بعد اعتذار الحريري: استشارات نيابية ومقاطعة وتعويم حكومة دياب

مصادر سياسية تقول، في حديث خاص إلى الميادين نت، إن لبنان دخل مرحلةً جديدة من انعدام التوازن، بحيث يجري تعطيل المؤسّسات الدستورية، وترك الأمور للتَّأَكُّل والتراجع اليوميين أمام قرار الاستثمار في الأزمة وإدارتها.

  • الجيش اللبناني يطلق الرصاص باتجاه محتجين قطعوا الطريق في بيروت _15 تموز/ يوليو (أ ف ب).
    الجيس اللبناني يحاول فتح طرق قطعها محتجّون في بيروت _ 15 تموز/يوليو (أ ف ب).

أكّدت مصادر سياسية للميادين نت أن "لا أفقَ للفوضى والاحتجاجات التي يُحْدِثها أنصار الرئيس سعد الحريري في الشارع عقبَ اعتذاره عن تأليف الحكومة".

ورأت أن "مفاعيل الاعتذار جرى احتواء معظمها، ووضع سقوف لها، وذلك من خلال جولة اتصالات سياسية قامت بها جهات دولية ومحلية، في الأيام الأخيرة الفاصلة عن خطوة انسحاب الحريري من مهمة التأليف". وتوقّعت أن "تتأخر بعضَ الوقت الدعوةُ إلى استشارات نيابية ملزمة، بالنظر إلى احتمال مقاطعة أغلبية "المكوّن السني" في المجلس النيابي لهذه الاستشارات"، وفق المصادر.

وبحسب المصادر، سيترك الاعتذار "أثراً سلبياً مباشِراً في سعر  العملة الوطنية أمام الدولار، وهي المنهارة أصلاً. وسيؤثّر في الشارع المؤيد للرئيس سعد الحريري، إلاّ أن الاحتجاج وقطع الطرقات لن يستمرا طويلاً، وستبقى حالة الفوضى منضبطةً، وتحت سقوف محدَّدة، لأنها تتنافى مع إرادتين محلية ودولية تلتقىان على منع الانزلاق إلى الفوضى الأمنية. والحديث الدولي المتكرّر، عن دعم الجيش اللبناني ودوره في الداخل، إنّما يصبّ في هذا السياق". 

وأشارت المصادر إلى أن "سعر الدولار مرتبط بالأزمة، سياسياً ومالياً واقتصادياً، وارتفاعه سريعاً بعد اعتذار الحريري أمر متوقَّع في بلد تتداخل فيه السياسة بالمال والاقتصاد. ولا أحد يضمن ألاّ يستمر مسلسل انهيار الليرة أمام الدولار ما لم تُحَلَّ أولاً الأزمةُ السياسية، وحالةُ الانقسام والتشظي والتردي التي تعيشها البلاد منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وما لم لم تتغيَّر السياسات الدولية التي تفرض شكلاً من أشكال الحصار المالي غير المعلَن على لبنان".  

وكشفت  المصادر للميادين نت أن "كُتَلاً وازنة في المجلس النيابي لن تشارك في أيّ استشارات يدعو إليها الرئيس ميشال عون، الأمر الذي يدفعها إلى اعتقاد مفادُه تأخُّرُ الدعوة إلى هذه الاستشارات، وصعوبةُ تكليف شخصية توافق على تحمّل المسؤولية في الظروف القائمة، إلاّ في حال تمّ الاتفاق، دولياً ومحلياً، مع السعودية، على تكليف شخصية ما ترأس ما يُشبه حكومة انتخابات، وتحظى بدعم القوى الدولية والإقليمية، وتعمل بغطاء منها. وهذا أمر صعب حالياً، ومستبعَد".

كذلك، قالت المصادر إن "لبنان دخل مرحلة جديدة من انعدام التوازن، بحيث يجري تعطيل المؤسسات الدستورية، وتُركت الامور للتَّأَكُّل والتراجع اليوميَّين، أمام قرار دولي ـ إقليمي يقوم على الاستثمار في الأزمة وإدارتها، وواقع محلي يمكن تلخيصه في جملة واحدة "سلطة عاجزة ومفكَّكة، وفوضى اجتماعية، وانهيارات تدريجية". وتوقعت أن "يستمرّ هذا الواقع حتى الانتخابات النيابية المرجَّح إجراؤها في أيار/مايو من العام 2022، في حال لم تتغير الوقائع، ولم يتغيّر المخطط الدولي القائم حالياً على الرهان على الأزمة من أجل إحداث تغييرات جذرية تصبّ في مصلحة دول الوصاية الثلاث، فرنسا والولايات المتحدة والسعودية".

ورجّحت المصادر "إعادة البحث في تعويم حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة، في ظل انسداد الأفق، دستورياً ومؤسساتياً، وفي ظل حالات "الفيتو المذهبي" التي يجري استخدامها". وهذا يعني، بحسب هذه المصادر، أن "حكومة تصريف الأعمال ستظل قائمة إلى ما بعد الانتخابات النيابية. وعليه، سيزداد الضغط السياسي الداخلي على رئيس الحكومة المستقيلة من أجل إعادة تفعيل حكومته".

وعن المرحلة المقبلة والخُطوات الدولية المتوقَّعة بعد مرحلة اعتذار سعد الحريري عن التكليف، قالت المصادر إنَّ "من الواضح أن الدول المهتمة بالشأن اللبناني، ولاسيما فرنسا والولايات المتحدة والسعودية، ستستخدم كثيراً من الاوراق التي تجعل البلاد تصل منهَكة إلى الانتخابات النيابية. فالعقوبات على بعض الشخصيات السياسية باتت أمراً متوقَّعاً، انطلاقاً من عنوانَي: الفساد وتعطيل المؤسسات من جهة، وانفجار المرفأ من جهة ثانية.

وبهذا المعنى، فإن "ما يجري هو شكلٌ من أشكال التأثير المسبّق في الانتخابات، وإطالة عمر الأزمات المتلاحقة، ومحاولة ترسيم حدود للعبة لتنسجم مع مصالح هذه الدول وتطلعاتها نحو لبنان وموقعه على البحر المتوسط، ودوره في الإقليم".

لقد أظهرت التجربة الاخيرة مع الرئيسين حسان دياب وسعد الحريري أن الغطاء السعودي مهمّ وضروري لإتمام المهمة وتأمين مقوّمات النجاح لها، في ظل الصيغة الطائفية الحالية، والنظام المالي الخاضع للوصايات، ومنها الوصاية السعودية.