26 مرشحاً يتواجهون في مناظرات متلفزة... ما مدى تأثيرها على قرار الناخب التونسي؟

من منهم سيكون الأكثر ثقة؟ الأكثر هدوءاً؟ من قد يخطىء في تعابيره ومن قد يصيب؟ هل سيشعر أحدهم بالملل؟ أو قد يبالغ بعضهم في حماسه؟ وكيف سيتعامل المرشحين الرجال الـ24 مع مرشحتين امرأتين فقط؟ أسئلة كثيرة ستجيب عنها المناظرات الثلاث المرتقبة التي قد تتضمن بعض الأخطاء وستحمل الكثير من التحليلات باعتبارها التجربة الأولى.

مواطنون تونسيون ينظرون إلى صور مرشحين للانتخابات الرئاسية يوم 2 سبتمبر الحالي / أ.ف.ب
مواطنون تونسيون ينظرون إلى صور مرشحين للانتخابات الرئاسية يوم 2 سبتمبر الحالي / أ.ف.ب

للمرة الثانية في العالم العربي بعد مصر، تبدأ في تونس اليوم السبت مناظرات مباشرة بين المرشحين الـ26 للانتخابات الرئاسية التونسية.

وسيغيب المرشح عن حزب "قلب تونس" نبيل القروي عن المناظرات بسبب توقيفه أواخر آب/ أغسطس الماضي بتهم تتعلق بالفساد وتبييض الأموال، وبناء عليه، سيشارك 25 مرشحاً في المناظرات.

المناظرات التي تحمل عنوان "الطريق إلى قرطاج- تونس تختار" ستبثّ على 11 قناة تلفزيونيّة تونسية بينها قناتان رسميتان، وعبر أثير نحو 20 إذاعة.

توزّع المرشحون على ثلاث مناظرات، (تسعة مرشحين يومي السبت والأحد، وثمانية مرشحين في الليلة الأخيرة الإثنين المقبل)، على أن تستمرّ المناظرة الواحدة ساعتين ونصف ساعة، كما سيدير ستة صحفيين المناظرات (صحفيان في كل مناظرة).

عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عادل البرينصي أكد في تصريح صحفي "حرص الهيئة على ضمان مبدأ المساواة بين جميع المترشحين"، مؤكداً أنّ هذه التجربة هي "الأولى من نوعها في تونس وفي العالم العربي، وستكون الأسئلة غير موجّهة بل حول الخيارات العامة للمترشح لتقديم برامجه للمواطن التونسي".

ويمكن اعتبار هذه التجربة الأولى عربياً وتونسياً، أنها مهمّة جداً للناخب التونسي الذي سيتمكن من تحديد خياراته بشكل أفضل بعد سماع مواقف المرشحين، ومقارنة آرائهم وأفكارهم في مناظرات مباشرة، خاصة مع تنوع الترشيحات وكثرتها.

وبالعودة إلى تاريخ المناظرات في العالم، فإن أشهر وأهم المناظرات الانتخابية عاشتها الولايات المتحدة الأميركية. في عام 1960، تواجه المرشح الديمقراطي جون ف. كينيدي مع المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون، في أول مناظرة رئاسية متلفزة على صعيد الولايات المتحدة. ظهر كينيدي الذي فاز حينها بالانتخابات بهدوء وسلوك مريح للنظر، أمّا نيكسون الخاسر فيها، بدا عليه التوتر والتعرق بشدة.

حينها، كان التأثير الأكبر على الرأي العام، ليس برؤية وسماع موقف كل مرشح على حدى، بل المرشحين معاً، ما سمح للناخبين بالمقارنة بينهما بشكل جيّد. ومنذ ذلك العام، أصبحت المناظرات الرئاسية المتلفزة سمة أساسية في كل دورة انتخابية أميركية.

مرت فترة طويلة دون أيّ مناظرات مباشرة، لتعود عام 1976 بين المرشحين جيمي كارتر وجيرلارد فورد اللذان تواجها في ثلاث مناظرات. بحسب ويليم بينويت أستاذ التواصل في جامعة ألاباما، كانت المناظرة الثانية هي الفارقة بينهما، خاصةً عندما قال فورد أنه "لا توجد هيمنة سوفيتية على أوروبا الشرقية، ولن يكون هناك تحت إدارتي".

موقف فورد دفع الأميركيين إلى اعتبار ذلك تهديداً لأمنهم القومي. يقول بينويت لمجلة "تايم" الأميركية، إنه رغم تشكيكه بتأثير المناظرة على نتيجة الانتخابات التي خسر فيها فورد، فإن "قول الأشياء بطريقة خاطئة وعدم الوضوح أمام الكاميرات يمكن أن يكون كارثة سياسية كاملة".

عام 1980 كان عاماً حاسماً من حيث اهتمام الجمهور بالمناظرات. فسجلت المناظرة بين المرشحين جيمي كارتر ورونالد ريغان 80 مليون مشاهدة. رقم يمكن اعتباره ضئيلاً مع ما قد تسجله اليوم المناظرات الانتخابية من عدد مشاهدات بوجود مواقع التواصل الاجتماعي.

أمّا التغيّر الأوّل في المناظرات الأميركية كان عام 1992، لتجمع ثلاثة مرشحين بدل اثنين، وهم جورج بوش الأب وبيل كلينتون والمرشح المستقل روس بيرو. فاز كلينتون في الانتخابات، حيث كان أكثر الواثقين، وفي لحظة واحدة شهيرة خلال المناظرة الثانية، التقطت الكاميرا بوش وهو ينظر إلى ساعته. خطأ يكلّف المرشح كثيراً، ويعطي انطباعاً بأنّه قد ملّ من النقاش.

الدليل الأكبر على أهمية الانطباع الذي يتركه المرشح خلال المناظرة على الجمهور، كان في انتخابات عام 2000، حيث تنهد المرشح آل غور كثيراً خلال إجابات نظيره جورج بوش الابن على الأسئلة، واتفق النقاد حينها على أن بوش فاز بقوّة في المناظرة.

مناظرات انتخابات عام 2008 كانت لصالح باراك أوباما، الذي ظهر فيها شاباً واثقاً ومتحدثاً فصيحاً، أمّا جون ماكين فأعطى انطباع الرجل الطاعن في السن والهادىء الى حد اللحظة التي لم يتحكم بها بأعصابه ونعت أوباما بـ"هذا الشخص"، لتنتهي الانتخابات بفوز أوباما كأوّل رئيس من أصول أفريقية.

لم تُصب المناظرات دائماً ليكون الأفضل فيها هو رئيس الولايات المتحدة. كما حدث عام 2016، حين فاز دونالد ترامب على هيلاري كلينتون، رغم أنّه اعتبر الأضعف والأكثر توتراً وفي موقف المدافع دائماً في المناظرات، واستمر في مقاطعة إجابات كلينتون طوال الوقت.

تاريخ المناظرات في فرنسا كان حافلاً أيضاً منذ العام 1974، حتى عام 2002 حين رفض الرئيس السابق جاك شيراك الدخول في مناظرة مع المرشح جان ماري لوبن. حجته كانت أنّه "في مواجهة التعصب والكراهية، لا يمكن إجراء نقاش"، ولم تخفض تلك الخطوة من حظوظه بالفوز بالانتخابات بنسبة 19.9%.

عام 2012، عاشت مصر مناظرة تلفزيونية في الانتخابات الأولى بعد ثورة 25 يناير بين المرشحين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح. لم تعتبر المناظرة ناجحة رغم أنها كانت الأولى عربياً، فمواقف الطرفين وتفاعلهما كانت متقاربة ولم يستطع أيّ منهما السيطرة على الجوّ العام أو توجيه أيّ رد حاسم للطرف الآخر يقنع الناخبين.

إذاً سيتواجه 26 مرشحاً للانتخابات الرئاسية التونسية للمرة الأولى في ثلاث مناظرات سيكون من الصعب فيها المقارنة المطلقة بسبب كثرة المرشحين وعدم تواجههم جميعاً مع بعضهم البعض، ولكنها طبعاً ستسمح للناخب التونسي بالتعرّف على الطريقة التي يتحاور من خلالها المرشحون، ثقتهم من برامجهم الانتخابية، ومواقفهم السياسية والاقتصادية في مواجهة بعضهم البعض.

من منهم سيكون الأكثر ثقة؟ الأكثر هدوءاً؟ من قد يخطىء في تعابيره ومن قد يصيب؟ هل سيشعر أحدهم بالملل؟ أو قد يبالغ بعضهم في حماسه؟ وكيف سيتعامل المرشحين الرجال الـ24 مع مرشحتين امرأتين فقط؟ أسئلة كثيرة ستجيب عنها المناظرات الثلاث المرتقبة التي قد تتضمن بعض الأخطاء وستحمل الكثير من التحليلات باعتبارها التجربة الأولى.

ستفتح تونس بعد هذه الخطوة الباب واسعاً أمام الدول العربية الأخرى لخوض غمار المناظرات الانتخابية كواحدة من أهم الأدوات في أيّ انتخابات ديمقراطية وواضحة. وبغض النظر عن إمكانية نجاح الخطوة من عدمها، وبعيداً عن المدى الذي ستؤثر به في قرار الناخب التونسي، إلّا أنّ عيون التونسيين وان حسموا خياراتهم، ستتابع المناظرات الانتخابية الأولى في تاريخهم السياسي عبر الشاشات وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما قد يؤثر ولو بقدر قليل في اختيارهم رئيساً واحداً من بين 26 مرشحاً يوم 15 أيلول/ سبتمبر الحالي.