حالة العراق، فهو وجهٌ آخر من وجوه العنجهية الأميركية؛ الوجه الأكثر سفوراً، إذ تأسَّس غزو العراق، منذ البداية، على ادّعاءاتٍ باطلةٍ لا أساس لها من الصحة، وهي حيازة نظام الرئيس صدّام حسين أسلحةَ دمارٍ شاملٍ.

إطاحة البرجين أطاحت بلدين

لم يكن الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي حدثاً عادياً، لا لناحية شكله ولا لناحية تداعياته. فتَحْتَ ذريعةِ مقتل نحو 3000 شخصٍ في هجوم الطائرتين، وفي الهجمات المتزامنة الأخرى، والتي وقعت في اليوم ذاته، قتلت أميركا أضعافاً من الأبرياء الآخرين. ودفاعاً عن المكانة والرمزيّة الاقتصاديتين، واللَّتين تمثّلهما مدينة نيويورك والبرجان المغروسان في وسطها، تمَّ تدمير الاقتصاد والبنية التحتية، ونهبُ الثروات، في كلٍّ من أفغانستان والعراق وبلدان أخرى، الأمر الذي رفع نِسَبَ الفقر والبطالة، وزاد في معدَّلات التضخّم.

وفي مقابل أن يقف أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي قرب موقع الاعتداء، مردِّدِين النشيد الوطني الأميركي، في مشهد يصفونه بـ"غير المسبوق"، تسبَّب الغزوان ضد أفغانستان والعراق بحالات تفكّك البنية الاجتماعية في كلٍّ من البلدين اللذين يتكوّن شعباهما من طوائف وإثنيات وقوميات متعددة. وهنا، يصبح التفكيك وإثارة المشاكل بين هذه المكونات المتعدّدة، أحدَ الأهداف الأولى لأي احتلال، لتسهل عليه السيطرة من خلال إضعاف خصومه، وإشغالِهم عن مواجهته بقتال بعضهم البعض.

ضحايا بمئات الآلاف

في لغة الأرقام، والتي تبقى عُرضة للتأويل ولأن تكون ضمن مجالاتٍ غير دقيقة، نتيجة عدم وجود إحصاءاتٍ وبياناتٍ رسمية، تمَّ تقدير عدد الضحايا الذين وقعوا في صفوف الشعب الأفغاني بين 47 ألفاً و51 ألفاً، بحسب تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس". وصرّح الرئيس الأفغاني المستقيل أشرف غني، في عام 2019، بأنَّ "أكثر من 45 ألف جندي من قوات الأمن الأفغاني قُتلوا في الحرب"، منذ أن وصل إلى سدة الحكم في عام 2014 فقط. 

لكنَّ بحثاً لجامعة "براون" في العام ذاته، أشار إلى أنَّ عدد مَن قُتلوا في صفوف الجيش والشرطة الأفغانيَّين تجاوز 64 ألفاً، منذ بدء الغزو الأميركي، بينما بلغ عدد الضحايا من المدنيين الأفغان نحو 47 ألف قتيل.

في المقابل، هناك صعوبة كبيرة في إحصاء أعداد الشهداء العراقيين، نتيجة أسباب متعدّدة، تأتي في طليعتها الوحشية والشمولية اللَّتان قُتِل عبرهما هؤلاء جرّاءَ قصف الطيران والصواريخ الذكية والبعيدة المدى في إبّان الاجتياح، وكذلك نتيجة تعدّد أسباب مقتلهم بعد الاحتلال، وخصوصاً مع موجات التفجيرات عبر السيارات المفخَّخة في الأسواق الشعبية المكتظّة.

عند الحديث عن الضحايا المدنيين في العراق نتيجة الغزو وما ترتّب عليه، فإن الرقم لا يقل عن 200 ألف مدني حتى عام 2016، وأضعاف ذلك من الجرحى، بينما يُقَدَّر عدد المهجّرين بين 4 ملايين و5 ملايين، موزَّعين على عدة دول في العالم.

الاقتصاد.. الأسباب الخفية

الحرب، التي تُكلّف مبالغ طائلة من المال، لا يمكن أن تكون بلا مردود على الطرف الذي يتكلّف، وخصوصاً عندما تمتلك الدول التي تتعرّض لغزو ثرواتٍ، من دون أن تمتلك إمكان الاستفادة منها عملياً، ومن دون أن تمتلك القوّة للدفاع عن نفسها، وعن ثرواتها أيضاً.

أفغانستان وموقعها بين الغريمين الكبيرين

تقارير متعدِّدة تحدثت عن امتلاك أفغانستان ثروةً معدنيةً تُقَدَّر بقرابة تريليون دولار، أي ما يعادل 820 مليار يورو، بسبب ما تذخر به من الثروات المعدنية، كخامَيِ الحديد والنحاس، ومن الأحجار الكريمة، بالإضافة إلى المعادن النادرة، والتي تدخل في صناعة الشرائح التي تحتوي عليها المعدات التكنولوجية، مثل الليثيوم والكوبالت. ويتابع التقرير مشيراً إلى أهمية هذه المواد بالنسبة إلى الصناعات الصينية. 

لم تستخرج الشركات الأميركية هذه الثروات وتستفيد منها لاعتبارات متعددة، تتعلق أولاً بعدم حاجتها إلى هذه الأنواع من الثروات، بسبب هذا البُعد الجغرافي عن أراضيها، لكنها عطّلت الاستفادة الأفغانية منها، وعوَّقت استثمارها لها على مدى 20 عاماً، ولاسيما مع الصين. وهذا ما انتفى مع انسحاب القوات الأميركية وسيطرة حركة "طالبان" على الحكم من جديد، بحيث زار وفدٌ من الحركة العاصمة الصينية بكين في أواخر تموز/يوليو الماضي، والتقى كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، وعلى رأسهم الوزير وانغ يي، بينما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا تشون ينغ، إن "طالبان أعربت مراراً عن أملها في تطوير علاقات جيدة بالصين، وأنها تتطلع إلى مشاركة الصين في إعادة الإعمار والتنمية في أفغانستان".

كما أنَّ الاحتلال الأميركي لأفغانستان، قطع على العملاق الاقتصادي، الصين، المحتاج إلى مزيد من الموارد، طريقَ تصديره، وهو المشروع الذي تسمّيه الصين "طريق الحرير الجديد"، وتسعى من خلاله لإيصال صادراتها، برّاً وبحراً، إلى العالم، وهو ما تستفيد منه الصين والمنطقة بأكملها في جنوبي آسيا ووسطها.

العراق وسياساته النفطيّة "غير المنتظمة"

في العراق، بحسب وثيقة مشروع القرن الأميركي الجديد (PNAC)، المُعَدَّة في عام 1997، والتي أقرّها كبار المسؤولين في إدارة جورج بوش الابن، كان الصراع الأميركي غير المبرر مع العراق، في أسبابه المختَلَقة، يهدف إلى إيجاد سببٍ فوريٍّ يبرّر الوجود الأميركي القوي والدائم في المنطقة. ووردت العبارة التالية في نص المشروع: "إن الحاجة إلى وجود قوات أميركية كبيرة في الخليج تتجاوز قضية نظام صدام حسين".

لكن، إذا لم يكن شخص صدام هو المشكلة، بحسب الوثيقة، أو حتى ما سُمّي أسلحةَ الدمار الشامل، والتي تَبَيَّنَ عدم وجودها، يحضر السؤال عن السبب الذي دفع الأميركيين إلى احتلال العراق، ثاني أكبر منتجي "أوبك"، وصاحب خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم؟

تمّت الإشارة إلى السبب الحقيقي، بصورة واضحة، في تقريرٍ بشأن أمن الطاقة، تمَّ إعداده بتكليف مباشِر من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، ونشره لاحقاً مجلس العلاقات الخارجية ومعهد جيمس بيكر للسياسة العامة. حذَّر هذا التقرير من أزمةِ طاقةٍ عالميةٍ وشيكةٍ، من شأنها أن تتسبب باضطراب الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن البلاد قد تواجه تقلّبات في أسعار الطاقة لم يسبق لها مثيل.

كما أوضح أنَّ المصدر الرئيسي للاضطراب هو "التوترات في الشرق الأوسط"، وخصوصاً التهديد الذي يشكّله العراق. لكنَّ أهمَّ ما أشار إليه التقرير، هو أنَّ المسؤولين الأميركيين فقدوا الثقة بصدام حسين بسبب "سياساته النفطية غير المنتظمة"، بعد أن أثار تخوفهم عدة مرات، ومنها حين بدأ العراق يتململ من الشراكة مع الغرب في عام 2000، فتعمّد الرئيس العراقي فتح صنابير النفط وإغلاقها، بحسب ما يعتقد أنَّ فيه مصلحة بلاده الاستراتيجية.

وبعد أن بقيت مطرودةً خارج العراق أكثر من 30 سنة، دخلت شركات النفط الأجنبية مع القوات المحتلة، وفازت في عقود استخراج النفط في حقول العراق، لتكون أكبر الفائزين من احتلال البلد الغني!

الفشل الأميركي: عودةٌ إلى البداية

حالة الفشل الأميركي الحديث في أفغانستان أكثرُ من واضحة، إذ تزامن الانسحاب الأميركي التدريجي مع تقدّم مقاتلي "طالبان" وسيطرتهم على مناطق أفغانية واسعة بسرعة كبيرة، حتى ليبدو أنَّ الحركة كَنَست المحتلين، الذين لم يخرجوا من دون أن يتلطّخوا بدمائهم، في مشهد يحمل دلالةً رمزيّةً غير خافية، إذ قُتِل منهم 13 جندياً أميركياً في الهجوم الانتحاري الذي وقع قرب مطار كابول.

أمّا في العراق، فأُزيح الذي تحوّل إلى "طاغية" و"ديكتاتور" بعد أن تلقّى الدعم لمحاربة إيران غداة انتصار ثورتها، وكان على علاقة جيدة بالأميركيين طوال سنوات طويلة من نهبهم الثروات النفطية العراقية في أبخس الأثمان. وصار العراق أقرب إلى "المعسكر الآخر" وفق مفهوم واشنطن، وهو ما كان على الدوام مثار تخّوفٍ وتحذيرٍ أميركيَّين، إذ صرّح مؤخراً رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بأن "علاقات بلاده بإيران اليوم في أفضل حالاتها".